تحليل

الجمعة 03 أبريل 2026 1:05 مساءً - بتوقيت القدس

تعثر النهضة العربية: قراءة في تجربة أبي الأعلى المودودي والجماعة الإسلامية

تعد تجربة أبي الأعلى المودودي والجماعة الإسلامية التي أسسها في لاهور عام 1941، واحدة من أبرز المحطات الفكرية التي أثرت في مسار الحركات الإسلامية والنهضة العربية. وقد استهدفت الجماعة منذ نشأتها إعادة إقامة الخلافة الإسلامية، مستندة إلى إنتاج فكري غزير تُرجم إلى العربية ليصبح مرجعاً أساسياً للعاملين في الساحة الإسلامية بالمنطقة.

ينقسم إرث المودودي إلى شقين أساسيين؛ الأول يتعلق بكتاباته الفكرية التي شملت العقيدة والاقتصاد والسياسة، حيث امتازت باطلاع واسع على الحضارة الغربية ومناقشتها من منظور شرعي. أما الشق الثاني فيتمثل في منهجه التغييري الذي واجه تحديات جسيمة حالت دون تحقيق كامل أهدافه السياسية في الواقع الباكستاني.

في الجانب العقدي، ركز المودودي على مفاهيم الحاكمية من خلال دراسة مصطلحات الرب والإله والدين والعبادة، مبرزاً أهمية الحكم بشرع الله كضرورة عقدية. وقد شدد في أطروحاته على أن نظام الحكم الإسلامي يختلف جوهرياً عن الأنظمة الوضعية، مؤكداً على شمولية الشريعة لكل تفاصيل الحياة البشرية.

قدم المودودي رؤية نقدية للمجتمع والسياسة، حيث تصدى لحركة التغريب في باكستان من خلال مؤلفات متخصصة حول قضايا المرأة والأسرة مثل كتاب 'الحجاب'. واستند في ردوده على دراسات علمية واجتماعية تبرز ملاءمة التشريعات الإسلامية للفطرة البشرية، محذراً من ذوبان الهوية الإسلامية في القوالب الغربية.

سياسياً، وقف المودودي في البداية ضد حزب المؤتمر الهندي بقيادة نهرو، معتبراً إياه حزباً قومياً يتبنى الماركسية ولا يمثل تطلعات المسلمين. كما انتقد الرابطة الإسلامية التي قادت الانفصال عن الهند، واصفاً منهجها بالقومي العلماني رغم استخدامها لبعض الشعارات والمصطلحات الدينية لاستمالة الجماهير.

يرى المحللون أن المودودي واجه واقعاً معقداً عند نشوء دولة باكستان عام 1947، حيث كانت القيادات السياسية، وعلى رأسها محمد علي جناح، متأثرة بالثقافة الغربية والقوانين الإنجليزية. وبالرغم من نجاح الجماعة في غرس الأفكار وإصلاح بعض الطبقات الاجتماعية، إلا أن طموحها في إصلاح منظومة الحكم واجه عقبات كبرى.

شكل صدور 'قرار المبادئ' عام 1949 نقطة تحول في مسار الجماعة، حيث اعتبر المودودي أن باكستان أصبحت دولة إسلامية رسمياً بموجب هذا القرار. وبناءً عليه، انتقلت الجماعة من مربع المعارضة والمقارعة للرابطة الإسلامية إلى مربع العمل من داخل الدولة لخدمة هذا الكيان الجديد.

يعتقد مراقبون أن هذا التحول كان متسرعاً، إذ إن القيادة السياسية التي أصدرت القرار لم تغير من سلوكها العلماني أو توجهاتها الغربية. فالدولة الإسلامية لا تقوم بمجرد نصوص قانونية، بل تتطلب قيادة مؤمنة وملتزمة بتطبيق الشريعة في كافة مفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية، وهو ما افتقدته التجربة الباكستانية آنذاك.

لم تكن الرابطة الإسلامية هي العائق الوحيد، بل برزت المؤسسة العسكرية كقوة فاعلة ومجهضة للمسار الديمقراطي الذي كانت تتحرك من خلاله الجماعة. فمنذ انقلاب الجنرال أيوب خان عام 1958، دخلت البلاد في دوامة من الحكم العسكري الذي عطل الأحزاب والبرلمانات، مما أربك حسابات الجماعة الإسلامية.

توالت الانقلابات العسكرية بقيادة يحيى خان ثم ضياء الحق، مما أدى إلى تآكل الحياة السياسية المدنية وضياع بنغلادش في عام 1971. وفي كل مرة، كانت الجماعة تجد نفسها مضطرة للبدء من الصفر، نتيجة غياب رؤية واضحة للتعامل مع نفوذ الجيش المتغلغل في مفاصل الدولة.

يُسجل للمودودي أنه كان عالماً موسوعياً استطاع الربط بين النص الشرعي وتطورات العصر، مقدماً اجتهادات رائدة في مجالات السياسة والاقتصاد. ومع ذلك، فإن تعثر مشروعه السياسي يعزى بشكل رئيسي إلى عدم تقديم إجابات استراتيجية حاسمة حول كيفية التعامل مع النخب العلمانية والمؤسسة العسكرية.

إن تجربة الجماعة الإسلامية في باكستان تقدم درساً مهماً في فقه التغيير، حيث أثبتت أن العمق الفكري وحده لا يكفي دون أدوات سياسية قادرة على المناورة. فالمثالية التي طبعت مواقف المودودي أحياناً اصطدمت بواقعية القوة التي كانت تفرضها القيادات العسكرية والسياسية المرتبطة بالغرب.

في الختام، يظل أبو الأعلى المودودي قامة فكرية أثرت في وجدان الحركات الإسلامية المعاصرة، لكن تجربته العملية بقيت رهينة التجاذبات الداخلية في باكستان. وقد أدى غياب التوازن بين الإصلاح الاجتماعي والتمكين السياسي إلى محدودية دور الجماعة في صياغة مستقبل الدولة الباكستانية.

تظل القراءة في تعثر النهضة العربية من خلال بوابة المودودي ضرورية لفهم أزمات الحكم والهوية في العالم الإسلامي. فالتحديات التي واجهها المودودي قبل عقود، من علمانية النخب وتدخل الجيش، لا تزال تمثل العوائق الرئيسية أمام أي مشروع نهضوي إسلامي في العصر الحديث.

دلالات

شارك برأيك

تعثر النهضة العربية: قراءة في تجربة أبي الأعلى المودودي والجماعة الإسلامية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.