واشنطن – سعيد عريقات – 3/4/2026
تحليل إخباري
في تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية الجمعة، تتكشف ملامح تحوّل لافت في الاستراتيجية التي تعتمدها إسرائيل في جنوب لبنان، حيث لم تعد العمليات العسكرية محصورة في إطار الردود المحدودة، بل أخذت تتجه نحو نمط أكثر تنظيماً واستدامة، يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية على طول الحدود الشمالية.
ويشير التقرير إلى أن إسرائيل كثّفت من استهدافها للبنية التحتية التابعة لـحزب الله ، بما يشمل مخازن الأسلحة، ومراكز القيادة، وشبكات الاتصالات، فضلاً عن الأنفاق التي تشكل جزءاً من قدراته القتالية. ويعكس هذا النهج انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة الإضعاف المنهجي، بما يحدّ من قدرة الحزب على المبادرة أو المناورة في المناطق الحدودية الحساسة.
ويبرز في هذا السياق مفهوم "السيطرة دون احتلال"، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض نفوذ ميداني فعلي دون الانخراط في احتلال مباشر أو إعلان وجود دائم لقواتها داخل الأراضي اللبنانية. ويتحقق ذلك من خلال مزيج من الضربات الدقيقة، والمراقبة الجوية المستمرة، والتوغلات المحدودة التي تستهدف أهدافاً نوعية قبل الانسحاب، ما يخلق واقعاً أمنياً جديداً دون تحمّل كلفة سياسية وعسكرية كبيرة.
ويولي التقرير أهمية خاصة للتفوق التكنولوجي الذي تستند إليه إسرائيل في عملياتها، إذ تعتمد بشكل مكثف على الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع المتقدمة، ما يمنحها قدرة عالية على جمع المعلومات الاستخباراتية في الزمن الحقيقي. وقد أسهم هذا التفوق في تقليص الفجوة التي كانت تمنح حزب الله أفضلية في بيئة جغرافية معقدة، تتميز بتضاريسها الوعرة وكثافتها السكانية.
وفي المقابل، يسلط التقرير الضوء على التداعيات الإنسانية المتفاقمة، حيث أدى التصعيد إلى نزوح عشرات الآلاف من سكان القرى الجنوبية، وتحول مساحات واسعة إلى مناطق شبه خالية من المدنيين. ورغم أن هذا الواقع يسهل من حرية الحركة العسكرية، فإنه يطرح تحديات أخلاقية وسياسية، ويزيد من هشاشة الوضع الداخلي في لبنان الذي يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة.
أما ردود فعل حزب الله، فتبدو محسوبة بدقة، إذ يواصل تنفيذ هجمات محدودة النطاق، تشمل إطلاق صواريخ واستهداف مواقع عسكرية، في إطار الحفاظ على معادلة الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ويعكس هذا السلوك حرصاً على موازنة إظهار القوة مع تجنب التصعيد غير المحسوب، في ظل إدراك لتداعيات أي مواجهة واسعة على لبنان والمنطقة.
على الصعيد الدولي، تتزايد المخاوف من احتمال توسع النزاع، حيث تسعى الولايات المتحدة ودول أوروبية إلى احتواء التصعيد عبر قنوات دبلوماسية. غير أن هذه الجهود تبدو حتى الآن غير قادرة على مجاراة سرعة التطورات الميدانية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً في حال استمرار التصعيد.
ويشير التقرير كذلك إلى أن ضعف الدولة اللبنانية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، يحدّ من قدرتها على فرض سيادتها في الجنوب، ما يترك فراغاً تستغله القوى المتصارعة. وفي ظل هذا الواقع، تتكرس معادلة ميدانية جديدة، تقوم على توازن هش بين قوة عسكرية متفوقة من جهة، وفاعل غير نظامي يمتلك خبرة قتالية طويلة من جهة أخرى.
وفي قراءة أعمق لهذه التطورات، يمكن القول إن الاستراتيجية الإسرائيلية تعكس انتقالاً من الردع التقليدي إلى ما يمكن وصفه بـ"الردع الديناميكي"، حيث لا تكتفي الدولة بإظهار قدرتها على الرد، بل تمارس ضغطاً مستمراً ومنخفض الحدة لإبقاء الخصم في حالة استنزاف دائم. غير أن هذا النمط ينطوي على مخاطر كامنة، إذ قد يؤدي إلى تآكل تدريجي لقواعد الاشتباك، ويفتح المجال أمام أخطاء في التقدير قد تشعل مواجهة أوسع.
كما يكشف المشهد في جنوب لبنان عن إشكالية أعمق تتعلق بغياب الدولة الفاعلة، حيث لا يبقى الفراغ محايداً، بل يتحول إلى ساحة تنافس بين قوى متعددة تسعى لفرض نفوذها. وفي هذا السياق، تصبح الحدود مناطق انسياب أمني، تتداخل فيها مفاهيم السيادة مع حسابات الردع، ما يعكس أزمة بنيوية في النظام الإقليمي تتراجع فيها أدوار الدول لصالح الفاعلين غير الحكوميين.
أما على المستوى الإقليمي، فإن هذه التطورات تضع قواعد الاشتباك القائمة منذ عام 2006 أمام اختبار حقيقي. فإذا استمرت إسرائيل في توسيع نطاق عملياتها دون رد موازٍ، فقد يُفهم ذلك على أنه إعادة صياغة لهذه القواعد. أما إذا قرر حزب الله كسر هذا النمط، فإن احتمالات التصعيد السريع تصبح أكثر ترجيحاً، خاصة في ظل الترابط المتزايد بين جبهات الصراع في الشرق الأوسط، ما يجعل أي مواجهة محتملة ذات أبعاد تتجاوز الحدود اللبنانية لتطال توازنات إقليم.
في ما يتعلق بالموقف الأميركي، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة تجمع بين دعمها التقليدي لإسرائيل وحرصها على منع توسع النزاع إقليمياً. فمن جهة، قد ترى واشنطن في الاستراتيجية الإسرائيلية وسيلة لإضعاف حزب الله دون الانخراط في حرب شاملة، وهو ما يتقاطع مع أهدافها في تقليص نفوذ إيران. لكن من جهة أخرى، تخشى الإدارة الأميركية أن يؤدي التصعيد التدريجي إلى انفجار غير محسوب، يفرض عليها تدخلاً مباشراً أو يهدد مصالحها وقواتها المنتشرة في المنطقة.
أما الموقف الأوروبي، فيتسم بقدر أكبر من الحذر، حيث تنظر دول الاتحاد الأوروبي إلى التطورات من زاوية الاستقرار الإقليمي وتداعياته الإنسانية. فبينما تتفهم بعض العواصم الأوروبية الهواجس الأمنية الإسرائيلية، إلا أنها تخشى أن يؤدي تكريس “السيطرة دون احتلال” إلى تقويض القانون الدولي وتعميق أزمة النزوح. ومن المرجح أن يدفع هذا القلق أوروبا إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية، وربما طرح مبادرات لإحياء ترتيبات أمنية شبيهة بتلك التي أعقبت حرب 2006، بهدف احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.