تدخل المواجهة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة بدعم إسرائيلي ضد إيران أسبوعها السادس، وسط حالة من الترقب الدولي لمآلات هذا التصعيد. وقد سادت خيبة أمل واسعة عقب الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي جاء مرتبكاً ولم يقدم رؤية واضحة للخروج من مأزق الحرب المستعرة.
وتشير المعطيات الراهنة إلى تدهور غير مسبوق في شعبية الرئيس ترامب داخل الولايات المتحدة، حيث هبطت معدلات التأييد له إلى نحو 17 في المئة. ويعكس هذا الرقم حالة من السخط الشعبي تجاه السياسات الخارجية التي يتبعها البيت الأبيض، والتي يراها قطاع واسع من الأمريكيين استنزافاً لموارد البلاد.
في غضون ذلك، شهدت المدن الأمريكية الكبرى موجة عارمة من الاحتجاجات، حيث خرج ما يقارب ثمانية ملايين متظاهر إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم لاستمرار الحرب. وتطالب هذه الحشود بوقف فوري للعمليات العسكرية والتركيز على حل الأزمات الداخلية التي بدأت تنهك المجتمع الأمريكي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأ المواطن الأمريكي يلمس آثار الحرب بشكل مباشر من خلال موجة غلاء فاحش طالت السلع الأساسية والخدمات. كما سادت حالة من الفوضى في قطاع النقل الجوي، تمثلت في إلغاء وتأجيل آلاف الرحلات، مما زاد من حالة التذمر الشعبي ضد الإدارة الحالية.
ولم تقتصر الأزمة على الشارع فحسب، بل امتدت لتشمل أروقة صنع القرار في واشنطن، حيث برزت انقسامات حادة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. حتى داخل حركة 'ماغا' المؤيدة لترامب، بدأت أصوات تتعالى ترفض الانخراط في حرب يصفونها بأنها تخدم مصالح نتنياهو أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية.
ويرى مراقبون أن خطاب ترامب في الثاني من نيسان/ أبريل الجاري لم يعكس حجم الخسائر الداخلية التي تمنى بها إدارته. وبالرغم من الضغوط المتزايدة، لم يجنح الرئيس نحو خيار التهدئة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الإصرار على مواصلة التصعيد العسكري.
وتشير بعض التحليلات إلى أن ترامب قد يكون خاضعاً لعمليات ابتزاز تتعلق بملفات حساسة، من بينها مستندات مرتبطة بقضية 'إبستين'. وتتضمن هذه الملفات اتهامات خطيرة قد تنهي مستقبله السياسي، مما يجعله في وضع دفاعي يحاول الهروب منه عبر التصعيد في الجبهات الخارجية.
إن ما يواجهه ترامب في الداخل الأمريكي يشكل العامل الأول الضاغط عليه لوقف الحرب وعدم الإيغال فيها أكثر فأكثر.
وعلى المستوى الدولي، تعيش الولايات المتحدة حالة من العزلة المتزايدة نتيجة سياساتها الصدامية مع القوى الكبرى والمنظمات الدولية. وقد أدى إغلاق الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز إلى شلل في حركة التجارة العالمية، مما أثار حفيظة الدول التي تعتمد على إمدادات الطاقة من المنطقة.
وتتفاقم الأزمة الدبلوماسية مع الحلفاء الأوروبيين بشكل ينذر بانهيار حلف شمال الأطلسي 'الناتو' نتيجة تعامل الإدارة الأمريكية بفوقية مع شركائها. ويرى القادة الأوروبيون أن سياسة ترامب الحالية تتجاهل المصالح الاستراتيجية للقارة العجوز وتدفع بالعالم نحو حافة الهاوية.
إن الاستخفاف الأمريكي بالدور الأوروبي في السياسة العالمية قد يكلف واشنطن الكثير على المدى البعيد، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة. فالتعامل بلغة الاحتقار مع الحلفاء التقليديين يضعف الجبهة الغربية ويمنح خصوم الولايات المتحدة فرصاً لتعزيز نفوذهم على حساب التراجع الأمريكي.
وكان من المفترض أن يشكل خطاب نيسان/ أبريل نقطة تحول لإنهاء الحرب التي بدأت تتحول إلى عبء ثقيل على كاهل الدولة الأمريكية. إلا أن غياب الرؤية السياسية والتمسك بالخيار العسكري قد يقودان البلاد إلى هزيمة استراتيجية يصعب تدارك آثارها في المستقبل القريب.
وتتصاعد المخاوف الدولية من احتمال لجوء الإدارة الأمريكية إلى استخدام أسلحة غير تقليدية، بما في ذلك السلاح النووي التكتيكي، في حال انسداد الأفق العسكري. ويرى خبراء أن مثل هذه الخطوة ستواجه برفض عالمي شامل وستؤدي إلى عواقب كارثية على من يتخذ قرار استخدامها.
وفي المقابل، يظهر الجانب الإيراني صموداً في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية، مما يعقد الحسابات الأمريكية والإسرائيلية في الميدان. إن عدم الاستسلام للتهديدات النووية يضع ترامب ونتنياهو في مأزق تاريخي، حيث يتحول السلاح المدمر إلى أداة انتحار سياسي لمستخدمه.
ختاماً، يبدو أن الأسبوع السادس للحرب يمثل مفترق طرق حاسماً للقيادة الأمريكية التي تجد نفسها محاصرة بين غضب الداخل وعزلة الخارج. إن الاستمرار في هذا النهج العدواني قد لا يؤدي فقط إلى خسارة الحرب، بل إلى تغيير وجه الخارطة السياسية الدولية بشكل جذري.





شارك برأيك
أزمة القيادة الأمريكية في الأسبوع السادس للحرب ضد إيران: ترامب بين ضغط الشارع وعزلة الحلفاء