تحليل

السّبت 14 مارس 2026 3:48 مساءً - بتوقيت القدس

قانون التاريخ القاسي.. هل بدأت مرحلة سقوط الإمبراطوريات من بوابة غزة؟

يبدو المشهد الدولي الراهن أقرب ما يكون إلى لحظة تحول تاريخي عميقة، حيث تشير الحرب الدائرة في الشرق الأوسط والتوتر المتصاعد بين إسرائيل وأمريكا وإيران إلى مأزق سياسي واستراتيجي واسع النطاق. إن هذه الأحداث لم تعد تُقرأ في إطار موازين القوة العسكرية التقليدية فحسب، بل في سياق تآكل الهيبة السياسية والأخلاقية للقوى التي هيمنت على النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في الحالة الإسرائيلية، بات واضحاً أن الحرب التي استهدفت ترميم صورة الردع المتآكلة في قطاع غزة قد أدت إلى نتائج عكسية تماماً. فقد انخرطت إسرائيل في دوامة من الأزمات العسكرية والسياسية التي كشفت هشاشة فكرة 'التفوق المطلق'، ووضعت سلوكها تحت مجهر المحاكمة الأخلاقية العالمية للمرة الأولى منذ عقود طويلة.

إن المأساة الإنسانية في غزة لم تعد مجرد خبر عابر، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في نقاش دولي واسع حول حدود القوة العسكرية في فرض الوقائع السياسية. هذا المأزق الإسرائيلي يرتبط بشكل عضوي بالمأزق الأمريكي، حيث تجد واشنطن نفسها منجرفة خلف سياسات قصيرة النظر تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية المتماسكة، خاصة في إدارة الصراع مع طهران.

لقد ساهمت سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولا سيما اندفاعة عهد دونالد ترامب، في دفع المنطقة نحو حافة المواجهة دون تقديم تصور واضح للمآلات النهائية. وبدت القوة الأعظم في العالم وكأنها تتحرك بمنطق رد الفعل لا بمنطق القيادة، مما أدى إلى تآكل 'الهيبة الأخلاقية' التي كانت واشنطن تدعي حمايتها عبر شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي.

هذا التآكل في الهيبة ليس مجرد مسألة دعائية، بل هو عنصر جوهري في استقرار الدول كما أوضح ابن خلدون في نظريته حول قيام وسقوط الدول. فالدولة تبلغ أوج قوتها عندما تتوازن فيها السلطة مع العدالة، أما عندما تتحول القوة إلى أداة للهيمنة المجردة وتفقد قدرتها على تحقيق العدل، فإنها تدخل حتماً في مرحلة الضعف والانحدار التدريجي.

بالانتقال إلى الدور الإيراني، نجد أن طهران استغلت الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق لتوسيع نفوذها الإقليمي بشكل غير مسبوق. ومع ذلك، فإن هذا التمدد الذي شمل العراق وسوريا ولبنان واليمن حمل في طياته بذور أزمة طويلة الأمد، كونه ارتبط بشبكات الميليشيات والصراعات الداخلية بدلاً من مشاريع الاستقرار والتنمية.

تواجه إيران اليوم معادلة معقدة تتمثل في نفوذ جغرافي واسع محفوف بأعباء سياسية واقتصادية وأمنية هائلة، وهو ما يجسد مفهوم 'الإفراط الإمبراطوري' الذي صاغه المؤرخ بول كينيدي. هذا المفهوم يصف الحالة التي تتجاوز فيها الدولة قدراتها الاقتصادية والسياسية في إدارة نفوذها الخارجي، مما يؤدي في النهاية إلى استنزاف مواردها الأساسية.

سيسجل التاريخ أن قطاع غزة كان السباق في كسر هيبة الاحتلال الإسرائيلي، ليس فقط عبر الصمود في وجه أطول حرب إبادة، بل من خلال الثبات الأسطوري على الأرض ورفض مخططات التهجير. لقد فضحت غزة صورة الكيان كقوة احتلال غاشمة، وأعادت تعريف الصراع في الوجدان العالمي كقضية عدالة إنسانية في مواجهة آلة قتل عسكرية.

في المقابل، تبرز إيران كأول دولة من العالم النامي تتجرأ على مواجهة الولايات المتحدة وجهاً لوجه، مستفيدة من الأخطاء الاستراتيجية للقوى الكبرى. إن هذه المواجهة لم تعد مجرد صراع إقليمي محدود، بل أصبحت انعكاساً لمعركة أوسع على الهيبة والشرعية في نظام دولي يمر بمرحلة مخاض عسيرة وتغيرات جذرية في موازين القوى.

بينما تتغير هذه الموازين الدولية، يبدو النظام العربي الرسمي في حالة من العجز والجمود، غير قادر على صياغة موقف موحد أو التأثير في التحولات العاصفة. إن الانقسام العربي الراهن يجعل المنطقة أسيرة لسياسات القوى الإقليمية والدولية، وكأن القرار العربي الرسمي بات خارج الزمن التاريخي الذي تتحرك فيه بقية الأمم.

إن صوت الضحايا يظل دائماً أبلغ من البيانات السياسية، فمأساة الطفل السوري في مياه المتوسط ووجوه أطفال غزة الذين يواجهون الجوع والقصف هي شهادات حية على فشل النظام الدولي. هذه التجاوزات الأخلاقية والدماء التي أريقت بلا سبب تسجل في سجل التاريخ، ولن تمر دون ثمن يدفعه كل طرف حسب دوره ومسؤوليته.

إن الدرس المؤلم الذي تقدمه الأحداث الجارية هو أن القوة بلا عدالة، والسلطة بلا رحمة، تمهد الطريق سريعاً نحو الانهيار الشامل. فالإمبراطوريات مهما بلغت من العظمة تظل رهينة لمنظومتها الأخلاقية وعلاقتها بالإنسانية، والتاريخ لا يغفر لمن خذل العدالة أو استثمر في معاناة الشعوب لتحقيق مكاسب سياسية زائلة.

الحساب التاريخي آتٍ لا محالة لكل من ساهم في تقويض قيم الكرامة الإنسانية، حيث يثبت الواقع أن تآكل الشرعية هو المقدمة الفعلية لسقوط القوى العظمى. إن ما يحدث في غزة والمنطقة اليوم ليس مجرد جولة صراع، بل هو إعادة كتابة لقواعد الاشتباك الأخلاقي والسياسي التي ستحكم العالم في العقود القادمة.

في نهاية المطاف، يبقى الإنسان المتمسك بحقه هو المحرك الحقيقي للتاريخ، بينما تتلاشى القوى التي تعتمد على البطش المجرد. إن صمود المستضعفين في وجه آلات الحرب المتطورة يرسل رسالة واضحة بأن زمن الهيمنة المطلقة قد ولى، وأن فجراً جديداً من توازن القوى قد بدأ يتشكل من وسط الركام والدمار.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 3:48 مساءً - بتوقيت القدس

7 شهداء خلال يومين.. عاصفة رملية تضاعف مأساة النازحين في قطاع غزة

تصاعدت حدة المعاناة الإنسانية في قطاع غزة اليوم السبت، حيث امتزجت دماء الشهداء بغبار العواصف الرملية التي اجتاحت خيام النازحين. وأفادت مصادر طبية وميدانية باستشهاد مواطنة فلسطينية برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيم المغازي، بالتزامن مع إصابة طفلين بجروح متفاوتة إثر انهيار جدار في مدينة خانيونس نتيجة الرياح العاتية التي تضرب المنطقة.

وفي تفاصيل الاعتداءات الميدانية، ذكرت مصادر أن آليات الاحتلال المتمركزة في المناطق الشرقية لمخيم المغازي أطلقت الرصاص الحي بشكل مباشر تجاه المواطنة من عائلة أبو شوارب، مما أدى إلى ارتقائها على الفور. وتأتي هذه الحادثة في سياق سلسلة من الانتهاكات المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي بدأ سريانه في أكتوبر الماضي.

وكشفت الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة أن المستشفيات استقبلت خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية سبعة شهداء و13 جريحاً. وبهذه الحصيلة الجديدة، يرتفع عدد ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ بدء التهدئة إلى 659 شهيداً وأكثر من 1700 مصاب، مما يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بالاتفاقات المبرمة.

وعلى صعيد الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ أكتوبر 2023، أكدت الوزارة أن عدد الشهداء المسجلين رسمياً وصل إلى 72 ألفاً و234 شهيداً، بينما تجاوز عدد المصابين حاجز 171 ألفاً. وأشارت الطواقم الطبية إلى أن عمليات البحث تحت الأنقاض لا تزال مستمرة، حيث تم انتشال 756 جثماناً منذ توقف العمليات العسكرية الكبرى.

وبعيداً عن الرصاص، واجه النازحون في القطاع تحدياً مناخياً قاسياً مع هبوب عاصفة رملية كثيفة غطت السماء بلون برتقالي داكن. وأدت هذه العاصفة إلى انعدام شبه كامل للرؤية الأفقية، وتسببت في تسلل الأتربة والغبار إلى داخل الخيام المهترئة التي تأوي مئات آلاف العائلات في مناطق النزوح المفتوحة.

وحاول السكان في مختلف مناطق الإيواء تثبيت خيامهم باستخدام الحبال والحجارة الثقيلة خشية اقتلاعها بفعل الرياح القوية. وتعيش آلاف الأسر، التي تضم أطفالاً ومرضى وجرحى، في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحماية من التقلبات الجوية، مما فاقم من تدهور الحالة الصحية للمصابين بأمراض الجهاز التنفسي.

من جانبه، صرح المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، بأن العاصفة الرملية ألحقت أضراراً جسيمة بممتلكات السكان وخيامهم، لا سيما في مراكز الإيواء الواقعة على امتداد الساحل. وأوضح مهنا أن استمرار هذه الظروف الجوية في ظل انعدام البنية التحتية يضع حياة الآلاف على المحك، مطالباً بتدخل دولي فوري لتوفير مساكن بديلة.

ووجه مهنا نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية للضغط من أجل إدخال المساعدات الإنسانية والمساكن المتنقلة (الكرفانات). وأكد أن الحلول المؤقتة المتمثلة في الخيام القماشية لم تعد تجدي نفعاً أمام توالي المنخفضات الجوية والعواصف الرملية التي تضرب القطاع المنكوب بشكل متكرر.

وفي سياق الإجراءات الوقائية، أصدرت المديرية العامة للدفاع المدني في غزة جملة من التوصيات للسكان للتعامل مع موجة الغبار. ودعت المديرية المواطنين إلى تجنب الخروج من الخيام إلا للضرورة القصوى، مع التشديد على ارتداء الكمامات أو استخدام قطع قماش مبللة لتغطية الأنف لتفادي حالات الاختناق.

وتشير التقديرات الأممية والمحلية إلى أن نحو 1.9 مليون فلسطيني باتوا في عداد النازحين قسراً داخل قطاع غزة من أصل 2.4 مليون نسمة. ويعاني هؤلاء من فقدان المأوى الدائم بعد تدمير مساحات شاسعة من الأحياء السكنية، مما جعلهم عرضة للاستهداف المباشر أو للموت بظروف بيئية وصحية قاسية.

ورغم الهدوء النسبي الذي يفترض أن يوفره اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار العمليات العدائية الإسرائيلية. وتتنوع هذه الخروقات بين القصف المدفعي المتقطع وإطلاق النار على المزارعين والنازحين، مما يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أمراً بعيد المنال في ظل الحصار المطبق.

اسرائيليات

السّبت 14 مارس 2026 2:48 مساءً - بتوقيت القدس

عقيدة 'الحملة الصليبية' في البنتاغون: كيف يرى وزير الدفاع الأمريكي العالم الإسلامي؟

أثار وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والدولية، عقب تصريحاته التي ربطت بشكل مباشر بين العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران وبين خطاب ديني عقائدي. وأكد هيغسيث في مقابلات إعلامية أن القوات المسلحة الأمريكية لا تقاتل بقدراتها التقنية فحسب، بل هي مدعومة بـ 'عناية الله'، محذراً من أن التشكيك في عزم واشنطن هو خطأ استراتيجي يرتكبه الخصوم.

ويرى مراقبون أن هذا النوع من الخطاب يعزز الانطباع السائد في العالم الإسلامي بأن الولايات المتحدة تخوض 'حرباً دينية' تحت غطاء سياسي وعسكري. وخلال ظهوره الأخير، شدد الوزير على تفوق المقاتل الأمريكي ليس فقط في العتاد، بل في الإرادة والارتباط الروحي، معتبراً أن المواجهة الحالية هي صراع ضد 'متطرفين' يسعون لتحقيق نبوءات دينية تدميرية.

ولم يكتفِ هيغسيث بالتصريحات الشفهية، بل نقل هذا النفس الديني إلى أروقة البنتاغون، حيث استشهد بآيات من 'المزامير' خلال مراسم رسمية لنقل رفات الجنود. وتحدث الوزير عن الرب باعتباره 'الصخرة' التي تدرب أيدي الجنود على القتال وأصابعهم على خوض الحروب، مما يعكس تداخلاً عميقاً بين معتقداته الشخصية ومهامه الرسمية كقائد لأقوى جيش في العالم.

وتستند رؤية هيغسيث إلى قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة أمة مسيحية في جوهرها وتكوينها التاريخي، وهو ما يسعى للحفاظ عليه وتكريسه داخل المؤسسة العسكرية. ويرى الوزير أن 'ترسانة الإيمان' لا تقل أهمية عن 'ترسانة الحرية'، داعياً إلى استعادة الهوية الدينية التي يرى أنها تعرضت للتهميش لصالح اللغة العلمانية في العقود الأخيرة.

وتظهر الرموز التي يختارها الوزير عمق تأثره بتاريخ الحروب الصليبية، حيث يحمل أوشاماً لـ 'صليب القدس' وعبارات لاتينية كانت شعاراً للمقاتلين الأوروبيين في القرون الوسطى. هذه الرموز، بحسب تحليلات لمصادر إعلامية دولية، ليست مجرد زينة، بل تعبر عن فلسفة 'الله يريد ذلك' التي يتبناها في مواجهة ما يصفه بالتهديدات الوجودية.

وفي كتابه 'الحملة الصليبية الأمريكية'، يذهب هيغسيث إلى أبعد من ذلك، واصفاً المرحلة الحالية بأنها 'لحظة صليبية' تتطلب استنفاراً مسيحياً يشبه ما حدث قبل ألف عام. ويحذر الكتاب من خطر 'الإسلاميين' الذين يسعون لإعادة تشكيل المجتمعات، مؤكداً ضرورة المواجهة العسكرية والثقافية والجغرافية لدفع هذا المد إلى التراجع.

ويتبنى الوزير موقفاً متشدداً تجاه مفهوم 'الإسلام دين سلام'، معتبراً إياه 'وهماً' يعيق المهمة الأمريكية في حماية قيمها ومصالحها. ويزعم في مؤلفاته أن الإسلام في حالة حرب دائمة مع من يصفهم بـ 'الكفار' منذ تأسيسه، وهي رؤية تصادمية تثير مخاوف من تحويل الصراعات السياسية إلى حروب عقائدية لا تقبل الحلول الوسط.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، يبرز دعم هيغسيث المطلق للاحتلال الإسرائيلي كجزء من عقيدته 'الصهيونية المسيحية'. فهو يرى في قوة إسرائيل ودفاعها الوجودي جزءاً من نبوءات الكتاب المقدس، معتبراً أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب هو تحالف ديني وأخلاقي يتجاوز المصالح الجيوسياسية التقليدية.

وداخل وزارة الدفاع، أطلق الوزير مبادرات تهدف إلى تعزيز دور القساوسة العسكريين وتعديل أدلتهم الإرشادية لتشمل لغة دينية أكثر صراحة. كما بدأ بتنظيم صلوات شهرية في البنتاغون واستضافة شخصيات دينية تدعو إلى 'القومية المسيحية'، مما أثار قلق المنظمات المدافعة عن الحريات الدينية داخل الجيش.

وأفادت مصادر حقوقية عسكرية بأنها تلقت شكاوى عديدة حول تحول الخطاب داخل الوحدات القتالية إلى لغة مرتبطة بـ 'نهاية الزمان'. ويحذر خبراء من أن هذا التوجه يوفر مادة دعائية دسمة للجماعات المتطرفة في العالم الإسلامي، حيث يصور الصراع كحملة صليبية جديدة تستهدف الدول المسلمة بشكل مباشر.

وتشير أبحاث أكاديمية إلى أن أفكار هيغسيث تمثل مزيجاً بين 'القومية المسيحية' و'الاستثنائية الأمريكية'، وهي رؤية ترتب العالم في هرمية تضع المسيحيين في القمة. هذا التفكير يجعل من الصراع مع دول مثل إيران معركة قيم ومعتقدات، وليس مجرد نزاع على النفوذ الإقليمي أو البرنامج النووي.

ورغم الانتقادات، يبدو أن هيغسيث يحظى بدعم من قاعدة شعبية واسعة تؤمن بأن الولايات المتحدة يجب أن تعود إلى جذورها الدينية لمواجهة التحديات العالمية. ويرى هؤلاء أن 'التسامح' في نظر الوزير قد يعني 'الاستسلام'، وهو ما يرفضه تماماً في سياق إدارته لملفات الدفاع والأمن القومي.

وتعكس محاولات الوزير للتوفيق بين تعاليم السلام المسيحية ودعواته للمواجهة العسكرية، طبيعة المرحلة التي تمر بها الإدارة الأمريكية الحالية. فهو يرى أن وصايا 'إدارة الخد الآخر' لا تنطبق على وزير دفاع مكلف بحماية أمة في حالة صراع، مما يشرعن استخدام القوة المفرطة تحت غطاء ديني.

ختاماً، يمثل بيت هيغسيث نموذجاً جديداً من القيادات الأمريكية التي لا تخفي أجندتها الأيديولوجية، مما يضع العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي في اختبار حقيقي. ومع استمرار الحرب العسكرية والسياسية، يبقى السؤال حول مدى تأثير هذه الرؤية 'الصليبية' على استقرار المنطقة ومستقبل التحالفات الدولية.

تحليل

السّبت 14 مارس 2026 2:43 مساءً - بتوقيت القدس

تزايد التكهنات باجتياح بري إسرائيلي للبنان وسط تصاعد الحرب الإقليمية

واشنطن – سعيد عريقات – 14/3/2026

تحليل إخباري

تتصاعد في الأسابيع الأخيرة التكهنات حول احتمال إقدام إسرائيل على شن غزو بري واسع داخل الأراضي اللبنانية في خطوة قد تمثل أخطر توسع للحرب الجارية في المنطقة منذ اندلاع المواجهة مع إيران أواخر شباط الماضي. فالتقارير الإعلامية الأميركية والإسرائيلية تشير إلى استعدادات عسكرية متسارعة على الحدود الشمالية لإسرائيل بينما تتزايد التحذيرات الدبلوماسية من أن أي عملية برية كبيرة قد تدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من التصعيد يصعب احتواؤها سياسياً أو عسكرياً خصوصاً في ظل التوتر المتزايد بين طهران وواشنطن وحلفائهما في الشرق الأوسط حالياً جداً.

وبحسب ما نقله موقع أكسيوس الإخباري الأميركي يوم السبت عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين فإن الخطة التي تبحثها تل أبيب تقوم على توسيع العمليات البرية بهدف السيطرة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني ودفع مقاتلي حزب الله شمالاً بعيداً عن الحدود الإسرائيلية إضافة إلى تدمير البنية العسكرية للحزب في القرى الجنوبية. ويقول مسؤول إسرائيلي إن الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو كانت تميل إلى احتواء المواجهة للتركيز على الجبهة الإيرانية لكن إطلاق أكثر من مئتي صاروخ من لبنان غيّر الحسابات ودفع القيادة العسكرية إلى دراسة خيار الاجتياح البري الواسع المحتمل.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي أبقى منذ اندلاع الحرب مع إيران وحدات مدرعة وقوات مشاة كبيرة قرب الحدود اللبنانية كما نفذ خلال الأسابيع الماضية عمليات توغل محدودة داخل بعض القرى الحدودية. وفي يوم الجمعة أعلن جيش الاحتلال إرسال تعزيزات إضافية واستدعاء قوات احتياط تمهيداً لعملية أوسع. ويقول مسؤولون إن الهدف المباشر يتمثل في السيطرة على الأرض وتفكيك مواقع حزب الله ومستودعات أسلحته، غير أن مراقبين يحذرون من أن مثل هذه العملية قد تتحول سريعاً إلى حرب استنزاف طويلة داخل القرى والبلدات الجنوبية المكتظة بالسكان.

في المقابل يؤكد حزب الله أنه مستعد لمواجهة أي اجتياح بري محتمل. فقد قال القيادي نعيم قاسم إن التهديدات الإسرائيلية لا تخيف الحزب بل قد تتحول إلى فخ عسكري للقوات المهاجمة. ويستند هذا الموقف إلى تجربة الصراع الطويل مع إسرائيل حيث تمكن الحزب سابقاً من إجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان بعد سنوات من القتال، كما خاض مواجهة قاسية في حرب عام 2006، وهو ما يدفع قادته إلى الاعتقاد بأن أي توغل بري جديد سيواجه مقاومة عنيفة وطويلة داخل البيئة المحلية للحزب هناك.

إنسانياً تبدو الكلفة مرشحة للارتفاع بسرعة. فقد أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي أوامر إخلاء واسعة في جنوب لبنان شملت للمرة الأولى بلدات تقع شمال نهر الليطاني إضافة إلى مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتفيد تقديرات لبنانية بأن نحو ثمانمئة ألف شخص اضطروا إلى النزوح من منازلهم بينما تجاوز عدد القتلى سبعمئة شخص كثير منهم مدنيون. وقد حذرت منظمات إنسانية من أن اتساع العمليات البرية قد يفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي حاد وضعف في البنية الصحية والخدمات الأساسية منذ سنوات طويلة جداً بالفعل.

سياسياً تؤكد مصادر أميركية أن إدارة ترمب طلبت من إسرائيل تجنب استهداف مطار بيروت أو منشآت حكومية رئيسية، غير أن هذه الضوابط لا تغير كثيراً في حقيقة الدعم الأميركي الواسع للعملية العسكرية. إذ نقل موقع أكسيوس عن مسؤول إسرائيلي قوله إن تل أبيب تشعر بأنها تحظى بدعم أميركي كامل. وتراهن واشنطن في الوقت نفسه على أن تقود الضغوط العسكرية إلى مفاوضات أوسع قد تفضي في نهاية المطاف إلى اتفاق ينهي رسمياً حالة الحرب القائمة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1948 وحتى اليوم نظرياً على الأقل.

غير أن تطورات الحرب الإقليمية تجعل هذه الحسابات شديدة التعقيد. فقد تصاعدت المواجهة بعد اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي في هجوم أميركي إسرائيلي مشترك، وهو حدث دفع طهران وحلفاءها إلى توسيع الرد العسكري عبر جبهات متعددة من بينها لبنان والعراق والخليج. كما حذّر خبراء أمميون من أن الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران ولبنان قد تشكل انتهاكاً للقانون الدولي وتنذر بتوسّع الصراع ليشمل المنطقة بأكملها خصوصاً مع تهديد طرق الطاقة في الخليج ومضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم اليوم تقريباً.

ويكشف الحديث المتزايد عن غزو بري إسرائيلي محتمل للبنان عن معضلة إستراتيجية قديمة تواجه تل أبيب كلما فكرت في التوغل داخل الأراضي اللبنانية. فالتجربة التاريخية منذ اجتياح 1982 وحتى حرب 2006 تظهر أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي أو الأمني، بل غالباً ما تتحول الأراضي المحتلة إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، وهو ما يدركه المخططون العسكريون الإسرائيليون جيداً. لكن الحسابات السياسية الداخلية وحسابات الردع الإقليمي تدفع القيادة الإسرائيلية أحياناً إلى المجازفة بعمليات واسعة رغم الكلفة البشرية والعسكرية المتوقعة في مثل هذا السيناريو.

ويرى مراقبون أن موقف إدارة ترمب يعكس نمطاً تقليدياً في السياسة الأميركية يقوم على منح إسرائيل هامشاً واسعاً من حرية الحركة العسكرية مع الاكتفاء ببعض الضوابط الشكلية المتعلقة بالبنية التحتية أو المدنيين. غير أن هذا الدعم السياسي والعسكري يضع وتجد واشنطن نفسها عملياً في موقع الشريك في أي تصعيد محتمل، خصوصاً إذا تحول الغزو البري إلى مواجهة إقليمية أوسع مع إيران وحلفائها. وعندها قد تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين حماية حليفها الإسرائيلي وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة في الشرق الأوسط قد تتجاوز حساباتها.

ولا يمكن فصل التصعيد الجاري على الجبهة اللبنانية عن الحرب الأوسع الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي شكّل نقطة تحول استراتيجية دفعت حلفاء طهران في المنطقة إلى الانخراط المباشر في المواجهة. ومن هنا يصبح لبنان ساحة مركزية في هذا الصراع المتشعب حيث يتداخل المحلي بالإقليمي والدولي. ومع استمرار الضربات المتبادلة يزداد خطر توسع الحرب بما يتجاوز حدود لبنان وإسرائيل ليهدد طرق الطاقة العالمية والاستقرار الإقليمي ويضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي الطويل.

 


أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 2:35 مساءً - بتوقيت القدس

جدل زكاة الفطر: بين المقاصد الشرعية ومعارك التصنيف الموسمي

مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك، تبرز من جديد قضية زكاة الفطر لتتصدر النقاشات العامة، حيث يتجدد التساؤل التقليدي حول أفضيلة إخراجها صاعاً من حبوب أو قيمتها نقداً. هذا الجدل الذي يطفو على السطح سنوياً بات يعكس حالة من الانقسام الفكري الذي يلقي بظلاله على واقع المجتمعات المثقلة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

يرى مراقبون أن بعض الأطراف تستغل هذه المواسم الفقهية لممارسة نوع من التصنيف الديني، حيث يتم رفع فئات فوق أخرى بناءً على اختيارات فقهية في مسائل فرعية تحتمل الاجتهاد. ويتحول المشهد إلى ما يشبه المهرجان الخطابي الذي تُحشد فيه الآثار وتُكدس الأقوال لاستعراض القدرة على النقل من بطون الكتب والمصادر الرقمية.

إن المسلم البسيط الذي يسعى لتأدية فريضته يجد نفسه حائراً وسط هذا الضجيج الإعلامي والفقهي، بينما الهدف الأساسي هو تحقيق مقصد العبادة. فالغاية من زكاة الفطر تكمن في تطهير الصيام مما قد يشوبه من نقص، وإغناء الفقراء والمحتاجين عن السؤال في يوم العيد، وإدخال السرور إلى قلوبهم.

تاريخياً، استقر شأن هذه المسألة في المدونة الفقهية منذ قرون طويلة بعد عمليات بحث وتمحيص دقيقة من كبار العلماء. فقد فرض النبي ﷺ هذه الزكاة بما كان متاحاً ومستخدماً في حياة الناس آنذاك، مما يفتح الباب لفهم مرونة التشريع ومراعاته لحاجات المجتمع المتغيرة.

الصحابة الكرام أدوا هذه الفريضة بما تيسر لديهم من قوت أو مال أو ما تقوم به حاجة الفقير في زمانهم دون تضييق. وظل الخلاف الفقهي في هذه المسألة يتداوله العلماء كغيره من مسائل الفروع، دون أن يؤدي ذلك إلى تضليل المخالف أو تقديس الموافق في الرأي.

لم يشغل السلف الصالح عامة الناس بهذه الجزئيَّات الدقيقة، ولم يجعلوها معارك موسمية تستنزف طاقات الأمة وتفرق شملها. بل كان الاحترام المتبادل هو السائد، مع التركيز على جوهر العبادة وروح الشريعة التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.

إلا أن الواقع المعاصر شهد بروز فئات تظن أنها تملك وكالة حصرية لفهم السنة النبوية وتفسير النصوص الشرعية. هذه المجموعات تحاول حصر الدين الواسع في رؤى ضيقة، وتعتبر أن الفهم الصحيح لا يستقر إلا عندها وعند شيوخها الذين تتبعهم بتقليد أعمى.

لقد أدى هذا النهج الإقصائي إلى حصر العلم والفقاهة في ميزان محدد، فصار القول ما قالوه والرأي ما رأوه فقط. وبناءً على ذلك، يتم تصنيف الآخرين إما كجهلة يحتاجون للتعليم، أو مبتدعين يجب هجرهم، أو منحرفين ينبغي تشويه صورتهم أمام العامة.

هذه المعارك الفارغة والجدال العقيم تسببت في إهدار طاقات الشباب وتأجيج عواطفهم في قضايا لا تبني ديناً ولا تصلح دنيا. وبدلاً من التركيز على قضايا الأمة الكبرى، يتم الانشغال بتفاصيل فقهية أشبعها العلماء بحثاً منذ مئات السنين.

الدعوة الموجهة للجميع هي التقرب إلى الله بزكاة الفطر سواء كانت حبوباً أو نقوداً، فكلاهما يحقق المقصد الشرعي. المهم هو إخلاص النية لله تعالى والحرص على أن تصل هذه الصدقة لمستحقيها في الوقت المناسب لسد حاجتهم.

يجب على المتصدرين للمشهد الديني ألا يشغلوا العوام بتعقيدات المذاهب، وألا يلزموا السائلين باجتهادات شخصية ضيقة. فالفقير لا ينبغي أن يكون طرفاً في معارك فقهية أو فكرية، بل هو صاحب حق يجب أن يُؤدى إليه بكرامة واحترام.

إن التحذير النبوي من البغضاء يظل قائماً، فهي 'الحالقة' التي لا تحلق الشعر بل تحلق الدين وتدمر الروابط الاجتماعية. فإذا لم يستطع البعض تجاوز الخلاف، فعليهم على الأقل الحذر من الوقوع في كراهية الآخرين بسبب اجتهاداتهم.

ختاماً، يبقى جوهر الإسلام قائماً على السعة واليسر، وزكاة الفطر هي شعيرة للتكافل الاجتماعي قبل أن تكون مادة للنزاع. إن الحفاظ على وحدة الصف وسلامة القلوب هو الفريضة الغائبة التي يجب أن تسبق كل نقاش حول شكل الصدقة ونوعها.

إن العودة إلى مقاصد الشريعة السمحة كفيلة بإنهاء هذا الجدل الموسمي، وتوجيه الجهود نحو ما ينفع الناس ويمكث في الأرض. فالدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، والرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه.

أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 2:35 مساءً - بتوقيت القدس

أوهام 'زلوط' السياسية: قراءة في طموحات التحالف الصهيوني الأمريكي تجاه إيران

تبرز في الثقافة الشعبية السودانية أسطورة الديك 'زلوط'، ذلك الكائن الهزيل الذي كان يغرق في أحلام اليقظة حول القوة والسيادة، لينتهي به المطاف دائماً بخسارة ما تبقى من ريشه. هذه الرمزية تبدو اليوم حاضرة بقوة عند قراءة المشهد السياسي في الشرق الأوسط، حيث يندفع التحالف الصهيوني الأمريكي نحو مغامرات عسكرية غير محسومة النتائج، محولاً الرغبات السياسية إلى أحلام تصطدم بصخرة الواقع المعقد.

يقف الرأي العام العربي والإسلامي اليوم في حالة انقسام تجاه المواجهة الحالية؛ فبينما يجد البعض صعوبة في التعاطف مع الأطراف المتصارعة نظراً لسجلاتها التاريخية، يرى آخرون أن الاعتداء الغاشم الذي يقوده الثنائي نتنياهو وترامب يتجاوز الخلافات السياسية ليصبح تهديداً وجودياً للمنطقة برمتها. إن هذا التحالف، الذي يوصف بأنه يقود سياسات 'عمى الألوان'، يغامر بإشعال حرائق مدمرة بذرائع قد لا تصمد أمام الاختبار الأخلاقي أو الاستراتيجي.

لقد نجحت إيران، رغم كونها المستهدفة في هذه الحرب، في صنع عداوات واسعة عبر عقود من السياسات الإقليمية المثيرة للجدل. ومع ذلك، فإن الموقف الأخلاقي السليم يقتضي التمييز بين الخلاف مع سياسات طهران وبين رفض العدوان الذي تقوده قوى استعمارية تسعى لإعادة تشكيل الخارطة وفق رؤى أيديولوجية متطرفة، تدعي تنفيذ وعود غيبية تتجاوز حدود المنطق السياسي الحديث.

تشير التقارير إلى أن الأهداف المعلنة للتحالف الصهيو-أمريكي قد تطورت بشكل دراماتيكي؛ فبعد أن كان الهدف المعلن في منتصف عام 2025 هو تدمير البرنامج النووي، انتقل سقف الطموحات في فبراير 2026 إلى المطالبة بالاستسلام غير المشروط وإسقاط النظام القائم في طهران. هذا التصعيد يعكس رغبة جامحة في السيطرة المطلقة، متجاهلاً القدرات الدفاعية والعمق التاريخي للدولة الإيرانية.

يرى مراقبون أن اندفاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه الحرب قد لا يكون نابعاً فقط من مصالح استراتيجية، بل قد يرتبط بضغوط داخلية وملفات شخصية معقدة. وثمة تحليلات تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمارس نوعاً من الابتزاز السياسي لضمان استمرار الدعم الأمريكي المطلق في مغامراته العسكرية التي يحلم بها منذ عقود.

إن الرهان على انهيار الدولة الإيرانية من الداخل نتيجة الضربات الجوية قد أثبت فشله في تجارب تاريخية عديدة. فرغم وجود معارضة داخلية لسياسات الحكم، إلا أن الشعوب غالباً ما تتوحد خلف قياداتها عند تعرض بلادها لعدوان خارجي يستهدف البنية التحتية والسيادة الوطنية، وهو ما يجعل من فكرة 'تغيير النظام' عبر القوة العسكرية رهاناً خاسراً.

إيران ليست مجرد حدود رسمتها القوى الاستعمارية في القرن الماضي، بل هي كيان سياسي واجتماعي يمتد لآلاف السنين، ولم يخضع قط لاستعمار مباشر طويل الأمد. هذا الإرث الحضاري يمنح الشعب الإيراني قدرة على الصمود والمناورة لا تتوفر في نماذج دول أخرى حاول التحالف الأمريكي التعامل معها بنفس العقلية العسكرية التبسيطية.

لقد أخطأت الحسابات الأمريكية حين ظنت أن التعويل على جماعات عرقية أو معارضة مسلحة في الأطراف يمكن أن يؤدي إلى سقوط طهران. إن الواقع الميداني أثبت أن هذه الرهانات تنتهي غالباً بفصائح عسكرية، وتؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من تلاحم الجبهة الداخلية الإيرانية في مواجهة ما يصفونه بالعدو الخارجي.

في سياق الحرب الحالية، يبرز التناقض الصارخ بين الخطاب الدبلوماسي والأهداف العسكرية الحقيقية. فبينما يتحدث التحالف عن 'تحرير' الشعب الإيراني، تستهدف الصواريخ المرافق المدنية والخدمية، مما يكشف عن رغبة في تحطيم مقدرات الدولة الاقتصادية والنفطية، وهو ما يعزز القناعة بأن الهدف هو الهيمنة وليس الديمقراطية.

إن التهديدات التي يطلقها قادة التحالف بالوصول إلى دجلة والفرات، أو ربط الحرب بنبوءات دينية حول 'نهاية الزمان'، تضفي طابعاً قدسياً خطيراً على الصراع. هذا النوع من الخطاب يلغي مساحات التفاوض السياسي ويحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنهايتها أو السيطرة على تداعياتها الإقليمية.

على الشط الغربي من الخليج، تزداد المخاوف من تحول الصراع إلى حرب إقليمية شاملة تطال شراراتها الجميع. إن الخطأ الاستراتيجي في توسيع رقعة الاستهداف ليشمل دول الجوار يعقد المشهد أكثر، ويجعل من الصعب على أي طرف البقاء بمنأى عن النيران المشتعلة التي يذكيها التحالف الصهيوني الأمريكي.

سيذكر التاريخ أن محاولات فرض الإرادة الخارجية على شعوب المنطقة عبر القوة الغاشمة لم تؤدِ إلا إلى مزيد من الدمار وعدم الاستقرار. إن الحلم بتقرير مصير أمة عريقة مثل إيران من مكاتب واشنطن أو تل أبيب هو تكرار لنفس الأخطاء التي ارتكبت في العراق وأفغانستان، مع فارق الحجم والقدرة.

في نهاية المطاف، ستضع الحرب أوزارها يوماً ما، وسيكتشف العالم أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها صياغة هوية الشعوب أو تغيير قناعاتها. إن التحالف الذي يقوده نتنياهو وترامب قد ينجح في التدمير، لكنه سيفشل حتماً في البناء أو في تحقيق 'الاستسلام' الذي يطمحون إليه، لتبقى أحلامهم مجرد صدى لأوهام 'زلوط'.

يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين الصراعات السياسية وبين المخططات الاستعمارية. إن الشرق الأوسط يحتاج إلى حلول نابعة من داخله، بعيداً عن تدخلات القوى التي لا ترى في المنطقة سوى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية أو تحقيق أوهام العظمة الزائفة.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

قبيل اجتماع واشنطن: تحولات المشهد الليبي من صراع المشاريع إلى تقاسم النفوذ العائلي

تتسارع التطورات على الساحة الليبية في مختلف أقاليمها، حيث تسعى أطراف النزاع إلى تعزيز نفوذها وفرض إرادتها الميدانية والسياسية. يأتي هذا التحرك في سياق الاستعداد للتكيف مع خطة أمريكية مرتقبة تهدف لترتيب الأوضاع السياسية، مما ينذر بشكل جديد من التجاذب بين القوى الفاعلة.

لقد ساد في سنوات سابقة اعتقاد بأن الصراع الليبي يدور بين مشروعي بناء الدولة المدنية الديمقراطية والمشروع العسكري الذي يتبنى القبضة الأمنية. إلا أن طول أمد النزاع أدى إلى تآكل هذه المنطلقات، حيث اختلطت الغايات وتراجعت القيم الحاكمة لدى أنصار كلا الجبهتين بشكل ملحوظ.

في شرق البلاد وجنوبها، تحول المشروع الذي كان يقدم نفسه كمؤسسة عسكرية وطنية ضامنة للاستقرار إلى تنظيم سلطوي يتسم بالطابع العائلي. وبات هذا المشروع يتمترس خلف قوة السلاح والانتظام الأمني، محولاً المؤسسة العسكرية إلى طرف سياسي مباشر في الصراع على الموارد والسلطة.

أما في الغرب الليبي، فقد شهد مشروع الدولة المدنية تراجعاً مماثلاً، حيث انخرطت فواعل محسوبة على التيار المدني في دوائر نفوذ مصلحية ضيقة. وأصبح الدفاع عن هذا الواقع يتم تحت مبرر دفع 'المفسدة الكبرى' المتمثلة في حكم العسكر، مما شرعن وجود سلطة هجينة تعتمد على المجموعات المسلحة.

تشير القراءات الحالية إلى أن الماراثون الدبلوماسي في باريس وروما، وصولاً إلى الاجتماع المرتقب في واشنطن، لا يهدف بالضرورة إلى تأسيس مرحلة ديمقراطية. بل يبدو أن التوجه الدولي يسير نحو إيجاد توليفة تجمع بين السلطتين القائمتين في شكلهما الحالي، بعيداً عن استحقاق صناديق الاقتراع.

إن الضغط الأمريكي الراهن قد يؤدي إلى انزلاق البلاد نحو وضع شديد التأزيم، خاصة مع اتجاه 'الجيش' لابتلاع مؤسسات الدولة وتوظيف مواردها. وفي المقابل، يتقزم مشروع الدولة في الغرب لصالح تحالفات تجمع عائلات نافذة مع أطراف أمنية ومجموعات مسلحة تسيطر على القرار.

تعتبر التحولات الدولية والإقليمية عامل تغيير رئيسي في سلوك أطراف النزاع الليبي، حيث تدفع هذه القوى نحو إعادة تموضع سلطات الأمر الواقع. ومن المستبعد أن ينتج عن هذا الضغط نموذج مثالي للدولة، بل قد يسفر عن انحراف أكبر عن تطلعات الليبيين في بناء مؤسسات مهنية.

الخارطة السياسية الليبية لا تقتصر على القوى المتصارعة فحسب، بل تضم قاعدة عريضة من القوى المدنية والمجتمعية التي ترفض هذا التجاذب المصلحي. ورغم هذا الرفض الواسع، إلا أن هذه المكونات لم تنجح حتى الآن في تنظيم صفوفها لفرض مشروع وطني يتجاوز ثنائية الصراع الراهنة.

يعيش الشارع الليبي حالة من التحفظ تجاه المسارات السياسية الحالية التي تكرس المحاصصة بين النخب الحاكمة في الشرق والغرب. ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التردي في الأوضاع الاقتصادية والأمنية، ما لم تظهر قوة وطنية ثالثة تكسر هذا الجمود.

إن التوصيف الدقيق لما يحدث اليوم هو 'الانتظام السلطوي الضيق'، حيث تلاشت الفوارق الأيديولوجية بين الخصوم لصالح البقاء في الحكم. هذا التحول جعل من الصعب المراهنة على الأطراف الحالية لإنتاج حل مستدام ينهي حالة الانقسام المؤسسي التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

تظل خطة واشنطن المرتقبة هي المحرك الأساسي للتحركات الميدانية والسياسية الأخيرة، حيث يحاول كل طرف حجز مقعده في الترتيبات القادمة. ومع ذلك، فإن غياب الرؤية الوطنية الشاملة يجعل من أي اتفاق دولي مجرد مسكن مؤقت للأزمة وليس حلاً جذرياً لها.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن القفز على إرادة الشعب الليبي وتجاهل المسار الانتخابي لا يؤدي إلا إلى تجديد النزاع بصور مختلفة. واليوم، يبدو أن المجتمع الدولي يكرر ذات الأخطاء عبر محاولة شرعنة سلطات الأمر الواقع بدلاً من التمكين للتحول الديمقراطي الحقيقي.

في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى الرهان على قدرة القوى المجتمعية والمدنية في تشكيل رأي عام ضاغط يرفض الارتهان للمصالح العائلية والمليشياوية. وإذا فشلت هذه القوى في التحرك، فإن ليبيا قد تواجه مرحلة طويلة من الحكم الهجين الذي يفتقر للشرعية الشعبية والمؤسسية.

ختاماً، فإن المشهد الليبي يقف عند مفترق طرق خطير، فإما الذهاب نحو تسوية شاملة تعيد الأمانة للشعب، أو الرضوخ لترتيبات دولية تكرس الانقسام. إن الأيام القادمة وما سيسفر عنه اجتماع واشنطن ستحدد بشكل كبير ملامح العقد القادم في تاريخ الدولة الليبية.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

جماعة الحوثي تعلن الجهوزية العسكرية وتؤكد: قرار القتال إلى جانب إيران اتُخذ فعلياً

كشف محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي، عن حسم الجماعة لموقفها العسكري والسياسي بالوقوف الكامل إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المواجهة الراهنة. وأوضح البخيتي في تصريحات إعلامية أن هذا القرار لم يعد قيد الدراسة بل دخل حيز التنفيذ الفعلي، مشيراً إلى أن انخراط القوات اليمنية في العمليات القتالية المباشرة بات مرتبطاً بعامل الوقت وتطورات الميدان فقط.

وشدد القيادي في الجماعة على أن مقاتليهم في حالة استنفار قصوى و"أيديهم على الزناد" لمراقبة مسار الأحداث المتسارعة في المنطقة. واعتبر أن المعركة الحالية فُرضت على قوى المقاومة، مما يستوجب خوضها بكل قوة لفرض شروط سياسية وميدانية جديدة تنهي حالة التغول الأمريكي والإسرائيلي في الشرق الأوسط حسب وصفه.

ووجه البخيتي دعوة صريحة لكافة الدول والشعوب في المنطقة العربية والإسلامية بضرورة إدانة التحركات العسكرية الأمريكية والوقوف بوضوح في خندق المواجهة مع طهران. وأشار إلى أن الاستهداف الحالي لا يقتصر على الجغرافيا الإيرانية فحسب، بل يمتد ليهدد كيان وسيادة كافة الدول العربية والإسلامية دون استثناء، مما يتطلب وحدة في الموقف والمصير.

وفي سياق متصل، عزز زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي هذه التوجهات في خطاب متلفز، أكد فيه أن جماعته تعتبر نفسها معنية بشكل مباشر بالدفاع عن إيران في وجه ما وصفه بـ "العدوان الإسرائيلي الأمريكي". وأعلن الحوثي عن جاهزية وحداته العسكرية للتعامل مع كافة السيناريوهات المحتملة، مشدداً على أن الموقف اليمني ينطلق من مبادئ دينية واستراتيجية ثابتة.

وتأتي هذه التصريحات في ظل تصعيد غير مسبوق تشهده المنطقة منذ نهاية فبراير الماضي، حيث شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي بالتعاون مع الولايات المتحدة سلسلة غارات عنيفة استهدفت العمق الإيراني. وقد أسفرت هذه الهجمات عن خسائر بشرية فادحة شملت قيادات رفيعة في هرم السلطة الإيرانية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة الأمنيين البارزين.

من جانبها، لم تتوقف طهران عن الرد العسكري، حيث واصلت إطلاق رشقات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الانتحارية باتجاه أهداف داخل إسرائيل. كما طالت العمليات الإيرانية ما وصفته بمصالح حيوية تابعة للولايات المتحدة في عدة دول عربية، مما أدى إلى وقوع أضرار مادية وبشرية جسيمة أثارت موجة من الإدانات في العواصم المستهدفة.

ويرى مراقبون أن إعلان الحوثيين الأخير يمهد لفتح جبهة استنزاف جديدة وواسعة قد تشمل ممرات الملاحة الدولية والقواعد العسكرية في المنطقة. وتتزايد المخاوف الدولية من تحول الصراع الحالي إلى حرب إقليمية شاملة تتداخل فيها القوى المحلية والدولية، خاصة مع تأكيد الجماعة في اليمن أن تحركها العسكري قد يبدأ في أي لحظة تقتضيها الضرورة الميدانية.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 2:33 مساءً - بتوقيت القدس

طهران تعلن مغادرة حاملة الطائرات 'أبراهام لينكولن' المنطقة وتؤكد 'تحييدها'

أعلن المتحدث الرسمي باسم هيئة الأركان العامة الإيرانية، أبو الفضل شيكارجي، عن مغادرة حاملة الطائرات الأمريكية 'يو إس إس أبراهام لينكولن' لنطاق العمليات في المنطقة. وأوضح شيكارجي في تصريحات صحفية أن السفينة الحربية الضخمة اضطرت للانسحاب بعد أن تمكنت القوات الإيرانية من 'تحييدها' بشكل كامل، واصفاً ما جرى بأنه هزيمة تاريخية للأسطول الأمريكي.

ووجه المتحدث العسكري الإيراني رسالة مباشرة إلى دول المنطقة، دعاها فيها إلى ضرورة مراجعة حساباتها وعدم المراهنة على ما وصفه بـ 'قوة أمريكا الوهمية'. وأشار إلى أن واشنطن التي تعجز عن حماية قطعها البحرية المتقدمة لن تكون قادرة على ضمان أمن واستقرار الدول الإسلامية في الإقليم، مطالباً بإنهاء التبعية العسكرية للغرب.

وشدد شيكارجي على أن حاملة الطائرات 'أبراهام لينكولن' كانت تقع ضمن بنك الأهداف المباشرة للقوات المسلحة الإيرانية منذ وصولها. وأضاف أن انسحابها وبدء رحلة عودتها نحو الولايات المتحدة يثبت نجاعة الاستراتيجية الدفاعية التي تتبعها طهران في مواجهة التحركات الأمريكية البحرية، رغم عدم كشفه عن التفاصيل التقنية لعملية التحييد.

وفي سياق متصل، أكد المسؤول الإيراني على ضرورة تعزيز الوحدة بين دول العالم الإسلامي لمواجهة ما وصفها بـ 'الفتن والشرور' التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة. واعتبر أن التكاتف الإقليمي هو السبيل الوحيد لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي الذي يزعزع أمن الممرات المائية الحيوية في الخليج وبحر عمان.

وتأتي هذه التطورات في ظل توتر عسكري غير مسبوق تشهده المنطقة منذ أواخر فبراير الماضي، حيث تبادلت أطراف الصراع ضربات جوية وصاروخية مكثفة. وقد أسفرت هذه المواجهات عن خسائر بشرية كبيرة في صفوف القيادات الإيرانية، مما دفع طهران لتصعيد عملياتها ضد المصالح الأمريكية في عدة دول عربية مجاورة.

من جانبها، كانت التقارير العسكرية الأمريكية قد أشارت في وقت سابق إلى تمركز الحاملة 'أبراهام لينكولن' في مياه بحر عمان لتعزيز الردع ضد التهديدات الإيرانية. وفي الوقت نفسه، تواصل الحاملة 'يو إس إس جيرالد آر فورد' انتشارها في البحر الأحمر لتأمين حركة الملاحة الدولية وحماية السفن التجارية من الهجمات المستمرة.

وأفادت مصادر بأن طهران تواصل استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية في استهداف ما تصفه بالقواعد والمصالح الأمريكية رداً على الاغتيالات التي طالت مسؤولين أمنيين. وتسببت هذه الهجمات في أضرار مادية بالمنشآت المدنية في بعض الدول المستهدفة، مما أثار موجة من الإدانات الدولية والإقليمية ضد التصعيد الإيراني.

وعلى الصعيد الميداني، يرى مراقبون أن إعلان إيران عن تحييد الحاملة الأمريكية يهدف إلى رفع الروح المعنوية في الداخل وتوجيه رسالة سياسية للخارج. ومع ذلك، لم يصدر أي تعقيب رسمي من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) يؤكد أو ينفي وقوع مواجهة مباشرة أدت إلى تضرر الحاملة أو إجبارها على الانسحاب المبكر.

وتشير التقارير إلى أن الصراع الحالي تجاوز حدود المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل ليشمل اشتباكات أوسع تشارك فيها أطراف دولية متعددة. وقد أدت الهجمات الإسرائيلية والأمريكية المكثفة إلى تغييرات جوهرية في خارطة التمركز العسكري الإيراني، وسط محاولات من طهران لاستعادة توازن الردع عبر عمليات نوعية.

وفي ظل هذا التصعيد، تزداد المخاوف الدولية من انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة تؤثر على إمدادات الطاقة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي. وتطالب قوى دولية بضرورة ضبط النفس والعودة إلى المسارات الدبلوماسية، رغم أن المؤشرات الميدانية توحي باستمرار التصعيد العسكري في المدى المنظور.

وتزامن إعلان الانسحاب مع تقارير تتحدث عن ضغوط لوجستية تواجهها القوات الأمريكية في المنطقة نتيجة استنزاف مخزونات الدفاع الجوي. وتدعي بعض المصادر أن واشنطن قد تضطر لإعادة توزيع أنظمتها الدفاعية لحماية حلفائها الأساسيين، مما قد يترك فراغاً أمنياً مؤقتاً في بعض الجبهات الثانوية.

ختاماً، يبقى الغموض سيد الموقف حول طبيعة 'التحييد' الذي تحدث عنه شيكارجي، وما إذا كان ناتجاً عن هجوم سيبراني أو مضايقات بحرية أو استهداف مباشر. وتترقب الأوساط السياسية أي بيانات رسمية من واشنطن لتوضيح أسباب تحرك الحاملة 'أبراهام لينكولن' بعيداً عن مسرح العمليات المشتعل.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

حصيلة أسبوعين من التصعيد: 3554 صاروخاً ومسيرة إيرانية استهدفت 7 دول عربية

شهدت المنطقة العربية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق خلال الأسبوعين الماضيين، حيث استهدفت إيران سبع دول عربية، غالبيتها من دول الخليج، بنحو 3554 صاروخاً وطائرة مسيرة. وتأتي هذه الهجمات في سياق ما تصفه طهران بالرد على التحركات الأمريكية والإسرائيلية، وسط قلق إقليمي متزايد من اتساع رقعة المواجهة.

وعلى الرغم من إعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في السابع من مارس الجاري عن وقف الهجمات على الدول المجاورة، إلا أن البيانات الميدانية تشير إلى استمرار العمليات العسكرية. وتؤكد المصادر أن الهجمات لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل طالت منشآت مدنية حيوية شملت مطارات وموانئ وخزانات وقود في عدة عواصم ومدن عربية.

تصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة قائمة الدول الأكثر تعرضاً لهذه الهجمات، حيث تعاملت دفاعاتها الجوية مع 288 صاروخاً باليستياً وأكثر من 1500 طائرة مسيرة. وأوضحت وزارة الدفاع الإماراتية أن أنظمتها الدفاعية تصدت بفعالية لهذه الاعتداءات السافرة التي استهدفت أمن البلاد واستقرارها خلال الأيام الماضية.

وفي الكويت، سجلت السلطات العسكرية هجمات مكثفة بلغت حصيلتها 251 صاروخاً و472 طائرة مسيرة على الأقل حتى صباح السبت. وأفادت مصادر عسكرية كويتية بأن الدفاعات الجوية نجحت في اعتراض وتدمير صواريخ باليستية اخترقت الأجواء باتجاه المناطق الجنوبية، مؤكدة استمرار حالة الاستنفار لحماية المنشآت الوطنية.

مملكة البحرين لم تكن بمنأى عن هذا التصعيد، حيث أعلنت القيادة العامة لقوة الدفاع عن تدمير 121 صاروخاً و193 طائرة مسيرة منذ نهاية فبراير الماضي. وأشارت المصادر إلى أن الهجمات تسببت في اندلاع حرائق محدودة في بعض خزانات الوقود، إلا أن الفرق المختصة تمكنت من السيطرة على الموقف بسرعة.

أما في قطر، فقد رصدت وزارة الدفاع تعرض البلاد لهجمات شملت 166 صاروخاً و75 مسيرة، بالإضافة إلى خرق المجال الجوي من قبل مقاتلتين إيرانيتين. وتوزعت هذه الهجمات على فترات زمنية متفاوتة، حيث سجلت الأيام الأخيرة وتيرة متصاعدة من إطلاق الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز التي تم التعامل مع معظمها.

وفي الأردن، كشفت القوات المسلحة عن اعتراض وتدمير 108 أهداف معادية من أصل 119 صاروخاً ومسيرة استهدفت أراضي المملكة. وأكد المتحدث باسم الجيش الأردني أن القوات المسلحة تواصل مراقبة الأجواء بكل حزم لضمان عدم المساس بأمن المواطنين أو سلامة الأراضي الأردنية تحت أي ظرف.

المملكة العربية السعودية واجهت موجات متتالية من الهجمات التي استهدفت مواقع استراتيجية ومدنية، من بينها حي السفارات في الرياض وقاعدة الأمير سلطان الجوية. وأشارت التقارير إلى اعتراض ما لا يقل عن 19 صاروخاً و249 مسيرة، تركزت معظمها في المنطقة الشرقية ومنطقة الربع الخالي حيث تقع المنشآت النفطية الكبرى.

وأوضحت وزارة الدفاع السعودية أن الدفاعات الجوية أسقطت عشرات المسيرات التي حاولت استهداف حقل شيبة النفطي ومصفاة رأس تنورة. ورغم كثافة الهجمات، أكدت وزارة الطاقة السعودية عدم تأثر إمدادات النفط، مشيرة إلى أن الأنظمة الدفاعية تعمل بكفاءة عالية لتحييد التهديدات قبل وصولها إلى أهدافها.

سلطنة عُمان، التي تُعرف بعلاقاتها المتوازنة، تعرضت هي الأخرى لهجمات بـ 16 مسيرة أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين في منطقة العوهي الصناعية. وأفادت مصادر أمنية عُمانية بمقتل شخصين وإصابة آخرين جراء سقوط إحدى المسيرات، بالإضافة إلى استهداف خزانات وقود في ميناء صلالة وميناء الدقم الاستراتيجيين.

وتشير الإحصائيات المجمعة من المصادر الرسمية إلى أن الهجمات الإيرانية اتسمت بالتنوع في الأسلحة المستخدمة، بين صواريخ باليستية بعيدة المدى وصواريخ كروز وطائرات انتحارية. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يضع أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية في خطر حقيقي، خاصة مع استهداف الموانئ الرئيسية في الخليج.

وفي سياق متصل، شددت الدول المستهدفة على حقها في الدفاع عن سيادتها بكافة الوسائل المتاحة، معتبرة أن هذه الاعتداءات تخالف مواثيق حسن الجوار. وتواصل غرف العمليات العسكرية في هذه الدول تنسيق الجهود لتعزيز منظومات الإنذار المبكر والتصدي لأي موجات هجومية جديدة قد تنطلق من الأراضي الإيرانية.

طهران من جانبها، تصر على أن عملياتها العسكرية موجهة حصراً ضد القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، نافية تعمد استهداف الدول العربية. إلا أن الوقائع الميدانية وسقوط ضحايا مدنيين وتضرر منشآت اقتصادية في عُمان والسعودية والإمارات يدحض الرواية الإيرانية الرسمية حول دقة الأهداف.

يبقى المشهد الإقليمي مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل استمرار تدفق الصواريخ والمسيرات عبر الحدود الدولية. ومع تزايد الضغوط الدبلوماسية، يترقب المجتمع الدولي مدى التزام الأطراف بضبط النفس ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة قد لا تحمد عقباها على الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 1:48 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد في شبه الجزيرة الكورية: بيونغيانغ تطلق دفعة صواريخ باليستية تزامناً مع مناورات سيول وواشنطن

شهدت شبه الجزيرة الكورية تصعيداً عسكرياً جديداً اليوم السبت، حيث أقدمت السلطات في بيونغيانغ على إطلاق دفعة مكثفة من الصواريخ الباليستية باتجاه بحر اليابان. وتأتي هذه الخطوة في سياق ردود الفعل الغاضبة من كوريا الشمالية تجاه التدريبات العسكرية الواسعة التي تجريها جارتها الجنوبية بالتعاون مع القوات الأمريكية.

وأوضحت مصادر عسكرية في سيول أن هيئة الأركان المشتركة رصدت إطلاق نحو عشرة صواريخ باليستية مجهولة النوع من منطقة سونان، وذلك في تمام الساعة الواحدة وعشرين دقيقة ظهراً بالتوقيت المحلي. وقد سلكت هذه الصواريخ مساراً شرقياً باتجاه ما يعرف كوريّاً بـ 'بحر الشرق'، مما استنفر أجهزة الرصد والمتابعة في المنطقة.

من جانبها، أكدت وزارة الدفاع اليابانية أن أحد الصواريخ التي أطلقتها كوريا الشمالية سقط في مياه البحر خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لليابان. وأشارت مصادر يابانية إلى أن هذا النشاط الصاروخي المكثف يمثل تهديداً للأمن الإقليمي، خاصة وأنه يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة حساسية أمنية بالغة.

ويربط مراقبون هذا التصعيد بالمناورات العسكرية المشتركة التي انطلقت يوم الاثنين الماضي، ويشارك فيها نحو 18 ألف جندي من كوريا الجنوبية إلى جانب وحدات أمريكية. ومن المقرر أن تستمر هذه التدريبات حتى التاسع عشر من مارس الجاري، وهو ما تعتبره بيونغيانغ تدريباً على غزو أراضيها واستفزازاً مباشراً لسيادتها.

وكانت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، قد أصدرت تحذيراً شديد اللهجة الثلاثاء الماضي، توعدت فيه بـ 'عواقب وخيمة لا يمكن تصورها' رداً على هذه التحركات العسكرية. وتعكس هذه التصريحات حجم التوتر السياسي والعسكري الذي يغلف العلاقة بين الكوريتين والقوى الدولية الداعمة لكل طرف.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، برزت ملامح حراك سياسي موازٍ رغم التصعيد الميداني، حيث أشار رئيس الوزراء الكوري الجنوبي كيم مين سيوك إلى رغبة أمريكية في الحوار. وذكر سيوك خلال تواجده في الولايات المتحدة أن الرئيس دونالد ترمب يبدي انفتاحاً على فكرة لقاء الزعيم كيم جونغ أون مجدداً، معتبراً أن مثل هذه الخطوة قد تكون إيجابية.

وتشير التقديرات السياسية إلى إمكانية عقد قمة بين الزعيمين خلال زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين في نهاية شهر مارس أو مطلع أبريل المقبل. ومع ذلك، يبقى هذا المسار الدبلوماسي محفوفاً بالشكوك في ظل استمرار التجارب الصاروخية الكورية الشمالية التي تسببت بفرض عقوبات دولية صارمة على البلاد منذ عقدين تقريباً.

أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

فلسطين في مهب الحروب الإقليمية: تحذيرات من تهميش القضية وتوظيف السرديات الدينية

تشهد المنطقة العربية في الآونة الأخيرة تصاعداً غير مسبوق في حدة المواجهات العسكرية، مما أعاد الشرق الأوسط إلى دوامة من التوترات التي تهدد الاستقرار الإقليمي بشكل جذري. وفي ظل هذه الأحداث المتسارعة، يدفع المدنيون الثمن الأكبر نتيجة تداخل الحسابات الجيوسياسية المعقدة التي تغيب عنها لغة الحكمة والحلول السياسية العادلة.

تظل فلسطين، رغم انشغال العالم بملفات إقليمية مستجدة، حاضرة في الوجدان الإنساني كقضية مركزية لا يمكن تجاوزها. إن معاناة الشعب الفلسطيني ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة من الأزمات التاريخية التي بدأت منذ وعد بلفور عام 1917، مروراً بنكبة 1948 واحتلال عام 1967، وصولاً إلى الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة.

إن الواقع الحالي يكشف عن هشاشة النظام الدولي في حماية الحقوق الأساسية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. ومع تصاعد الحروب في المنطقة، تتضاعف المخاطر على المدنيين الفلسطينيين، مما يستوجب تذكير المجتمع الدولي بأن تهميش هذه القضية أو دفعها إلى هامش الأحداث يمثل تهديداً للأمن والسلم الدوليين.

من الناحية القانونية، تثير العمليات العسكرية الواسعة تساؤلات عميقة حول مدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني. فالمواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، وُضعت أساساً لتحييد المدنيين، إلا أن الواقع الميداني يظهر انتهاكات متكررة تطال البنى التحتية الحيوية والمناطق المأهولة بالسكان دون رادع حقيقي.

يلاحظ المراقبون خللاً عميقاً في بنية النظام العالمي، حيث أصبحت القوة العسكرية هي الأداة الرئيسية لإدارة النزاعات بدلاً من الحوار. هذا التراجع في قيم العدالة الدولية أدى إلى استمرار دورات العنف، وجعل من المدنيين في فلسطين والمنطقة وقوداً لصراعات القوى الكبرى وتوازناتها المتغيرة.

يبرز في المشهد الحالي تطور خطير يتمثل في توظيف الخطاب الديني لتبرير العمليات العسكرية والانتهاكات الجسيمة. فقد رصدت تقارير تصريحات لشخصيات سياسية ودينية في إسرائيل والولايات المتحدة تربط الصراع بسرديات لاهوتية حول 'نهاية الزمان'، وهو ما يضفي صبغة قدسية زائفة على سفك الدماء.

هذا التوجه يجد جذوره في تيار 'الصهيونية الإنجيلية' الذي يفسر أحداث المنطقة كتحقيق لنبوءات توراتية مرتبطة بعودة المسيح. إن إقحام هذه التصورات في الصراعات السياسية يمثل انزلاقاً نحو التطرف، حيث يتم تحويل النزاع من إطار سياسي قابل للتفاوض إلى مواجهة عقائدية صفرية لا تقبل الحلول الوسط.

إن الأديان السماوية في جوهرها تقوم على الرحمة والعدل وحرمة النفس البشرية، وهي براء من محاولات توظيفها كغطاء للهيمنة. إن أي استخدام للدين يبرر قتل الأطفال والنساء أو استهداف الأبرياء هو انحراف سياسي يتعارض مع القيم الروحية السامية التي نادت بها الرسالات السماوية عبر التاريخ.

ما شهده العالم من مآسي إنسانية في قطاع غزة يمثل اختباراً حقيقياً للضمير العالمي وللمؤسسات الدولية. إن تحويل الدين إلى أداة للبطش لا يخدم الإيمان، بل يشوه صورته ويفتح الباب أمام مزيد من الكراهية التي تهدد بتحويل الصراعات الإقليمية إلى حروب دينية مدمرة وشاملة.

تكمن خطورة الخطاب اللاهوتي في الصراع السياسي في كونه يغلق أبواب الدبلوماسية ويجعل من الحرب 'قدراً محتوماً'. هذا النوع من التفكير يضعف فرص الوصول إلى تسويات عادلة، ويمنح المعتدين ذريعة أخلاقية زائفة للاستمرار في سياسات الإبادة الجماعية والتهجير القسري تحت مسميات دينية.

إن اتساع دائرة التوتر يضع الأمن الإقليمي برمته على المحك، مع تزايد الآثار الاقتصادية والإنسانية الكارثية على شعوب المنطقة. ويبقى السؤال الأخلاقي قائماً حول كيفية حديث القوى الكبرى عن السلام في وقت تُنتهك فيه القوانين الدولية جهاراً نهاراً دون محاسبة أو مساءلة قانونية.

أثبتت التجارب التاريخية أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية لا يمكن أن يحقق استقراراً مستداماً في الشرق الأوسط. إن الأمن الحقيقي لا ينبع إلا من احترام حقوق الشعوب وتقرير مصيرها، وإعادة الاعتبار لقيم العدالة الدولية التي تضمن إنهاء الاحتلال ووقف العدوان المستمر.

يجب على المجتمع الدولي أن يدرك أن اعتياد مشهد الظلم مع مرور الوقت يمثل خطراً أخلاقياً يهدد المنظومة الإنسانية برمتها. فالدماء الفلسطينية لا يمكن أن تظل مجرد أرقام في معادلات القوى، والعدالة لا يمكن تجزئتها بناءً على المصالح السياسية أو الانتماءات العرقية والدينية.

في الختام، تظل فلسطين هي البوصلة الأخلاقية للعالم، والتذكير الدائم بضرورة العودة إلى العقل والحكمة. إن تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني في خضم الحروب الإقليمية هو فشل ذريع للنظام الدولي، ولن تنعم المنطقة بالاستقرار ما لم يُرفع الظلم وتُسترد الحقوق المسلوبة لأصحابها.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

بسبب جنسيته الفلسطينية.. بطل فيلم 'صوت هند رجب' يُمنع من حضور حفل الأوسكار

يواجه الممثل الفلسطيني معتز ملحيس، بطل فيلم 'صوت هند رجب'، مفارقة قاسية أعادت الجدل السياسي إلى أروقة المحافل السينمائية العالمية. فقد أعلن ملحيس رسمياً عدم تمكنه من حضور حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2026 في مدينة لوس أنجلوس، رغم الإنجاز التاريخي الذي حققه الفيلم بوصوله إلى القائمة القصيرة لفئة أفضل فيلم وثائقي.

ويعود سبب هذا الغياب القسري إلى قرار اتخذته الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، يقضي بمنع حاملي وثيقة السفر الفلسطينية من دخول الولايات المتحدة. هذا الإجراء حال دون وصول الممثل الذي جسد معاناة غزة إلى المنصة العالمية التي تحتفي بالعمل الفني الذي شارك في بطولته.

وعبر حسابه الرسمي، وثق ملحيس هذه اللحظة بكلمات مؤثرة، مشيراً إلى أن الفيلم الذي يحمل قصة كان العالم بحاجة لسماعها سينافس على الجائزة بدونه. وأكد الممثل الفلسطيني أن منعه من الدخول بسبب جنسيته هو واقع مؤلم، لكنه شدد على أن الحواجز السياسية لن تنجح في تغييب الصوت الفلسطيني أو طمس الحقيقة.

وتتجلى في هذا المنع مفارقة تراجيدية تعيد إنتاج حصار الطفلة هند رجب بصورة سياسية معاصرة؛ فالممثل الذي أدى دور المسعف الذي حاول كسر الحواجز لإنقاذ الطفلة، يجد نفسه اليوم محاصراً بقرار استهدف هويته الوطنية. هذا العزل السياسي يمثل امتداداً رمزياً للحواجز التي أعاقت وصول طواقم الإسعاف لإنقاذ هند في قطاع غزة.

يستند الفيلم، الذي أخرجته التونسية كوثر بن هنية، إلى وقائع حقيقية لجريمة قتل الطفلة هند رجب في يناير 2024. وقد علقت الطفلة داخل سيارة تعرضت لإطلاق نار مباشر من قبل قوات الاحتلال أثناء فرار عائلتها، لتصبح مكالمة استغاثتها مع الهلال الأحمر واحدة من أكثر التسجيلات تأثيراً في التاريخ الحديث.

ويقدم العمل رؤية فنية تمزج بين الدراما والوثائقي على مدار 89 دقيقة، مستخدماً التسجيلات الصوتية الحقيقية للمكالمة. ويشارك في البطولة طاقم متميز يضم سجى الكيلاني وعامر حليحل وكلارا خوري، بدعم إنتاجي من نجوم عالميين مثل براد بيت وخواكين فينيكس وألفونسو كوارون.

منذ عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2025، حقق الفيلم نجاحاً استثنائياً وحصد الجائزة الكبرى للجنة التحكيم 'الأسد الفضي'. وقد تلقى العمل تصفيقاً حاراً من الجمهور والنقاد استمر لأكثر من 20 دقيقة، مما مهد طريقه للمنافسة بقوة في مهرجانات تورونتو وسان سيباستيان وصولاً للأوسكار.

يأتي منع ملحيس في سياق قرار سياسي أمريكي تم توقيعه في ديسمبر 2025، يقضي بعدم منح تأشيرات دخول للأشخاص الذين يستخدمون وثائق سفر صادرة عن السلطة الفلسطينية. ودخل القرار حيز التنفيذ مطلع عام 2026 بذريعة اعتبارات 'الأمن القومي'، مما أثار انتقادات حقوقية واسعة اعتبرت القرار استهدافاً مباشراً للهوية الفلسطينية.

ولا يعد ملحيس المبدع الأول الذي يُحرم من حضور منصات السينما العالمية بسبب السياسات الأمريكية؛ فقد سبق وأن واجه المصور السوري خالد الخطيب والمخرج فراس فياض قرارات مشابهة. وتكشف هذه الحالات المتكررة عن حجم القيود السياسية التي تلاحق الفنانين والمبدعين من مناطق النزاع، وتحول دون إيصال رسائلهم الإنسانية.

إن حالة معتز ملحيس تضيف فصلاً جديداً إلى سجل غزة الحاضر بقوة في نقاشات هوليوود منذ أحداث السابع من أكتوبر. ورغم غيابه الجسدي عن الحفل، يظل صوته في الفيلم صرخة حية ضد سياسات العزل، وتجسيداً لفكرة أن 'منع الوصول' يظل الأداة الأشد فتكاً في محاولة تغييب الحقائق الإنسانية.

تحليل

السّبت 14 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

إعادة توطين الحداثة: قراءة نقدية في مسارات الفلسفة المعاصرة وسياقها العربي

يأتي كتاب 'في الفلسفة الحديثة والمعاصرة' الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود لعام 2026، كجهد جماعي يسعى لرسم خريطة مفاهيمية دقيقة للتيارات التي شكلت العقل الغربي. يتناول العمل مسارات الهيغلية والبرغسونية والوجودية وصولاً إلى فلسفات الاعتراف والهرمينوطيقا، مقدماً مادة دسمة في 353 صفحة من القطع المتوسط.

وفي قراءة نقدية لهذا المنجز، يرى الباحث عامر عياد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استيعاب هذه الفلسفات كتاريخ غربي مكتمل، بل في كيفية استنطاقها داخل السياق العربي. فالحداثة الغربية ولدت من رحم أزمات بنيوية، وفهمنا لها يجب أن ينطلق من إدراك مكاننا ضمن تلك الأزمات وليس مجرد محاكاتها.

تعد الهيغلية نقطة ارتكاز في الكتاب، حيث ارتبطت تاريخياً بتشكل الدولة الحديثة وتجسيد العقل الموضوعي في المؤسسات. غير أن القارئ العربي يواجه معضلة عند استحضار هذا الفكر، إذ قد يتحول تصور الدولة كعقل مطلق إلى تبرير فلسفي للسلطوية في غياب شروط المساءلة والحرية.

أما البرغسونية، التي نشأت كنقد للعقل الآلي والزمن الميكانيكي، فإنها تكتسب أهمية خاصة في المجتمعات العربية التي تعيش مفارقة زمنية حادة. فبينما تتحرك المؤسسات بمنطق إداري جامد، تظل المجتمعات نابضة بحيوية لا تجد ترجمة مؤسسية لها، مما يجعل مفهوم 'الديمومة' البرغسوني أداة لفهم أزمة الزمن العربي.

ويحذر عياد من أن الإصلاحات التي تُفرض بإيقاع سلطوي أو تُستنسخ من نماذج جاهزة تفتقر إلى 'الديمومة الداخلية' التي تحدث عنها هنري برغسون. فالحداثة ليست مجرد قرار إداري أو مخطط تقني، بل هي تحول حي ينبع من داخل نسيج المجتمع وتاريخه الخاص.

وفيما يخص الوجودية، يطرح الكتاب تساؤلات حول معنى حرية الفرد ومسؤوليته في ظل مجتمعات تضيق فيها مساحات الفعل السياسي. فالحرية الوجودية قد تبدو ترفاً نظرياً ما لم ترتبط بشروط مؤسسية تحميها، مما يستوجب ربط القلق الوجودي الفردي بسؤال السلطة والمجال العام.

تنتقل القراءة إلى فلسفات الاعتراف، التي تفترض وجود إطار قانوني مستقر يضمن المواطنة المتساوية قبل معالجة التهميش الرمزي. وفي الحالة العربية، يظل سؤال الاعتراف معلقاً فوق سؤال العدالة السياسية، مما يجعل استيراد هذه المفاهيم دون تفكيك شروطها التاريخية مخاطرة معرفية قد تعمق الانقسامات.

أما الهرمينوطيقا أو فن التأويل، فهي تفتح آفاقاً لتفكيك ادعاءات الحقيقة المطلقة في السياقات التي تتنازعها القراءات الدينية والسياسية. ومع ذلك، يجب الحذر من تحولها إلى نسبية مفرطة تضعف المعايير النقدية الجامعة، مما يتطلب توازناً دقيقاً بين تاريخية الفهم والالتزام بالقيم المعيارية.

يشير الكتاب إلى أن الحداثة الغربية لم تكن خطاً مستقيماً نحو التقدم، بل مساراً متعرجاً مليئاً بالتوترات والانتكاسات. واستحضار هذه التيارات في الفكر العربي دون إبراز هذا التعقيد قد يوهم بإمكانية استنساخ التجربة التاريخية دون توفر شروطها الموضوعية والذاتية.

يتميز هذا العمل الجماعي بلغة رصينة تقترب من التبسيط المنهجي دون الإخلال بالدقة العلمية، مما يجعله مرجعاً مناسباً للتكوين الجامعي. كما أن ترتيب المفاهيم من العقل إلى الزمن وصولاً إلى التأويل يمنح القارئ إحساساً بالبنية الداخلية العميقة للفكر الحديث والمعاصر.

ورغم القيمة التأسيسية للكتاب، إلا أن القراءة النقدية تسجل غياب التوتر والصراع بين المدارس الفلسفية في العرض، حيث بدت وكأنها تطور متناغم. فالوجودية مثلاً كانت تمردًا جذرياً على الهيغلية، وهو ما قد يغيب عن القارئ في ظل السرد المتدرج الذي اعتمده المؤلفون.

كما يُلاحظ حضور محدود للسياقات الاجتماعية والسياسية التي ولدت فيها هذه الأفكار، مما قد يحرم القارئ من رؤية الفلسفة كاستجابة لأزمات ملموسة. إن تغييب الحوار مع الفكر العربي الإسلامي يرسخ أيضاً صورة ذهنية بأن تاريخ الفلسفة هو مسار غربي خالص يُدرس ولا يُناقش.

في الختام، يظل الكتاب مدخلاً هاماً لرسم خريطة مفاهيمية، لكنه يتوقف عند عتبة التفكيك النقدي العميق لموقع القارئ العربي من هذه الخريطة. نحن بحاجة إلى مساءلة الحداثة من داخل أزماتنا الخاصة، لا سيما أزمات الدولة والشرعية والحرية التي ما زالت تراوح مكانها.

إن الفعل الفلسفي الحقيقي يقتضي إبقاء السؤال مفتوحاً وعدم الاطمئنان للسرديات الجاهزة، سواء كانت تمجيدية أو رافضة للحداثة. فالفلسفة لا تُستورد كبضاعة، بل تُعاد صياغتها داخل الشروط التاريخية المحددة لكل أمة، وهو التحدي الذي يواجه العقل العربي المعاصر اليوم.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

حصار عاطوف.. الاحتلال يخنق سلة غذاء الأغوار بالخنادق والعطش

يواصل مزارعون فلسطينيون في سهل عاطوف، الواقع شرق مدينة طوباس شمالي الضفة الغربية، صمودهم وسط ظروف قاسية فرضها حصار مشدد من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي ومجموعات من المستوطنين. وتعد هذه المنطقة واحدة من أهم السلال الغذائية في الأغوار الشمالية، إلا أنها باتت اليوم مسرحاً لعمليات تجريف وإغلاق ممنهجة تهدف إلى عزل السكان عن أراضيهم ومصادر رزقهم.

وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال بدأت منذ أيام بتنفيذ إجراءات عقابية شملت إغلاق الطرق الزراعية الحيوية وتجريف مساحات واسعة من الأراضي، بالتزامن مع قطع خطوط المياه الرئيسية. هذه الخطوات وضعت عشرات العائلات التي تعتمد كلياً على الزراعة وتربية المواشي في مواجهة مباشرة مع خطر العطش وفقدان الممتلكات.

وفي جولة ميدانية لرصد الانتهاكات، ظهرت اعتداءات المستوطنين بشكل جلي، حيث يقومون باستفزاز المزارعين ومنعهم من العمل في حقولهم تحت حماية جيش الاحتلال. ويؤكد الأهالي أن هذه الممارسات تكررت بشكل شبه يومي في الآونة الأخيرة، كجزء من خطة أوسع تهدف إلى دفع الفلسطينيين للرحيل القسري عن المنطقة.

المزارع نظير بشارات، الذي يمتلك مساحات واسعة مزروعة بالعنب والخضار، عبر عن قلقه العميق من ضياع استثماراته التي بلغت ملايين الشواكل. وأوضح بشارات أن جرافات الاحتلال لم تكتفِ بإغلاق المداخل، بل دمرت البنية التحتية الزراعية، مما جعل الوصول إلى المحاصيل أمراً شبه مستحيل في ظل التهديدات المستمرة.

وأشار بشارات إلى أن الخسائر المالية بدأت تتراكم بشكل مخيف، حيث خسر بعض المزارعين مئات آلاف الدولارات نتيجة تعطل الموسم الزراعي ومنع توريد المنتجات. وبالرغم من هذه الضغوط، يشدد المزارعون على تمسكهم بأرض الآباء والأجداد، مؤكدين أن البقاء في عاطوف هو معركة وجود لا تقبل التراجع.

من جانبه، حذر معتز بشارات، مسؤول ملف الاستيطان في محافظة طوباس، من كارثة إنسانية وبيئية تهدد المنطقة نتيجة تدمير خطوط المياه. وأكد أن أكثر من 17 ألف رأس من الماشية باتت مهددة بالنفوق بسبب العطش، وهو ما يمثل ضربة قاضية لقطاع الثروة الحيوانية الذي يعيل مئات الأسر في الأغوار.

وتشير التقارير إلى أن الحصار الحالي يعزل نحو 35 عائلة فلسطينية بشكل كامل عن محيطها، حيث يعاني أكثر من 250 مواطناً من نقص حاد في الغذاء والمستلزمات الأساسية. وتستخدم قوات الاحتلال السواتر الترابية والخنادق العميقة كأدوات للفصل الجغرافي، مما يحول التجمعات السكانية إلى سجون مفتوحة.

وتعمل آليات الاحتلال حالياً على حفر خندق ترابي واسع يهدف إلى عزل أكثر من 190 ألف دونم من أراضي محافظة طوباس عن امتدادها الطبيعي. ويرى مراقبون أن هذا المشروع الاستيطاني يمثل عملية ضم فعلية للأراضي، ويهدف إلى إنهاء الوجود الفلسطيني في مناطق الأغوار لصالح التوسع الاستيطاني غير القانوني.

هذه الإجراءات تأتي في سياق تصاعدي منذ بدء العدوان على قطاع غزة، حيث استغل المستوطنون والجيش الأوضاع الراهنة لتكثيف الهجمات في الضفة الغربية. وبحسب معطيات رسمية، فقد أدت هذه الاعتداءات إلى استشهاد وإصابة الآلاف، بالإضافة إلى تدمير مئات المنشآت الزراعية والسكنية في مختلف المحافظات.

ويصف خبراء في الشأن الاستيطاني ما يجري في عاطوف بأنه 'حكم إعدام' على الزراعة الفلسطينية، حيث يتم استهداف عصب الحياة الاقتصادي للفلسطينيين. إن قطع المياه في منطقة صحراوية وحارة كالأغوار يعني تلف آلاف الدونمات من المحاصيل الحساسة في وقت قياسي، مما يكبد المزارعين ديوناً لا يمكن سدادها.

ولا تقتصر المعاناة على الجانب المادي، بل تمتد لتشمل الضغط النفسي المستمر الذي يمارسه المستوطنون المسلحون الذين يتجولون بين البيوت البلاستيكية. هؤلاء المستوطنون يوجهون تهديدات مباشرة للأهالي بضرورة المغادرة، مدعين أن هذه الأراضي لم تعد ملكاً للفلسطينيين، في تحدٍ صارخ للقوانين الدولية.

وفي ظل هذا الحصار، تطلق المؤسسات الحقوقية نداءات استغاثة لتدخل دولي عاجل لفك الحصار عن سهل عاطوف وتوفير الحماية للمزارعين. إن استمرار الصمت الدولي تجاه هذه الممارسات يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للمضي قدماً في سياسة التطهير العرقي الصامت في الأغوار الشمالية.

ويبقى المزارع الفلسطيني في عاطوف خط الدفاع الأول عن الأرض، متسلحاً بإرادة صلبة رغم قلة الإمكانيات وانقطاع سبل العيش. إن قصص الصمود التي يسطرها أهالي طوباس تعكس تمسكاً أسطورياً بالهوية الوطنية، ورفضاً قاطعاً لكل محاولات الاقتلاع والتهجير التي تنتهجها سلطات الاحتلال.

ختاماً، يمثل ما يحدث في عاطوف نموذجاً مصغراً لما تتعرض له الأغوار الفلسطينية بشكل عام، من محاولات سيطرة وإحلال. فبين مطرقة الجيش وسندان المستوطنين، يواجه الفلسطينيون معركة يومية للحفاظ على ما تبقى من سلة غذائهم، وسط آمال بأن تصل صرختهم إلى العالم قبل فوات الأوان.

اقتصاد

السّبت 14 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

اقتصاد الهوية: كيف تحولت الأوراق الرسمية إلى مورد مالي استراتيجي للدول؟

منذ قرون طويلة، صاغ المفكر ابن خلدون نظريته حول شروط قيام الدولة الحديثة، معتبراً أن المال والعدل والجند هم الركائز الأساسية لاستمرار أي كيان سياسي. وقد تقاطعت هذه الرؤية مع أطروحات أبي الحسن الماوردي الذي أكد أن الملك لا يقوم إلا بالجند والمال، وهو ما تطور لاحقاً في الفكر الاقتصادي الحديث ليصبح ما يعرف بالموازنة العامة للدولة.

يرى الاقتصادي جوزيف شومبيتر أن الدولة الحديثة هي في جوهرها 'دولة ضرائب'، حيث انتقلت من الاعتماد على ثروة الحاكم الخاصة إلى الاعتماد على الجبايات العامة لتمويل وظائفها. وفي هذا السياق، ذهب المفكر الألماني نوربرت إلياس إلى أن احتكار جمع الضرائب والرسوم يمثل صميم مسؤولية الدولة وأساس قيامها الشرعي والمادي.

تتنوع مصادر تمويل الدول بين ثلاثة روافد رئيسية، أولها الضرائب التي تقتطع جزءاً من أرباح الشركات ودخل الأفراد بنسب متفاوتة تهدف أحياناً لتحفيز الاستثمار. أما الرافد الثاني فهو الرسوم مقابل الخدمات المباشرة مثل إصدار جوازات السفر، بينما يتمثل الرافد الثالث في عوائد الاستثمارات والمنشآت التي تديرها الحكومات بشكل مباشر.

يظهر التفاوت الكبير في حجم الموارد المالية بين الدول بوضوح عند مقارنة الموازنات الضخمة لدول مثل المملكة العربية السعودية، التي بلغت موازنتها نحو 350 مليار دولار لعام 2025، بموازنات دول أخرى كالأردن التي استقرت عند 17 مليار دولار. هذا التفاوت يفرض على الدول ابتكار طرق متنوعة لسد العجز وتمويل النفقات العامة المتزايدة.

في النموذج الفرنسي، تشكل الضرائب العمود الفقري للإيرادات، لكن الدولة تعتمد أيضاً على موارد مبتكرة مثل مخالفات المرور التي تدر ملياري يورو سنوياً. كما تجني فرنسا نحو 3.5 مليارات يورو من الطوابع الجبائية المرتبطة بالمعاملات الحكومية، مما يوضح أهمية 'الرسوم الإدارية' في رفد الخزينة العامة حتى في الدول المتقدمة.

على صعيد آخر، برزت نماذج اقتصادية تعتمد بشكل شبه كلي على الرسوم، مثل سنغافورة التي تفرض رسوماً باهظة على تسجيل العقارات والسيارات للأجانب. وفي جزر العذراء البريطانية، تأتي معظم الموارد من رسوم تسجيل الشركات، مما يحول الدولة إلى منصة خدماتية عالمية تتقاضى أجراً مقابل التنظيم القانوني.

اتجهت دول عديدة مؤخراً نحو 'تسليع الهوية' عبر برامج منح الجنسية مقابل الاستثمار، حيث تشكل هذه العوائد نحو 50% من موارد دولة سانت كيتس في الكاريبي. كما تتوقع تركيا تدفقات تصل إلى 5 مليارات دولار سنوياً من مبيعات العقارات المرتبطة بالحصول على الجنسية، مما يجعل 'الورقة الرسمية' منتجاً اقتصادياً منافساً.

في منطقة الشرق الأوسط، تحولت رسوم الوثائق الرسمية إلى أداة جباية قاسية في دول الأزمات، حيث فرض النظام السوري رسوماً تصل إلى 800 دولار للجواز المستعجل. وتشير التقديرات إلى أن هذه الرسوم شكلت نحو 15% من موازنة الحكومة السورية، مستغلة حاجة ملايين المغتربين والنازحين للأوراق الثبوتية لاستمرار حياتهم القانونية.

لبنان بدوره لجأ إلى رفع كلفة الجوازات البيومترية لتصل إلى 600 دولار في بعض الحالات سعياً لتحصيل العملة الصعبة، بينما فتحت مصر باب تسوية الأوضاع العسكرية للمغتربين مقابل 5000 دولار. هذه الإجراءات تعكس تحول الدولة من مقدم خدمة إلى جهة تبحث عن تعظيم الربح من مواطنيها في الخارج لمواجهة الانهيارات الاقتصادية.

تصنف الدول في تعاملها مع الرسوم إلى أربعة أنماط، أولها 'دولة التكلفة' التي تفرض رسوماً رمزية تغطي النفقات الإدارية فقط كما في ألمانيا وكندا. أما النمط الثاني فهو 'الدولة التاجر' التي تقدم خدمات فائقة الجودة مقابل رسوم مرتفعة، وهو النموذج المتبع في بعض مدن الإمارات وسنغافورة لتعزيز بيئة الأعمال.

النمط الثالث هو 'دولة الجباية' التي تعتبر الختم الرسمي حقاً مطلقاً لفرض رسوم تفوق القدرة الشرائية للمواطن، مما يحول الخدمة إلى عبء مالي ثقيل. وأخيراً تبرز 'دولة الاشتراكات' التي تبيع حق العضوية أو الجنسية مقابل مبالغ مالية مباشرة، وغالباً ما تكون هذه الجنسيات لأغراض التسهيلات التجارية أو السفر دون اندماج حقيقي.

يحذر الفكر الخلدوني من تحول الدولة إلى 'جابية' فقط، معتبراً أن زيادة الضرائب والرسوم بشكل مفرط هو إيذان بخراب العمران وتقويض الإنتاج. فعندما يشعر الفرد أن أمواله تُنتزع منه باستمرار دون مقابل عادل، يتراجع حافزه للعمل وينظر للدولة كخصم مالي بدلاً من كونها حامياً وراعياً للمصالح العامة.

ظهر في الأدبيات السياسية الحديثة مفهوم 'الدولة المفترسة' (Predatory State)، وهي الدولة التي تسعى لتعظيم مكتسباتها على حساب رفاهية المجتمع واستقراره. هذا النموذج يطغى عندما تتراجع العدالة الاجتماعية ويصبح معيار النجاح الحكومي هو تحقيق العوائد المالية ورفع مؤشرات الأداء الرقمية فقط، متجاهلاً الدور الأخلاقي والوظيفي للدولة.

في الختام، يظل التوازن بين حاجة الدولة للمال وحق المواطن في الخدمة هو التحدي الأكبر، فبينما تستخدم دول متقدمة الرسوم كأداة لتنظيم السياسات العامة مثل الحد من التلوث، تستخدمها دول أخرى كأداة للابتزاز السياسي والاقتصادي. إن تحول الهوية إلى سلعة يضع مفهوم السيادة الوطنية أمام تساؤلات أخلاقية وقانونية كبرى في العصر الحديث.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 12:34 مساءً - بتوقيت القدس

جندي بريطاني يوثق 'إعدامات التسلية' بحق جياع غزة في مراكز إغاثة أمريكية

كشف مجند بريطاني يدعى ديفيد ماكينتوش عن تفاصيل مروعة شاهدها خلال خدمته العسكرية في قطاع غزة، حيث وثق عبر مقاطع فيديو وحشية قوات الاحتلال الإسرائيلي في التعامل مع المدنيين الفلسطينيين الباحثين عن الطعام. وأوضح المجند أن هذه الانتهاكات جرت في محيط نقاط توزيع المساعدات التابعة لمؤسسة 'غزة الإنسانية'، وهي المبادرة التي أطلقتها الولايات المتحدة سابقاً لتأمين الإغاثة في القطاع.

وأظهرت المقاطع المصورة التي نشرها ماكينتوش عبر حساباته الشخصية جنوداً إسرائيليين يتمركزون فوق دباباتهم ويفتحون نيران أسلحتهم بشكل مباشر وصادم تجاه طوابير الجوعى. ووصف المجند هذه الأفعال بأنها كانت تتم بدافع 'التسلية' من قبل الجنود، مشيراً إلى أن المواقع التي شهدت هذه الجرائم هي ذاتها التي ارتقى فيها مئات الفلسطينيين وهم ينتظرون الحصول على حصص غذائية يسيرة.

وفي تعليقه على المشاهد، أكد المجند البريطاني أن ما رآه كان مؤلماً للغاية ولا يمكن استيعابه، رغم أنه كان يعمل ضمن قوة مشتركة تضم عناصر من النخبة في الجيش الأمريكي. وأشاد بمهارات زملائه في القوة المشتركة، لكنه شدد على أن القوات الإسرائيلية المحيطة بتلك المواقع لم تظهر أي نوع من الإنسانية، بل كانت تتعمد استهداف المدنيين العزل بدم بارد.

واتهم ماكينتوش جيش الاحتلال بمحاولة تخريب العمل الإغاثي بشكل ممنهج عبر ترهيب السكان وقتلهم في أكثر اللحظات ضعفاً. وأشار إلى أن الفلسطينيين في تلك المناطق كانوا يرفضون الاستسلام للجوع أو ترك عائلاتهم تموت، وهو ما كان يقابل برصاص الاحتلال الذي ارتكب جرائم حرب واضحة وسهلة التوثيق في تلك النقاط الحساسة.

وقد أثارت هذه الشهادة موجة واسعة من الغضب عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول نشطاء وحقوقيون المقاطع كدليل إضافي على حرب الإبادة الجماعية. واستذكر المدونون الانتهاكات التي ارتبطت بعمل مؤسسة 'غزة الإنسانية'، معتبرين أن وجودها لم يوفر الحماية للمدنيين بل حولهم إلى أهداف سهلة للقناصة والقذائف الإسرائيلية.

ونقلت مصادر محلية شهادات مؤلمة لعائلات فقدت أبناءها في تلك المواقع، حيث ذكر أحد المواطنين أن عمه استشهد أثناء بحثه عن طعام لأطفاله في ذات النقطة التي صورها الجندي. وأكدت الشهادات أن الاحتلال كان يمنع أي محاولات لتوثيق هذه الإعدامات الميدانية، بل وصل الأمر إلى دفن بعض الضحايا وهم أحياء تحت أنقاض مراكز التوزيع.

ووصف مراقبون المشاهد بأنها تجسيد لعمليات 'اصطياد' البشر، حيث يتم استدراج الجائعين إلى مناطق مكشوفة بذريعة توزيع المساعدات ثم يتم استهدافهم. ورأى حقوقيون أن هذه المقاطع تفضح زيف الشعارات الإنسانية التي رفعت عند إنشاء هذه المراكز، مؤكدين أن غياب المحاسبة الدولية هو ما شجع الاحتلال على الاستمرار في هذه الممارسات.

وأشار نشطاء فلسطينيون إلى أن مؤسسة 'غزة الإنسانية' غادرت القطاع تاركة خلفها إرثاً من الدماء والذكريات القاسية، حيث اتهمت بأنها كانت 'أشد قسوة من القذائف'. واعتبروا أن ما نشره الجندي البريطاني يمثل بداية لمرحلة جديدة من كشف الحقائق التي حاول الاحتلال طمسها طوال فترة الحرب، مشددين على ضرورة تقديم هذه الأدلة للمحاكم الدولية.

وفي سياق متصل، لفت بعض سكان القطاع إلى أن الجنود الأمريكيين المشاركين في القوة المشتركة لم يكونوا بعيدين عن المشهد، بل اتهمهم البعض بالمشاركة الضمنية أو الفعلية في بعض الاعتداءات. وأكدوا أن مأساة الجوع التي فرضها الاحتلال تم استغلالها عسكرياً وأمنياً لاستدراج المواطنين إلى 'مصائد موت' محققة تحت غطاء إغاثي.

وتشير البيانات الإحصائية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أرقام صادمة تتعلق بضحايا هذه المراكز، حيث استشهد نحو 1109 فلسطينيين بشكل مباشر نتيجة القصف أو إطلاق النار داخل أو حول مراكز التوزيع الأمريكية. ومن بين هؤلاء الضحايا 225 طفلاً و852 بالغاً و32 مسناً، سقطوا جميعاً وهم يحاولون تأمين لقمة العيش.

وبحسب الإحصائيات، فإن إجمالي عدد الشهداء الذين استهدفوا أثناء انتظار المساعدات طوال عامين من الحرب بلغ 1506 شهداء، بالإضافة إلى أكثر من 19 ألف مصاب. وهذا يعني أن عدد الشهداء الذين سقطوا أمام مراكز مؤسسة 'غزة الإنسانية' وحدها يمثل نحو 73% من إجمالي ضحايا استهداف المساعدات في القطاع.

وكانت المؤسسة قد بدأت عملها في مايو من العام الماضي كبديل فرضته الظروف والقيود الإسرائيلية على الوكالات الدولية والأممية. إلا أن خبراء الأمم المتحدة حذروا منذ البداية من أن هذه الآلية قاصرة وتفتقر لضمانات السلامة، حيث كانت تدير 4 مراكز فقط في وقت يحتاج فيه القطاع لمئات النقاط الإغاثية لتجنب الازدحام والاستهداف.

وتؤكد التقارير الميدانية أن تحول مراكز الإغاثة إلى ساحات للإعدام الميداني يعكس سياسة تجويع ممنهجة تتبعها سلطات الاحتلال لكسر إرادة الحاضنة الشعبية. وتأتي شهادة الجندي البريطاني لتعزز هذه الرواية، واصفة المشاهد بأنها تشبه لقطات من أفلام الخيال المظلم، حيث يقتل الإنسان لمجرد رغبته في البقاء على قيد الحياة.

ختاماً، تبقى هذه الوثائق والمقاطع شاهداً حياً على واحدة من أبشع فصول الحرب على غزة، حيث امتزج فيها الجوع بالرصاص. ويطالب حقوقيون بضرورة فتح تحقيق دولي مستقل في دور القوات المشتركة ومسؤولية الاحتلال المباشرة عن تحويل المساعدات الإنسانية إلى وسيلة للقتل الجماعي المنظم.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 12:19 مساءً - بتوقيت القدس

إصابات برصاص المستوطنين والاستيلاء على مواشٍ في هجوم استهدف قرية كيسان ببيت لحم

شهدت قرية كيسان الواقعة شرقي مدينة بيت لحم، صباح اليوم السبت، هجوماً عنيفاً نفذته مجموعات من المستوطنين تحت حماية قوات الاحتلال. وأسفر الاعتداء عن إصابة أربعة مواطنين فلسطينيين بجروح متفاوتة، حيث أطلق المستوطنون الرصاص الحي بشكل مباشر صوب الأهالي، مما أدى لوقوع إصابات في الأطراف السفلية، فيما تعرض آخرون للضرب المبرح بأعقاب البنادق والأدوات الحادة.

وأكدت مصادر محلية أن طواقم الإسعاف التابعة للهلال الأحمر تعاملت مع جريحين بالرصاص الحي، أحدهما يبلغ من العمر 52 عاماً والآخر 39 عاماً، وجرى نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج بعد أن وصفت حالتهما بالمتوسطة. وأشارت المصادر إلى أن قوات الاحتلال تعمدت إعاقة وصول مركبات الإسعاف إلى موقع الهجوم في البداية، مما أخر تقديم الإسعافات الأولية للمصابين الذين كانوا ينزفون في الميدان.

ولم يقتصر الهجوم على الاعتداء الجسدي، بل امتد ليشمل نهب الممتلكات، حيث استولى المستوطنون على نحو 100 رأس من الأغنام تعود ملكيتها للمواطن عطا الله إبراهيم عبيات. وتأتي هذه السرقة في سياق سياسة التضييق الاقتصادي التي يمارسها المستوطنون ضد المزارعين والرعاة الفلسطينيين في المناطق المصنفة 'ج'، بهدف دفعهم لترك أراضيهم لصالح التوسع الاستيطاني الرعوي.

من جانبها، أوضحت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن وتيرة هذه الاعتداءات تصاعدت بشكل خطير منذ نهاية فبراير الماضي، حيث تم رصد أكثر من 192 اعتداءً استيطانياً في مختلف محافظات الضفة الغربية. وأدت هذه الموجة من العنف إلى ارتقاء ستة شهداء وتشريد أربع عائلات فلسطينية بالكامل، وسط استغلال المستوطنين للظروف الإقليمية الراهنة وحالة الانشغال الدولي لتنفيذ مخططات الضم والتهجير الصامت.

وتعاني قرية كيسان على وجه الخصوص من استهداف متواصل، حيث تحيط بها البؤر الاستيطانية التي تلتهم مساحات واسعة من أراضيها الرعوية والزراعية. ويؤكد مراقبون أن هذه الهجمات ليست عفوية، بل تأتي ضمن خطة ممنهجة لفرض واقع جديد على الأرض، عبر ترهيب السكان ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، وتدمير مقومات صمودهم المعيشي في المناطق الريفية والمهمشة.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

إغلاق مضيق هرمز يربك الملاحة العالمية وتكدس مئات السفن في موانئ بديلة

بدأت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران تفرض واقعاً اقتصادياً مريراً على حركة التجارة العالمية، حيث امتدت آثارها من قطاع الطاقة لتضرب سلاسل الإمداد الدولية. وقد أدى القتال فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز بقرار إيراني، وهو الممر الملاحي الأكثر حيوية بين إيران وسلطنة عُمان، مما تسبب في شلل جزئي لحركة السفن.

أفادت مصادر مطلعة بأن إغلاق المضيق تسبب في تعطل أكثر من مئة سفينة تجارية في مياه الخليج، وسط ارتفاع جنوني في تكاليف النقل البحري. وتواجه شركات الشحن تحديات غير مسبوقة في تأمين مسارات بديلة، مما أدى إلى ازدحام شديد في الموانئ المطلة على المحيط الهندي بعيداً عن منطقة الصراع.

أكد رجل الأعمال الإيطالي إيمانويل غريمالدي، المدير التنفيذي لمجموعة 'غريمالدي' أن شحنات من السيارات الأوروبية كانت متجهة للخليج تعذر وصولها بسبب القصف والقتال. وأوضح أن هذه الشحنات اضطرت للتوقف في موانئ إفريقية بعيدة مثل كينيا، حيث جرى تخزينها في مناطق مؤمنة بانتظار استقرار الأوضاع.

أشارت تقارير اقتصادية إلى أن الحرب التي هزت أسواق النفط والغاز خلال الأسبوعين الماضيين بدأت تتغلغل في قطاعات صناعية وتجارية أخرى. وتعاني مراكز الشحن الكبرى في آسيا حالياً من نقص حاد في الوقود، بينما تظل عشرات السفن عالقة داخل مياه الخليج دون قدرة على الخروج أو تفريغ حمولاتها.

ذكر غريمالدي أن إحدى سفن شركته ما تزال تبحث عن ميناء بديل لتفريغ آلاف السيارات، بينما بقيت سفينة أخرى محاصرة تماماً داخل الخليج. وتكمن الأزمة الكبرى في أن معظم الموانئ القريبة وصلت إلى طاقتها الاستيعابية القصوى، حيث يتطلب تفريغ سفينة واحدة مساحات شاسعة من الأراضي اللوجستية.

أعلنت كبرى شركات الشحن العالمية، ومن بينها 'ميرسك' و'هاباغ لويد'، عن تعليق عملياتها في بعض الخطوط الرئيسية المؤدية إلى الشرق الأوسط. وجاء هذا القرار لدواعي السلامة الملاحية، مما انعكس فوراً على زيادة فترات التأخير في وصول الشحنات وارتفاع كلفة التأمين على السفن حول العالم.

يمثل هذا الاضطراب انتكاسة قوية لقطاع الملاحة الذي كان يحاول التعافي من تداعيات هجمات البحر الأحمر التي استمرت لعامين. ومع تصاعد المخاطر في مضيق هرمز، اضطرت الشركات للاعتماد بشكل كلي على طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، رغم طول المسافة والتكاليف الإضافية الباهظة.

يراقب خبراء النقل البحري الوضع بقلق شديد، خاصة مع احتمال تأثر إمدادات الوقود في القارة الآسيوية بشكل مباشر. ورغم أن طرق الشحن عبر المحيط الهادئ المتجهة لأمريكا لم تتأثر كلياً بعد، إلا أن استمرار إغلاق المضيق يهدد بانهيار منظومة الإمداد العالمية في حال طال أمد الصراع.

قال فينسنت كليرك، المدير التنفيذي لشركة ميرسك إن إغلاق مضيق هرمز يعيق جهود إعادة ملء احتياطيات النفط الاستراتيجية في آسيا. وكشف أن شركته لديها عشر سفن عالقة داخل الخليج، مؤكداً أن العودة للعمل الطبيعي ستحتاج إلى عشرة أيام على الأقل بعد التوصل لأي اتفاق لوقف إطلاق النار.

تعرضت إحدى السفن التابعة لشركة ميرسك لإصابة مباشرة بشظايا مقذوف أثناء إبحارها بين قطر وعُمان، مما أدى لاندلاع حريق على متنها. وتوقفت السفينة حالياً قبالة سواحل دبي لتقييم الأضرار، في حادثة تؤكد الخطورة العالية التي تواجهها السفن التجارية في هذه المنطقة الملتهبة.

شهدت موانئ بديلة مثل مومباي في الهند تكدساً غير مسبوق للحاويات، مما أدى إلى قفزة كبيرة في أسعار الشحن من الصين. وبحسب بيانات متخصصة، ارتفع متوسط تكلفة نقل الحاوية الواحدة بنسبة 56% منذ بدء الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية.

روى أحد المصدرين الصينيين معاناة بضائعه التي كانت متجهة إلى دبي، حيث تم تحويل مسارها قسراً إلى ميناء كراتشي في باكستان. وتواجه هذه الشحنات رسوماً أرضية يومية تصل إلى 200 دولار، بينما تطلب شركات الشحن مبالغ إضافية تحت مسمى 'رسوم الحرب' لنقلها براً إلى وجهتها النهائية.

لجأت بعض شركات الملاحة العالمية إلى تفعيل إجراء قانوني نادر يُعرف بـ 'نهاية الرحلة'، وهو ما يتيح لها تسليم الشحنات في موانئ غير المتفق عليها. ويشبه هذا الإجراء حالة 'القوة القاهرة'، حيث يخلي الناقل مسؤوليته عن إيصال البضاعة للميناء الأصلي بسبب الظروف الحربية القاهرة التي تمنع الملاحة.

يؤكد محللون أن إغلاق منطقة ملاحية بالكامل أمام السفن التجارية يعد سابقة تاريخية في العصر الحديث لقطاع الشحن. وتتجه الأنظار الآن نحو الجهود الدولية لمحاولة فتح ممرات آمنة، في ظل تحذيرات من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة تطال أسعار كافة السلع الأساسية.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

23 شهيداً في لبنان والاحتلال يهدد باستهداف الطواقم الطبية وتوسيع العمليات البرية

شهدت الساعات الأولى من فجر اليوم السبت تصعيداً عسكرياً دامياً على الجبهة اللبنانية، حيث كثف جيش الاحتلال الإسرائيلي غاراته الجوية وقصفه المدفعي على مناطق متفرقة، مما أسفر عن استشهاد 23 شخصاً على الأقل. وتركزت الهجمات بشكل ملحوظ على الأطقم الطبية ومراكز الإغاثة، في خطوة تعكس إصرار الاحتلال على تعطيل المنظومة الصحية في المناطق المستهدفة.

وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن وقوع مجزرة في بلدة برج قلاوية بقضاء بنت جبيل، حيث استهدفت غارة إسرائيلية مركزاً للرعاية الصحية الأولية، ما أدى إلى استشهاد 12 من الأطباء والمسعفين والممرضين أثناء تأديتهم لعملهم الإنساني. وأوضحت الوزارة أن هذا الهجوم هو الثاني من نوعه في غضون ساعات قليلة بعد استهداف مسعفين في بلدة الصوانة.

وفي سياق متصل، وجه جيش الاحتلال الإسرائيلي تهديدات صريحة باستهداف المرافق الطبية ومركبات الإسعاف في مختلف الأراضي اللبنانية، مدعياً استخدامها لأغراض عسكرية من قبل حزب الله. وتأتي هذه التهديدات في وقت تعاني فيه المستشفيات اللبنانية من ضغوط هائلة جراء تزايد أعداد الجرحى والمصابين بفعل الغارات المتواصلة.

ميدانياً، ارتفعت حصيلة المجزرة التي ارتكبها الاحتلال في حي الراهبات بمدينة النبطية إلى 7 شهداء، فيما استشهد 4 مواطنين آخرين جراء قصف استهدف شقة سكنية في منطقة تعمير حارة صيدا جنوبي البلاد. كما طالت الغارات منطقة النبعة في برج حمود للمرة الثانية خلال يوم واحد، مما أدى لدمار واسع في الممتلكات.

وعلى صعيد التحركات البرية، كشفت مصادر إعلامية عن خطط إسرائيلية لتوسيع العمليات البرية في جنوب لبنان بشكل كبير، بهدف فرض السيطرة الكاملة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. وتزامن ذلك مع أوامر إخلاء جديدة أصدرها جيش الاحتلال لسكان مناطق واسعة في الجنوب، مما ينذر بموجة نزوح وتصعيد عسكري أوسع.

من جانبه، رد حزب الله بسلسلة من العمليات العسكرية المكثفة، حيث أعلن استهداف تجمعات لجنود الاحتلال في محيط بلدات الخيام ومارون الراس والعديسة بصلبات صاروخية وقذائف مدفعية. وأكدت مصادر ميدانية أن المقاومة استهدفت مواقع مستحدثة للاحتلال في 'بلاط' و'نمر الجمل' مقابل بلدة علما الشعب الحدودية.

وفي تطور نوعي، شن حزب الله هجوماً بسرب من المسيّرات الانقضاضية استهدف قواعد 'ستيلا ماريس' و'عين شيمر' شرق الخضيرة، بالإضافة إلى قاعدة 'عين زيتيم' شمال مدينة صفد المحتلة. كما طال القصف الصاروخي مستوطنات المطلة وكريات شمونة، محققاً إصابات مباشرة في صفوف القوات العسكرية المتمركزة هناك.

وعلى المستوى الدولي، أفادت تقارير بسقوط قذائف إسرائيلية داخل مقر الكتيبة النيبالية التابعة لقوات 'اليونيفيل' في بلدة ميس الجبل، وهو ما اعتبرته القنصلية النيبالية في بيروت انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. ورغم عدم وقوع إصابات في صفوف الجنود الدوليين، إلا أن الحادثة تزيد من التوتر المحيط بمهام القوات الدولية في الجنوب.

سياسياً، نقلت مصادر دبلوماسية عن مسؤولين إسرائيليين عزمهم مواصلة الحرب في لبنان حتى بعد انتهاء أي عمليات عسكرية محتملة ضد أطراف إقليمية أخرى. وهدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن الدولة اللبنانية ستدفع 'ثمناً متزايداً' في بنيتها التحتية، في إشارة إلى نية الاحتلال توسيع دائرة التدمير لتشمل المنشآت الحيوية.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن حصيلة العدوان الإسرائيلي الموسع منذ مطلع شهر مارس الجاري قد بلغت 773 شهيداً، بينهم أكثر من مئة طفل، فيما تجاوز عدد الجرحى 1900 مصاب. كما تسببت العمليات العسكرية في نزوح ما يزيد عن 830 ألف لبناني من قراهم ومدنهم، وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وفي منطقة البقاع، استشهد نجلا المسؤول في الجماعة الإسلامية يوسف الداهوك في غارة استهدفت بلدة بر الياس، كما استشهد الشيخ حسن غندور في غارة أخرى استهدفت منزله في بلدة النبطية الفوقا. وتستمر فرق الإنقاذ في البحث عن مفقودين تحت أنقاض المباني المدمرة في عدة مناطق لبنانية رغم التحليق المكثف للطيران المسير.

وفي العاصمة بيروت، ألقت طائرات إسرائيلية مناشير فوق مناطق فردان والحمرا وعين المريسة، تضمنت رسائل تحريضية تدعو لنزع سلاح المقاومة. ويأتي ذلك في وقت أكد فيه قادة سياسيون لبنانيون أن المقاومة تظل الخيار الوحيد لمواجهة مخططات الاحتلال التي تستهدف سيادة لبنان ووجوده الوطني.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

أجنة غزة تحت حصار الجوع: سوء التغذية يهدد أجيالاً قادمة بأمراض مزمنة

رغم توقف العمليات العسكرية في قطاع غزة منذ أكتوبر 2025، إلا أن التبعات الصحية للحصار لا تزال تفتك بالسكان، حيث يواجه نحو 1.6 مليون فلسطيني، أي ما يعادل 77% من إجمالي السكان، مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي. هذا الواقع المرير يضع حياة الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات على المحك، وسط تحذيرات من مشكلات صحية مزمنة قد تمتد لعقود نتيجة الحرمان الغذائي الطويل.

وتشير البيانات الموثقة إلى تسجيل 317 حالة وفاة مرتبطة بشكل مباشر بسوء التغذية منذ اندلاع العدوان في أكتوبر 2023، من بينهم 119 طفلاً فارقوا الحياة نتيجة نقص الغذاء. وتؤكد تقارير دولية صادرة عن منظمة اليونيسيف أن أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل يعانون حالياً من سوء التغذية الحاد، في ظل توقعات باستمرار هذه الأزمة حتى أبريل المقبل على أقل تقدير.

الإحصائيات الأممية تكشف عن واقع صادم، حيث يعاني طفل واحد من بين كل خمسة أطفال دون سن الخامسة في القطاع من الهزال وسوء التغذية الحاد. كما تظهر الأرقام أن ما يزيد عن 40% من النساء الحوامل والمرضعات يفتقرن إلى العناصر الغذائية الأساسية، مما يهدد بانهيار المنظومة الصحية للأجيال القادمة التي تبدأ حياتها في بيئة تفتقر لأدنى مقومات البقاء.

وحذرت مصادر طبية دولية من أن سوء التغذية الحاد لا يقتصر أثره على الضعف العام، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة الإصابة بالأمراض غير المعدية مثل السكتات الدماغية وأمراض القلب والسرطان. وتعتبر الأنظمة الغذائية غير الصحية التي فرضها الحصار من أهم عوامل الخطر التي ستؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات المبكرة نتيجة داء السكري واعتلالات ضغط الدم في المستقبل القريب.

وعلى الرغم من هدوء المدافع، لا تزال الأغذية الغنية بالبروتينات والمغذيات الأساسية نادرة جداً وباهظة الثمن في أسواق غزة، مما جعل 79% من العائلات عاجزة عن تأمين وجبات متكاملة. وتفيد التقارير بأن ثلثي الأطفال يعانون من فقر غذائي شديد، حيث يقتصر استهلاكهم اليومي على صنف أو صنفين فقط من المجموعات الغذائية، وهو ما يقل بكثير عن الحد الأدنى المطلوب للنمو السليم.

الدراسات العلمية تشير إلى أن الناجين من سوء التغذية في طفولتهم يواجهون صعوبات إدراكية وتعليمية مستمرة، حيث تنخفض قدراتهم الأكاديمية وثقتهم بأنفسهم مقارنة بأقرانهم الأصحاء. كما أظهرت أبحاث أجريت على مراهقين عانوا من نقص التغذية في صغرهم، وجود انخفاض مستمر في معدلات الطول وزيادة ملحوظة في الاضطرابات النفسية والسلوكية التي تلازمهم طوال حياتهم.

إن خطر سوء التغذية في غزة يبدأ فعلياً من داخل الرحم، حيث تنتقل آثار الحرمان الغذائي من الأمهات إلى الأجنة، مما يؤدي إلى ولادة أطفال بأوزان منخفضة للغاية. وأوضحت مصادر في اليونيسيف أن هؤلاء المواليد يواجهون خطر الوفاة بنسبة تفوق المواليد الطبيعيين بـ 20 ضعفاً، مما يجعل بداية حياتهم معركة قاسية من أجل البقاء في ظل ظروف إنسانية منهارة.

وتربط الأبحاث الأكاديمية بين نقص التغذية خلال فترة الحمل وزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية ومرض انسداد الشعب الهوائية المزمن عند البلوغ. كما أن التغييرات الخلقية المرتبطة بسوء تغذية الجنين تزيد من مخاطر السمنة في مرحلة الطفولة، بالإضافة إلى هشاشة العظام وفقدان الكتلة العضلية، مما يجعل الجيل القادم في غزة عرضة للشيخوخة المبكرة والأمراض المزمنة.

وفيما يتعلق بالرضاعة الطبيعية، أفادت مصادر من صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن القلق المستمر وسوء التغذية الحاد يعيقان قدرة ثلاثة أرباع الأمهات الجدد على إرضاع أطفالهن طبيعياً. ويأتي هذا العجز في وقت يفتقر فيه القطاع إلى حليب الأطفال البديل، مما يحرم الرضع من الأجسام المضادة الضرورية التي يحويها لبن الأم، والتي تعد خط الدفاع الأول ضد الأمراض المعدية والوفاة.

إن تقلص معدلات الرضاعة الطبيعية يضيف عبئاً ثقيلاً على كاهل المنظومة الصحية، حيث تزداد فرص إصابة الأطفال بأمراض الطفولة القاتلة، بينما ترتفع مخاطر إصابة الأمهات بأنواع معينة من السرطان. هذا الترابط الوثيق بين صحة الأم والطفل يجعلهما الضحية الأولى لسياسات التجويع التي تركت ندوباً عميقة في النسيج الحيوي لسكان قطاع غزة، وهي ندوب لن تمحوها المساعدات المؤقتة.

ختاماً، يظل الوضع الإنساني في غزة يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً يتجاوز مجرد توفير السعرات الحرارية إلى تأمين غذاء نوعي يعالج النقص الحاد في الفيتامينات والمعادن. إن استمرار الفجوة الغذائية يعني أن الآلاف من الأطفال سيظلون يعانون من التقزم وضعف الوظائف الإدراكية، مما يرهن مستقبل مجتمع كامل لتبعات حصار لم يرحم حتى الأجنة في بطون أمهاتهم.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

بين صواريخ الواقع وشاشات الخيال.. كيف أعادت الحرب على إيران ترتيب أولويات المشاهد العربي في رمضان؟

لم تكن دراما رمضان لعام 2026 استثناءً من القاعدة التي تفرض فيها الأحداث السياسية الكبرى سطوتها على الشاشة العربية، حيث خطفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الأضواء من المسلسلات التلفزيونية. فمنذ الأيام الأولى لشهر رمضان الذي بدأ في الثامن عشر من فبراير، تراجع اهتمام الجمهور بالحبكات المتخيلة لصالح متابعة أخبار الصواريخ والمسيّرات التي بدأت تجوب أجواء المنطقة في الثامن والعشرين من الشهر ذاته.

تحولت شاشات الفضائيات العربية الكبرى إلى غرف عمليات مفتوحة، حيث حلت المربعات الإخبارية الصغيرة للمراسلين محل المشاهد الدرامية الطويلة، ونقلت مصادر ميدانية تطورات الحرب على وقع صفارات الإنذار. هذا التحول المفاجئ أصاب شركات الإنتاج التي أنفقت ملايين الدولارات في مقتل، بعدما راهنت على الموسم الدرامي الأعلى مشاهدة خلال العام لتحقيق عوائد إعلانية ضخمة.

يرى محللون أن طبيعة هذه الحرب، التي اعتمدت بشكل أساسي على القصف الصاروخي والمسيّرات، جعلتها تبدو كدراما واقعية 'مكئبة' تفتقر إلى العنصر البشري المباشر والبطولات الفردية التقليدية. ومع غياب صور الجنود والتقدم الميداني بسبب القيود الإعلامية، بدأت متابعة الحرب تتراجع تدريجياً لصالح العودة إلى الدراما المتخيلة كنوع من الهروب النفسي من واقع يزداد سوءاً.

رغم هذا التراجع العام، استطاعت بعض الأعمال الدرامية الحفاظ على مستوى متابعة معقول، مثل مسلسل 'صحاب الأرض' الذي قارب العدوان على غزة، ومسلسل 'مولانا' الذي تناول الاستبداد وصناعة الرموز في المخيال الشعبي. هذه الأعمال نجحت في نقل جزء من دراما الواقع إلى الفضاء الفني، مما جعلها أكثر صموداً أمام طوفان الأخبار العسكرية المتلاحقة.

على صعيد الإنتاج، شهدت الدراما السورية طفرة غير مسبوقة في رمضان 2026، حيث ارتفع عدد الأعمال المنتجة إلى نحو 25 عملاً مقارنة بـ 11 عملاً فقط في العام الماضي. وفي المقابل، حافظت الدراما المصرية والخليجية على استقرار نسبي في حجم الإنتاج، حيث قُدم نحو 40 عملاً مصرياً وما يقارب 35 عملاً خليجياً، رغم الظروف السياسية المحيطة.

وبعيداً عن الشاشات، حذرت تقارير دولية من أن الحرب على إيران قد تتسبب في صدمة أمنية واقتصادية عالمية لا تقتصر آثارها على المنطقة فحسب. وتشير التوقعات إلى أن الصين قد تكون المتضرر الأكبر اقتصادياً نظراً لاعتمادها الكثيف على نفط المنطقة، مما سيؤدي حتماً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة أسعار السلع في الأسواق العالمية.

أدى إغلاق مضيق هرمز، وهو الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، إلى قفزات جنونية في أسعار النفط وتكاليف الشحن والنقل الدولي. هذا الارتفاع المفاجئ وضع ضغوطاً سياسية كبيرة في الولايات المتحدة، حيث تشير مصادر إلى احتمالية استغلال الحزب الديمقراطي لهذه الأزمة الطاقوية في الصراع السياسي ضد دونالد ترمب.

في المقابل، برزت روسيا كمستفيد اقتصادي بارز من هذه الأزمة، حيث تساهم أسعار النفط المرتفعة في توفير تمويل إضافي لعملياتها العسكرية المستمرة في أوكرانيا. هذا التداخل بين جبهات القتال في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية يعكس مدى تعقيد المشهد الجيوسياسي الراهن وتأثيره المباشر على موازين القوى الدولية.

من الناحية العسكرية، يثير استهلاك الولايات المتحدة لمخزونها من الصواريخ الاعتراضية في مواجهة الهجمات الإيرانية قلقاً في كييف، حيث يُخشى أن يؤدي ذلك إلى تقليل الدعم العسكري الموجه لأوكرانيا. إن استنزاف القدرات الدفاعية الأمريكية في جبهة جديدة قد يغير قواعد اللعبة في الصراعات الدولية الأخرى التي تعتمد على الإمدادات العسكرية الواشنطنية.

كشف الموسم الرمضاني الحالي مرة أخرى عن هشاشة العلاقة بين الفن والسياق العام، حيث أصبحت الشاشات رهينة لإيقاع الحدث العسكري والسياسي المتسارع. فعندما تشتعل الحروب، تغيب المنافسة التقليدية بين النجوم والمسلسلات، وتصبح الأولوية للمشاهد هي البحث عن الأمان وفهم مصير المنطقة المهددة بالانفجار الشامل.

إن العجز عن الانفصال الكامل عما يجري خارج جدران الاستوديوهات يؤكد أن الدراما العربية لا تزال مرتبطة عضوياً بالواقع السياسي، مهما حاولت تقديم محتوى ترفيهي. فالحرب على إيران لم تلغِ الموسم الدرامي تماماً، لكنها أعادت ترتيب سلم الأولويات لدى الجمهور الذي يجد نفسه ممزقاً بين متابعة مآسي الواقع وخيالات الشاشة.

في نهاية المطاف، يبقى المشاهد العربي هو المتلقي الوحيد الذي يحاول الموازنة بين دراما الواقع التي تفرض نفسها بقوة النار، وبين دراما التلفزيون التي تحاول ترميم ما أفسدته الحروب. ومع استمرار التوترات، يظل السؤال قائماً حول قدرة الصناعة الدرامية على الصمود في وجه التحولات الكبرى التي تعيد صياغة وجه المنطقة والعالم.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

حماس تدين الهجمات على إيران وتدعو طهران لتجنب استهداف دول الجوار

أعربت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن قلقها العميق إزاء تصاعد وتيرة المواجهات العسكرية في المنطقة، مؤكدة في بيان رسمي صدر السبت إدانتها الشديدة لما وصفته بالعدوان الأمريكي الصهيوني الذي استهدف الجمهورية الإسلامية في إيران. واعتبرت الحركة أن هذه الهجمات تمثل خرقاً صارخاً لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وتشكل تهديداً مباشراً للأمن والسلم على المستويين الإقليمي والدولي.

وشددت الحركة في بيانها على مشروعية حق إيران في الدفاع عن نفسها والرد على هذا الاعتداء وفقاً للأعراف والمواثيق الدولية المعمول بها. ومع ذلك، وجهت حماس نداءً صريحاً إلى القيادة الإيرانية بضرورة تجنب استهداف دول الجوار في عملياتها العسكرية، داعية كافة الأطراف في المنطقة إلى التعاون الوثيق من أجل وقف العدوان والحفاظ على روابط الأخوة والمصالح المشتركة.

وحملت حماس الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد الذي وصفته بـ 'الجريمة النكراء' ضد سيادة إيران. وأشارت إلى أن هذه الهجمات تؤدي إلى تفاقم الأزمات والصراعات في الشرق الأوسط، وهو ما يخدم الأجندات التوسعية الرامية لفرض الهيمنة والسيطرة على حساب الحقوق الفلسطينية ومصالح الشعوب العربية والإسلامية.

وفي سياق متصل، دعت الحركة المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية إلى التحرك العاجل لاتخاذ مواقف حازمة تضع حداً لهذه الانتهاكات المتكررة. وأكدت أن استمرار هذه العمليات العسكرية يجر المنطقة إلى نفق مظلم من عدم الاستقرار، مطالبة بضرورة العمل الفوري على إنهاء الحرب وتغليب المسارات الدبلوماسية لحماية مقدرات الشعوب.

ميدانياً، تشهد المنطقة توتراً متصاعداً منذ نحو أسبوعين، حيث أفادت مصادر بأن إيران شنت سلسلة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت ما قالت إنها مصالح وقواعد أمريكية في دول الخليج والعراق والأردن. وقد أسفرت بعض هذه الضربات عن وقوع ضحايا بين قتلى وجرحى، بالإضافة إلى إلحاق أضرار مادية جسيمة ببعض الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية في تلك الدول.

من جانبها، عبرت دولة قطر عن احتجاجها الشديد على هذه التطورات، حيث أكدت مندوبتها لدى الأمم المتحدة، الشيخة علياء آل ثاني أن الهجمات الإيرانية التي طالت بلادها غير مبررة وتمثل تصعيداً لا يمكن قبوله. وأوضحت المندوبة القطرية أن هذه الاعتداءات عرضت حياة المدنيين للخطر وتسببت في تدمير أجزاء من البنية التحتية، مما يقوض أسس التفاهم والعلاقات بين دول المنطقة.

وحذرت المندوبة القطرية من أن غياب الرد الدولي الحازم على هذه التصرفات قد يرسل إشارات خاطئة تشجع على استمرار استهداف الدول غير المتورطة في النزاعات. وطالبت بضرورة احترام سيادة الدول وضمان أمن المنطقة، مشيرة إلى أن التقاعس عن اتخاذ موقف جاد سيهدد الاستقرار الإقليمي ويفتح الباب أمام مزيد من التجاوزات الخطيرة.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 9:04 صباحًا - بتوقيت القدس

تحرك عسكري أمريكي لفتح مضيق هرمز: قوة 'المارينز' تتجه للمنطقة وسط تهديدات إيرانية

أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أوامر عاجلة بتحريك قوة من مشاة البحرية 'المارينز' نحو منطقة الشرق الأوسط، في خطوة تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة. وتأتي هذه التحركات العسكرية في ظل مخاوف متزايدة من ركود اقتصادي عالمي قد يسببه الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة نتيجة التوترات المتصاعدة.

وأكدت مصادر رسمية أن السفينة الحربية 'يو إس إس تريبولي' قد أبحرت بالفعل من قاعدة أوكيناوا في اليابان، حاملة على متنها نحو 5,000 بحار. وتضم هذه القوة الوحدة البحرية الاستكشافية الحادية والثلاثين، وهي وحدة متخصصة في العمليات البرية والجوية الخاصة وقادرة على تنفيذ عمليات إنزال معقدة.

ميدانياً، شهد يوم الجمعة تصعيداً لافتاً بعد تعرض ناقلات نفط إضافية لإطلاق نار من قبل القوات الإيرانية في مياه الخليج. وجاء هذا الهجوم عقب تصريحات للمرشد الأعلى الإيراني الجديد، أكد فيها تمسك طهران بإغلاق المضيق الاستراتيجي حتى تتوقف الهجمات العسكرية التي تستهدف الأراضي الإيرانية.

ويرى محللون عسكريون أن مهمة تأمين مسار الشحن الدولي قد لا تقتصر على المرافقة البحرية، بل قد تتطلب عملية برية واسعة النطاق. وحذرت تقارير نشرتها صحف دولية من أن مثل هذا التدخل قد يؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الأمريكية والحليفة نظراً لتعقيد الجغرافيا العسكرية في المنطقة.

وفي سياق متصل، أشار الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، إلى أن البنتاغون يتعامل مع 'بيئة تكتيكية معقدة للغاية'. وأوضح كاين خلال إحاطة صحفية أن القيادة العسكرية تسعى للتأكد من كافة التفاصيل قبل الإقدام على أي خطوة تنفيذية قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة وشاملة.

وبرزت مقترحات داخل الدوائر السياسية الأمريكية تدعو للاستيلاء على جزيرة خرج، التي تعد المركز النفطي الأهم لإيران. ورغم أن الجزيرة لم تتأثر بشكل مباشر بالصراع حتى الآن، إلا أن السيطرة عليها قد تمثل ورقة ضغط استراتيجية لضمان تدفق النفط ومنع طهران من استخدامها كقاعدة لعملياتها.

وعلى الصعيد الاقتصادي، اتخذت واشنطن خطوة مفاجئة بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي في محاولة لتهدئة الأسواق العالمية. هذا القرار أحدث شرخاً في المواقف مع لندن، حيث عبرت الحكومة البريطانية عن ضرورة استمرار الضغط المالي على موسكو وعدم التهاون في ملف 'صندوق الحرب' الروسي.

من جانبه، صرح وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت بأن البحرية الأمريكية قد تبدأ بمرافقة ناقلات النفط بحلول نهاية الشهر الجاري. وأقر رايت بأن القوات الأمريكية ليست مستعدة تماماً لهذه المهمة في الوقت الراهن، حيث تتركز الأصول العسكرية حالياً على تدمير القدرات الهجومية وصناعات التصنيع العسكري الإيرانية.

وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن أسعار الوقود في الولايات المتحدة وصلت إلى مستويات قياسية، حيث بلغ سعر الغالون في كاليفورنيا نحو 8 دولارات. ويحذر خبراء من أن استمرار إغلاق المضيق، الذي يمر عبره 20% من إمدادات العالم، قد يدفع برميل النفط لتجاوز حاجز الـ 300 دولار في حال طال أمد النزاع.

وفي ظل هذا الانسداد، برز دور تركي وسيط، حيث أعلن وزير النقل التركي عن عبور سفينة تابعة لبلاده للمضيق بعد الحصول على إذن مباشر من السلطات الإيرانية. ولا تزال 14 سفينة تركية أخرى تنتظر في المنطقة بانتظار التنسيق مع طهران، في وقت تفتقر فيه واشنطن لأدلة قاطعة حول قيام إيران بزرع ألغام بحرية حتى اللحظة.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 8:39 صباحًا - بتوقيت القدس

غياب "مجلس السلام": الحرب على إيران تُهمّش ملف غزة

د. رائد أبو بدوية: إسرائيل قد تستفيد من الانشغال الدولي لإعادة تأطير ما يجري بغزة ضمن الصراع الإقليمي

ماجد هديب: استمرار تجميد مجلس السلام سيؤدي إلى انعكاسات مباشرة على الوضع الداخلي في غزة

سري سمور: إسرائيل تحاول استغلال انشغال العالم بالحرب لتكثيف الضغوط على غزة لفرض وقائع جديدة

د. سهيل دياب: حال إنهاء الحرب عبر اتفاق تسعى فيه طهران لمقاربة إقليمية فقد يمتد ذلك ليشمل لبنان وغزة

طلال عوكل: مظاهر تعطيل الدخول إلى المرحلة الثانية سبقت الحرب على إيران ما يعكس فشل خطة ترمب

لبيب طه: غياب مجلس السلام يعمق الأزمتين الإنسانية والسياسية في غزة ويعكس تنكراً واضحاً للاتفاقات

رام الله - خاص ب"القدس"-

على وقع الحرب الإسرائيلية الأمر على إيران تراجع حضور قطاع غزة على أجندة الاهتمام الدولي، وتم تجميد ما يسمى مجلس السلام بشكل فعلي، حيث اتجهت أنظار القوى الدولية والإعلام العالمي إلى تداعيات الصراع الأوسع في المنطقة.

وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، فقد أدى هذا التحول إلى انحسار الاهتمام السياسي والدبلوماسي بالملف الفلسطيني، بما في ذلك المبادرات المطروحة لمعالجة الأوضاع في قطاع غزة، وعلى رأسها ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، الذي كان يُفترض أن يشكل إطاراً سياسياً وإدارياً لمعالجة المرحلة التالية للحرب.

ويرون أن تراجع الضغط الدولي أدى إلى توفير هامش أوسع لإسرائيل للتحرك في قطاع غزة، في ظل انخفاض مستوى التدقيق السياسي والإعلامي على سياساتها الميدانية.

في المقابل، ينعكس تجميد المبادرات السياسية وتراجع الاهتمام الدولي بصورة مباشرة على الواقع الإنساني والإداري في القطاع، الذي يعاني أصلاً من أزمات معيشية حادة ونقص في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

كما يهدد استمرار هذا الجمود بتأخير مسار إعادة الإعمار وإبقاء غزة في دائرة الأزمات المتلاحقة، بانتظار ما ستسفر عنه الحرب الإقليمية من موازين قوى جديدة قد تعيد تشكيل أولويات المنطقة ومستقبل القضية الفلسطينية.








غزة والتأثر بالتحولات الكبرى


يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. رائد أبو بدوية أن التطورات الإقليمية المتسارعة، وعلى رأسها الحرب الدائرة مع إيران، أدت إلى تراجع ملحوظ في حضور الملف الفلسطيني، ولا سيما ما يتعلق بقطاع غزة، على أجندة الاهتمام الدولي السياسي والإعلامي والدبلوماسي، وهو ما انعكس على المبادرات المطروحة لمعالجة الأوضاع في القطاع، ومن بينها ما يُعرف بـ"مجلس السلام في غزة".

ويوضح أبو بدوية أن غزة لا تتأثر فقط بما يجري داخل حدودها الضيقة، بل تتأثر بدرجة كبيرة بالتحولات الكبرى في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها، فالقضية الفلسطينية، رغم مركزيتها التاريخية في الشرق الأوسط، كثيراً ما تتراجع إلى الخلف في لحظات التصعيد الإقليمي الكبير، عندما تتجه أنظار القوى الدولية إلى صراعات تُعتبر أكثر تهديداً للاستقرار الإقليمي أو للنظام الدولي.

ويبيّن أبو بدوية أن تصاعد الأزمات الكبرى خاصة الحرب على إيران يدفع المجتمع الدولي إلى إعادة ترتيب أولوياته السياسية والدبلوماسية، حيث يتركز الاهتمام على تداعيات تلك المواجهة واحتمالات توسعها وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وكذلك يتراجع الضغط الدولي المرتبط بغزة، سواء فيما يتعلق بالمطالبة بوقف العمليات العسكرية أو الدفع نحو حلول سياسية وإنسانية لمعالجة الأزمة في القطاع.


فراغ الاهتمام الدولي


ويشير أبو بدوية إلى أن هذا الواقع يخلق ما يمكن وصفه بـ"فراغ الاهتمام الدولي"، وهو فراغ ينعكس عملياً في انخفاض مستوى التدقيق والضغط الدولي على السياسات الإسرائيلية في غزة، ما يمنح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك وإدارة الصراع وفق حساباتها الخاصة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي.

ويلفت أبو بدوية إلى أن طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تقوم على تداخل الأزمات وتزاحمها على أجندة القوى الدولية، إذ غالباً ما يتم التعامل مع هذه الأزمات وفق منطق ترتيب الأولويات، حتى وإن كانت أزمة غزة لها تداعياتها الإنسانية والسياسية شديدة الخطورة، ما يجعلها ضحية لهذا التزاحم في الأزمات الإقليمية.


خلف صخب الحرب على إيران


ويوضح أبو بدوية أن تواري مجلس السلام خلف صخب الحرب على إيران يعكس انشغال البيئة الدولية التي يمكن أن تدعم تلك المبادرات بأولويات أخرى أكثر إلحاحاً، فعندما تتحول الأنظار إلى صراع إقليمي أوسع، تتراجع فرص الدفع بمبادرات تهدف إلى تهدئة الأوضاع في القطاع أو إعادة إطلاق مسارات سياسية مرتبطة به.

ويشير أبو بدوية إلى أن إسرائيل قد تستفيد من انشغال المجتمع الدولي بأولويات أخرى بإعادة تأطير ما يجري في غزة ضمن سياق الصراع الإقليمي الأوسع مع إيران، وهو خطاب يسهم في بعض الأحيان في تعزيز قبول الرواية الإسرائيلية لدى بعض القوى الدولية.


إسرائيل وفرصة تثبيت الوقائع


كما قد يتيح ذلك وفق أبو بدوية، تراجع مستوى التدقيق الدولي لإسرائيل فرصة لتثبيت وقائع ميدانية أو سياسية جديدة في القطاع، في وقت ينخفض فيه مستوى الضغوط الدبلوماسية والإعلامية المرتبطة بتطورات الأوضاع في غزة.


بطء الاستجابة الإنسانية


وعلى المستوى الإنساني، يحذر أبو بدوية من أن تراجع الاهتمام الدولي ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية في القطاع، الذي يعاني أصلاً من نقص حاد في متطلبات الحياة الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء والطاقة والخدمات الصحية.

كما أن انخفاض مستوى الاهتمام السياسي والإعلامي وفق أبو بدوية، يؤدي غالباً إلى إبطاء الاستجابة الإنسانية الدولية، نظراً للدور الكبير الذي تلعبه التغطية الإعلامية والاهتمام السياسي في تعبئة الموارد وتوجيه المساعدات.

ويشير أبو بدوية إلى أن غياب المبادرات السياسية الفاعلة يكرس حالة الجمود المرتبطة بقطاع غزة، إذ يبقى التعامل مع الأزمة في إطار إدارة الصراع بدلاً من البحث عن حلول سياسية مستدامة.

ويعتبر أبو بدوية أن تواري مجلس السلام خلف صخب الحرب على إيران يكشف هشاشة المسارات السياسية المرتبطة بالقطاع واعتمادها الكبير على البيئة الدولية الداعمة.


ارتباط بنتائج الحرب على إيران


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن الحرب الدائرة على إيران سحبت عملياً طموحات الفلسطينيين وآمالهم المرتبطة بإعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية في قطاع غزة، فضلاً عن تعطيل أي أفق سياسي كان يُطرح في المرحلة السابقة أو تفعيل دور مجلس السلام.

ويوضح هديب أن تجميد عمل مجلس السلام لا يرتبط فقط بانشغال الأطراف الدولية بالحرب، بل يتصل أيضاً بالسياق الأوسع المرتبط بمشروع إعادة تشكيل المنطقة فيما يُعرف بـ"الشرق الأوسط الجديد"، والذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه.

ويلفت هديب إلى أن رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتعلقة بمستقبل غزة والقضية الفلسطينية عموماً ترتبط بنتائج الحرب على إيران، وما ستفرزه من موازين قوى إقليمية جديدة.

ويشير هديب إلى أن هذه الحرب نتج عنها تحول واضح في أولويات المجتمع الدولي، حيث انتقل الاهتمام من ملف غزة إلى الصراع الأوسع في المنطقة، وهو ما انعكس في تراجع الحديث عن مجلس السلام أو محاولة تهيئة الظروف لبدء عمله.


خلافات مرتبطة بإدارة قطاع غزة


ويلفت هديب إلى أن المشهد السياسي المرتبط بإدارة قطاع غزة ما يزال يشهد خلافات متعددة، سواء بين القوى الفلسطينية نفسها، أو بين الأطراف الدولية المعنية، فهناك خلافات قائمة حول دور السلطة الفلسطينية، وموقف حركة حماس من ترتيبات الإدارة المستقبلية للقطاع، إضافة إلى تباينات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن ترتيبات "اليوم التالي" للحرب، خصوصاً في ما يتعلق بملف الأمن والجهة التي ستتولى إدارة القطاع ومنح الشرعية السياسية.

وعلى المستوى الأمني، يرى هديب أن الحرب على إيران تجعل من الصعب تنفيذ أي ترتيبات أمنية مرتبطة بمجلس السلام، وخاصة تلك المتعلقة بنشر قوات استقرار أو نقل الصلاحيات الأمنية في غزة.

ويوضح هديب أن هذه القوات تُعد العمود الفقري للمجلس، إلا أن عملها مرتبط باتفاقات أمنية لم يتم التوصل إليها حتى الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أو بين الولايات المتحدة والأطراف الأخرى المعنية بالمجلس.

ويشير هديب إلى أن إسرائيل، في ظل الحرب الإقليمية واحتمالات توسعها، تركز أولوياتها الأمنية على الجبهة الإقليمية، ما يجعلها غير مستعدة للانسحاب من غزة أو نقل السيطرة الأمنية إلى جهة أخرى، خشية حدوث فراغ أمني قد تستفيد منه أطراف تعتبرها إسرائيل مرتبطة بإيران.


التردد في ضخ التمويل


أما على الصعيد الاقتصادي، يؤكد هديب أن تجميد عمل مجلس السلام يحمل دلالات اقتصادية واضحة، لأن المجلس كان يفترض أن يشكل إطاراً لإدارة المساعدات الدولية ومشاريع إعادة الإعمار بالتنسيق مع الدول المانحة، إلا أن الحرب على إيران أدت إلى تردد تلك الدول والمؤسسات الدولية في ضخ التمويل، في ظل غياب الاستقرار وعدم وضوح مآلات الصراع الإقليمي.

وبحسب هديب، فإن هذا الواقع بتجميد عنل مجلس السلام يعني عملياً استمرار قطاع غزة في حالة "اقتصاد إغاثي" يعتمد على المساعدات المحدودة بدلاً من الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار والتنمية، إلى حين اتضاح نتائج الحرب وتحديد ملامح التوازنات الجديدة في المنطقة.


استمرار الفراغ الإداري والسياسي


ويحذر هديب من أن استمرار تجميد مجلس السلام سيؤدي إلى انعكاسات مباشرة على الوضع الداخلي في غزة، من بينها استمرار الفراغ الإداري والسياسي وضعف القدرة على تنظيم الحياة المدنية والخدمات العامة، في وقت يعاني فيه القطاع أصلاً من نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود.

ويشير هديب إلى أن هذا الفراغ قد يتيح لحركة حماس تعزيز سيطرتها الأمنية والإدارية داخل القطاع، بما في ذلك في قطاعات الشرطة والبلديات والقضاء، وهو ما قد يعقّد ترتيبات "اليوم التالي" ويؤدي إلى إعادة طرح ملف دور الحركة في أي معادلة سياسية مستقبلية تتعلق بإدارة غزة.

وبحسب هديب، فإن انتقال الاهتمام الدولي من إدارة أزمة غزة إلى إدارة الصراع الإقليمي الأوسع يعني عملياً تأجيل أي مشروع سياسي أو اقتصادي يتعلق بالقطاع، وهو ما يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية والإدارية ويؤخر مسار إعادة الإعمار والاستقرار في غزة إلى حين اتضاح نتائج الحرب في المنطقة.


طغيان الحرب الدائرة مع إيران


يوضح الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن أخبار قطاع غزة والضفة الغربية تراجعت بشكل واضح، نتيجة طغيان الحرب الدائرة مع إيران على المشهد العام، كون حجم الحدث وتداعياته الاستراتيجية جعلاه يتصدر الاهتمام العالمي، فيما تراجعت القضايا الأخرى، بما فيها القضية الفلسطينية، إلى الخلف.

ويرى سمور أن هذا التراجع لا يرتبط فقط بزخم الحرب، بل أيضاً بمحاولة إعادة برمجة المشهد السياسي في المنطقة، بما يشمل القضية الفلسطينية نفسها.


إسرائيل واستغلال نتائج الحرب


ويعتقد سمور أن بعض السيناريوهات التي تطمح إليها إسرائيل تقوم على استغلال نتائج الحرب في حال انتهت بانتصار أمريكي–إسرائيلي على إيران، بما قد يفتح الباب أمام خطوات سياسية وأمنية خطيرة تمس الواقع الديموغرافي الفلسطيني.

ويبيّن سمور أن أحد أخطر هذه السيناريوهات يتمثل في محاولة فرض تهجير واسع للفلسطينيين من قطاع غزة باتجاه مصر، عبر الضغط السياسي أو الإقليمي، إلى جانب دفع الأردن لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين من الضفة الغربية.

ويلفت سمور إلى أن هذه الرؤية، وفق ما يعتقد مخططوها، تهدف في المدى البعيد إلى إعادة تشكيل الواقع في غزة ليعود إلى ما كان عليه قبل عقود، مع تقليص الكتلة السكانية الفلسطينية في الضفة.

ويشير سمور إلى أن هذا السيناريو يبقى مرهوناً بنتائج الحرب، مؤكداً أن انتهائها بالتعادل أو دون حسم واضح قد يحد من إمكانية تنفيذ مثل هذه الخطط، وربما يفتح مسارات مختلفة قد لا تكون بالضرورة سلبية بالنسبة لقطاع غزة، بينما يشكل أي انتصار أمريكي–إسرائيلي أخطر الاحتمالات على المنطقة والقضية الفلسطينية.


تداعيات استراتيجية كبرى


ويوضح سمور أن الحرب مع إيران تحمل تداعيات استراتيجية كبرى، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما يجعلها قضية مركزية بالنسبة لمعظم دول العالم.

ويشير سمور إلى أن دول الخليج نفسها طالتها الحرب، كما أن جزءاً كبيراً من الإعلام العربي ممول خليجياً، في وقت تنشغل فيه دول المنطقة بترتيباتها ومصالحها المرتبطة بالحرب وتداعياتها.

ميدانياً، يلفت سمور إلى أن القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تراجع نسبياً مقارنة بالفترات السابقة، لكنه لم يتوقف، في حين ما يزال الحصار والتضييق مستمرين، ما يفاقم من معاناة الأهالي ويؤثر على متطلبات الحياة الأساسية.

ويرى سمور أن إسرائيل تحاول استغلال انشغال العالم بالحرب على إيران لتكثيف الضغوط على القطاع، وتعقيد الظروف الإنسانية، من أجل فرض وقائع جديدة.

ويعتبر سمور أن المرحلة الحالية تشهد طرح مقاربات جديدة في السياسة الأمريكية والإسرائيلية تقوم على مبدأ "السلام من خلال القوة"، أي فرض الوقائع بالقوة العسكرية، كما أن نتائج المواجهة مع إيران ستحدد شكل السياسات المقبلة في المنطقة، بما في ذلك مستقبل القضية الفلسطينية وترتيباتها السياسية.


هروب نتنياهو إلى الأمام


يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص في الشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى دفعت ملف قطاع غزة إلى مرتبة متأخرة في سلم الأولويات الإقليمية والدولية، من دون أن يعني ذلك إغلاق الملف أو إنهاء مساره السياسي، بل تجميده مؤقتاً بانتظار ما ستسفر عنه تطورات المواجهة في المنطقة.

ويشير دياب إلى أن هذا التحول لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل ينسجم مع حسابات سياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي سعى إلى "الهروب إلى الأمام" باتجاه الملف الإيراني لتجنب الالتزامات المتعلقة بالمرحلة الثانية من الترتيبات الخاصة بقطاع غزة، وكذلك التفاهمات المرتبطة بلبنان وملفات إقليمية أخرى.

ويشير دياب إلى أن نتنياهو اعتقد أن خوض مواجهة مع إيران قد يعزز موقعه السياسي الداخلي ويعيد ترميم شعبيته الانتخابية، خاصة أنه كان قد ألمح سابقاً إلى إمكانية تقريب موعد الانتخابات قبل اندلاع الحرب.


مشهد غزة بعد مسار المواجهة الحالية


وفيما يتعلق بتأثير الحرب على مستقبل قطاع غزة، يطرح دياب سيناريوهين رئيسيين لمسار المواجهة الحالية، الأول يتمثل في وقف إطلاق نار محدود على غرار ما يوصف بـ"حرب الاثني عشر يوماً"، وهو الخيار الذي تفضله الولايات المتحدة، وفي هذه الحالة، من المتوقع أن يعود ملف غزة إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب، مع احتمال إدخال بعض التعديلات التي تمنح واشنطن مكاسب سياسية يمكن للرئيس الأمريكي استثمارها داخلياً، خصوصاً في سياق الانتخابات النصفية، وهو ما قد يثير تحفظات إسرائيلية.

أما السيناريو الثاني وفق دياب، فيتعلق بإنهاء الحرب عبر اتفاق شامل يعالج جذور الصراع، وهو الطرح الذي تميل إليه إيران، خشية أن يؤدي وقف إطلاق النار المؤقت إلى تجدد الحرب خلال أشهر قليلة.

وفي هذا السياق، يؤكد دياب أن طهران تسعى إلى مقاربة إقليمية شاملة لملفات الشرق الأوسط، بحيث لا يقتصر الاتفاق على إنهاء الحرب في إيران فحسب، بل يمتد ليشمل الأوضاع في لبنان وقطاع غزة أيضاً.

ويلفت دياب إلى وجود تفاهمات واتصالات بين إيران وعدد من الأطراف الإقليمية، من بينها مصر وقطر وتركيا، تهدف إلى طرح ملف غزة كجزء من أي تسوية شاملة محتملة، وفي حال تحقق ذلك، فإن القضية الفلسطينية – وخصوصاً الوضع في غزة – قد تستفيد من إطار إقليمي أوسع للتسوية.


الأزمة الفلسطينية تجاه مجلس السلام


في المقابل، يشير دياب إلى أزمة ثقة متنامية لدى الجمهور الفلسطيني تجاه ما يسمى "مجلس السلام"، الذي تقوده الولايات المتحدة ويضم شخصيات بارزة من بينها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، اللذان يقودان أيضاً الحرب على إيران في الوقت نفسه الذي يتحدث فيه عن ترتيبات لغزة ما يخلق تناقضاً واضحاً يضعف الثقة الفلسطينية بأي دور مستقبلي له.

ويشير دياب إلى أن ملف غزة يقف حالياً في حالة تجميد بانتظار مآلات الحرب، محذراً من أن استمرار الخلاف بين خيار "وقف إطلاق النار" وخيار "إنهاء الحرب" قد يفتح المجال أمام إسرائيل لإحداث تغييرات ميدانية عميقة في غزة ولبنان، الأمر الذي قد يعيد خلط أوراق المنطقة ويترك تداعيات سلبية إضافية على القضية الفلسطينية.


مواصلة تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية


يوضح الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن مرور نحو خمسة أشهر على دخول خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حيز التنفيذ، إلى جانب أسابيع على انعقاد آخر اجتماع احتفالي لما يُعرف بـ"مجلس ترمب للسلام"، لم ينعكس بأي تغيير ملموس على الواقع في قطاع غزة، مشيراً إلى أن إسرائيل ما تزال تعطل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة، وتواصل فرض سياساتها على الأرض دون وجود تحرك فعلي من المجلس أو أعضائه.

ويشير عوكل إلى أن إسرائيل تواصل، في الوقت نفسه، سياسة الاغتيالات والقصف والتحكم الكامل بالمعابر وحركة الدخول والخروج، إضافة إلى إدارة ملف المساعدات الإنسانية ومتطلبات تحسين الحياة في القطاع وفق حساباتها الخاصة.

ويلفت عوكل إلى أن المجلس، رغم تركيبته التي تضم شخصيات دولية وعربية وإسلامية إلى جانب مبعوثين دوليين، لم يتمكن حتى من تأمين دخول لجنة التكنوقراط المفترض أن تتولى مهام إدارية في غزة.

ويؤكد عوكل أن مظاهر تعطيل الدخول للمرحلة الثانية سبقت الحرب على إيران بفترة طويلة، وهو ما يعكس فشل خطة ترمب وخضوع الأطراف المعنية للإملاءات الإسرائيلية، وليس الادعاء بسبب الحرب الجارية في المنطقة.


ظروف صعبة في غزة


ويشير عوكل إلى أن الواقع المعيشي في غزة لم يشهد تغيراً جوهرياً، إذ تراجع مستوى الخوف من القصف نسبياً، فيما توفرت بعض المواد الغذائية في الأسواق لكنها تباع بأسعار مرتفعة، وإن كانت أقل من تلك التي سادت خلال فترة الحرب الواسعة، ومع ذلك، ما تزال مظاهر الجوع والفقر والبطالة وانتشار الأمراض تثقل حياة الأهالي.

ويؤكد عوكل أن أهالي غزة، رغم هذه الظروف القاسية، يواصلون الصمود على أرضهم، مشدداً على أن الاستسلام لليأس أو التخلي عن التمسك بالحياة ليس خياراً لدى الغزيين رغم شدة المعاناة.


تراجع حضور الملف الفلسطيني


يرى الباحث والمحلل السياسي لبيب طه أن غياب ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، الذي يضم في الأساس شخصيات أميركية مقربة من الإدارة الأميركية، يطرح دلالات سياسية عميقة وسلبية بالنسبة للقضية الفلسطينية، في ظل التحولات الدولية والانشغال بالحرب الدائرة ضد إيران، وهو ما أدى إلى تراجع الاهتمام الدولي بما يجري في الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة.

ويشير طه إلى أن هذا المجلس كان يفترض به أن يلعب دوراً في تحريك مسار التسوية أو إبقاء القضية الفلسطينية ضمن أولويات النقاش السياسي الدولي، إلا أن غيابه في هذه المرحلة الحساسة يعكس انصراف الاهتمام الدولي إلى ملفات أخرى، وعلى رأسها الحرب مع إيران، الأمر الذي أسهم في تراجع حضور الملف الفلسطيني على الساحة الدولية.

ويلفت طه إلى أن العالم يكاد ينسى ما يجري في غزة، إذ لم تعد الأخبار المتعلقة بالقطاع تتصدر المشهد الدولي خلال الأسبوعين الأخيرين، باستثناء التقارير المتفرقة التي تتناول استمرار القتل والتدمير والحرب التي لم تتوقف، حتى وإن كانت وتيرتها قد انخفضت نسبياً مقارنة بالفترات السابقة، موضحاً أن هذا التراجع الإعلامي والسياسي يعكس خللاً عميقاً في ميزان الاهتمام الدولي.

ويؤكد طه أن غياب "مجلس السلام" يحمل في جوهره رسائل سلبية للفلسطينيين، إذ تعكس حقيقة أن الطرف الفلسطيني هو الأضعف في المعادلة السياسية الدولية، وأن التاريخ كثيراً ما أظهر أن الضعفاء يدفعون الثمن الأكبر عندما تتقدم المصالح على المبادئ.

كما أن هذا الغياب يعكس – بحسب طه – أن القوة أصبحت تتقدم على الحق في إدارة العلاقات الدولية، وأن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما تتصدر الأولويات على حساب معاناة الشعب الفلسطيني.


ترتيب أولويات السياسة الدولية


ويرى طه أن أحد المؤشرات الواضحة في هذا السياق يتمثل في ترتيب أولويات السياسة الدولية، حيث يبدو أن القضية الفلسطينية لم تعد ضمن أولويات النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، فيما تحظى قضايا أخرى باهتمام أكبر في ضوء الصراعات الإقليمية والدولية المتصاعدة.

وفي ما يتعلق بتداعيات ذلك على الواقع الفلسطيني، يوضح طه أن هذا الغياب يعمق الأزمة الإنسانية والسياسية في قطاع غزة، مشيراً إلى أن ما يعيشه القطاع لم يعد مجرد أزمة عابرة أو ظرفاً طارئاً، بل كارثة ممتدة منذ نحو أكثر من عامين، تعكس تنكراً واضحاً للاتفاقيات المبرمة مع الجانب الفلسطيني.

ويؤكد طه أن هذه التطورات تعني عملياً استمرار حرمان الفلسطينيين من أبسط حقوقهم الإنسانية، مشيراً إلى أن الحديث هنا لا يتعلق بحقوق سياسية فقط، بل بالحقوق الأساسية التي يولد بها الإنسان.

ويوضح طه أن هذه الحقوق باتت غائبة في واقع الفلسطينيين، وخصوصاً في قطاع غزة، فيما لا يختلف الوضع في الضفة الغربية كثيراً من حيث الجوهر، وإن كان يختلف من حيث درجة الحدة، إذ يبقى الواقع العام متسماً بالقسوة والمعاناة والبعد المأساوي.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 8:38 صباحًا - بتوقيت القدس

رسائل دينية وإنسانية من القدس: صلّوا بأمان وتجنبوا المخاطر

 تعيش مدينة القدس خلال شهر رمضان المبارك، ولا سيما في العشر الأواخر منه، ظروفًا استثنائية لم يعتدها المقدسيون. ففي الوقت الذي اعتاد فيه المسلمون التوافد بأعداد كبيرة إلى المسجد الأقصى لإحياء الليالي المباركة بالصلاة والاعتكاف، يبدو المشهد هذا العام مختلفًا بشكل واضح، إذ تكاد ساحات الأقصى تكون خالية من المصلين، في ظل المخاطر الأمنية جراء التصعيد في المنطقة.

ورغم ذلك، يواصل أبناء شعبنا في القدس إحياء شعائر رمضان وأداء الصلوات في المساجد داخل الأحياء أو في بيوتهم، حرصًا على استمرار العبادة مع الحفاظ على سلامة الناس.


الأقصى شبه خالٍ والمصلون يتوجهون لمساجد الأحياء


اعتاد المقدسيون في كل عام أن تمتلئ شوارع البلدة القديمة بالمصلين القادمين إلى المسجد الأقصى، خاصة خلال العشر الأواخر من شهر رمضان. لكن هذا العام يبدو المشهد مختلفًا؛ فالمسجد الأقصى يكاد يكون خاليًا من المصلين، وهو أمر لم يشهده المقدسيون منذ عقود طويلة.

ويقول أحد المواطنين المقدسيين إنّ أجواء رمضان هذا العام غير معتادة، إذ اعتاد الناس رؤية آلاف المصلين في ساحات الأقصى، لكن الظروف الحالية حالت دون ذلك. ويوضح أنّ أبناء شعبنا في القدس ما زالوا يحرصون على أداء الصلوات في المساجد داخل الأحياء والبلدات، محافظين على روح رمضان وإحياء الشعائر الدينية بقدر ما تسمح به الظروف.


رسالة شرعية: حفظ النفس مقدم على تعريضها للخطر


من جانبه يؤكد وكيل وزارة الأوقاف لشؤون الدعوة سابقًا د. خميس عابدة أنّ الشريعة الإسلامية تقوم على اليسر ورفع الحرج عن الناس، وأنّ حفظ النفس يعد من المقاصد الكبرى في الإسلام.

ويشير د. عابدة إلى أنّ الصلاة في المسجد لها فضل كبير، خاصة في العشر الأواخر من رمضان، إلا أنّ وجود خطر حقيقي على حياة الناس يجعل الصلاة في المساجد القريبة أو في البيوت أمرًا جائزًا ولا حرج فيه. ويضيف أنّ العلماء قرروا أنّ درء الضرر مقدم على جلب المصلحة، وأنّ المسلم غير مطالب بتعريض نفسه للهلاك أو الخطر الشديد من أجل الوصول إلى المسجد.

ويؤكد أنّ من استطاع الوصول إلى المسجد بأمان فله الأجر العظيم، أما من خشي على نفسه أو على أهله فالصلاة في البيت أو في مسجد قريب صحيحة ويؤجر عليها بنيته. كما يشدد على أنّ العبادة في رمضان ليست مرتبطة بمكان واحد، إذ يمكن للمسلم إحياء العشر الأواخر بالصلاة وقيام الليل وقراءة القرآن والدعاء في أي مكان آمن.


تحذيرات إنسانية: مخاطر سقوط الشظايا والتجمعات

وفي الجانب الإنساني والصحي، يوضح مدير دائرة الإسعاف والطوارئ في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أحمد جبريل أنّ الوضع الإنساني في القدس الشرقية يزداد صعوبة في ظل الحرب والقيود المفروضة على الحركة، إضافة إلى التضييق على المؤسسات الصحية.

ويشير جبريل إلى أنّ أبرز المخاطر التي تهدد المواطنين تتمثل في احتمال سقوط شظايا الصواريخ في المناطق السكنية، خاصة مع عدم توفر أماكن آمنة كافية في الأحياء العربية.

ويؤكد أنّ الرسالة الأساسية للمواطنين هي ضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر، وتجنب التجمعات في المناطق التي قد تتعرض للقصف، والتحرك فقط عند الضرورة، إضافة إلى تجهيز الاحتياجات الأساسية مسبقًا مثل المياه والطعام، والتواصل مع الجهات المختصة في حالات الطوارئ.


سلامة الناس أولاً رغم الشوق إلى الأقصى

ورغم الشوق الكبير للصلاة في المسجد الأقصى، يؤكد أحد المواطنين المقدسيين أنّ الحكمة في هذه الظروف تقتضي إعطاء الأولوية لسلامة الناس. ويشير إلى أنّ الطريق إلى الأقصى قد يكون محفوفًا بالمخاطر في ظل احتمال سقوط شظايا الصواريخ أو وقوع أحداث مفاجئة قد تعرض المصلين للخطر.

ويضيف: إنّ عدم التجمهر والالتزام بالتعليمات خلال هذه الفترة الحساسة يسهم في حماية المواطنين ويمنع وقوع إصابات أو مآسٍ، مؤكدًا أنّ الأقصى سيبقى في قلوب المقدسيين دائمًا، لكن الأهم في هذه المرحلة هو الحفاظ على حياة الناس وأمانهم.

في ظل الظروف الخطيرة التي تمر بها مدينة القدس خلال شهر رمضان، تتقاطع الرسائل الدينية والإنسانية لتؤكد حقيقة واحدة: أنّ سلامة الإنسان وحياته هي الأولوية. فرغم المكانة العظيمة للمسجد الأقصى في قلوب المسلمين، فإنّ العبادة يمكن أن تؤدى في أي مكان آمن، سواء في المساجد القريبة أو في البيوت.

وتبقى الرسالة الأهم لأبناء شعبنا في هذه الأيام: حافظوا على عبادتكم وروح رمضان، لكن احرصوا قبل كل شيء على سلامتكم وسلامة عائلاتكم، وتجنبوا التجمهر والمخاطر حتى تمر هذه الأيام الصعبة بسلام.

أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 8:37 صباحًا - بتوقيت القدس

ليس كل ما يلمع ذكاءً اصطناعياً

بدأ مصطلح الذكاء الاصطناعي مؤخراً يحتل مساحة واسعة في الخطاب التقني والإعلامي والاقتصادي على حد سواء، حتى أصبح من الصعب العثور على منتج رقمي أو خدمة تقنية جديدة لا تُقدَّم تحت هذا العنوان، فالشركات الناشئة، والمؤسسات الكبرى، وحتى بعض الخدمات اليومية، باتت تُسوَّق على أنها مدعومة بالذكاء الاصطناعي، غير أن هذا الانتشار الواسع للمصطلح يطرح سؤالًا مهماً: هل كل ما يُقدَّم لنا بوصفه ذكاءً اصطناعياً هو بالفعل كذلك؟

يشير الاستخدام المتزايد لهذا المصطلح إلى ظاهرة يمكن وصفها بالتضخم المفاهيمي، حيث يتحول المفهوم العلمي الدقيق إلى عنوان عام يُستخدم في التسويق والترويج بقدر ما يُستخدم في الوصف التقني، وفي هذا السياق، نجد أن بعض الأنظمة الرقمية التي توصف بالذكاء الاصطناعي لا تتجاوز في حقيقتها كونها أنظمة أتمتة تقليدية تعتمد على قواعد محددة سلفاً وضعها المبرمجون، وهذه الأنظمة، على الرغم من أهميتها وفائدتها العملية، لا تمتلك القدرة على التعلم من البيانات أو تطوير أدائها بشكل مستقل، وهي الخاصية التي تشكل جوهر الذكاء الاصطناعي في صيغته الحديثة.

يعتمد الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في مجالات التعلم الآلي والتعلم العميق، على تدريب النماذج الحاسوبية باستخدام كميات كبيرة من البيانات الموثوقة بحيث تتمكن هذه النماذج من اكتشاف الأنماط والعلاقات داخل تلك البيانات، ومن خلال هذه العملية، يصبح النظام قادراً على التنبؤ أو اتخاذ قرارات بدرجة معينة من الاستقلالية، وهذا يختلف جذرياً عن البرمجيات التقليدية التي تعمل وفق تعليمات محددة وثابتة لا تتغير إلا بتدخل المبرمج.

تُظهر الممارسات التسويقية في قطاع التكنولوجيا أن مصطلح الذكاء الاصطناعي أصبح في كثير من الأحيان أداة لجذب الانتباه والاستثمار، فإضافة هذا الوصف إلى منتج أو خدمة قد يمنحها انطباعاً بالتقدم والابتكار، حتى وإن كانت التقنية المستخدمة لا تتضمن في الواقع أي عنصر حقيقي من عناصر الذكاء الاصطناعي، وقد شهد تاريخ التكنولوجيا ظواهر مشابهة، عندما تحولت بعض المفاهيم التقنية مثل “التحول الرقمي” أو “البلوك تشين” إلى كلمات رنانة تُستخدم على نطاق واسع يتجاوز معناها الأصلي.

لا يعني ذلك قطعاً التقليل من الأثر العميق الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات، فقد ساهمت هذه التقنيات بالفعل في تحقيق تطورات ملحوظة في الطب، مثل تحسين دقة تشخيص الأمراض وتحليل الصور الطبية. كما لعبت دوراً مهماً في تطوير أنظمة النقل الذكية، وتحسين إدارة سلاسل التوريد، وتقديم أدوات متقدمة لتحليل البيانات في قطاعات الاقتصاد المختلفة، وتُعد النماذج اللغوية الكبيرة وأنظمة الرؤية الحاسوبية من أبرز الأمثلة على الإمكانات التحويلية لهذه التكنولوجيا.

يخلق الاستخدام غير الدقيق لمصطلح الذكاء الاصطناعي تحدياً حقيقياً يتمثل في بناء توقعات مبالغ فيها لدى الجمهور، فعندما يُعتقد أن جميع الأنظمة الرقمية تمتلك قدرات تحليلية أو معرفية متقدمة، قد يؤدي ذلك إلى خيبة أمل عند اكتشاف حدود هذه الأنظمة، كما قد يسهم في نشر تصورات غير دقيقة حول طبيعة الذكاء الاصطناعي وإمكاناته الحقيقية.

تتطلب هذه المرحلة من التطور التكنولوجي تعزيز الوعي التقني لدى المستخدمين وصنّاع القرار على حد سواء، فالفهم الدقيق للفرق بين الأتمتة التقليدية والذكاء الاصطناعي يساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات أكثر رشادة عند تبني التقنيات الجديدة، كما يساهم في توجيه النقاش العام نحو القضايا الجوهرية المرتبطة بهذه التكنولوجيا، مثل أخلاقيات استخدامها، وتأثيرها على سوق العمل، وضرورة تطوير أطر تنظيمية توازن بين الابتكار والمسؤولية.

يبقى الذكاء الاصطناعي واحداً من أكثر المجالات التقنية تأثيراً في عصرنا، وهو يحمل بالفعل إمكانات كبيرة لإحداث تحولات عميقة في الاقتصاد والمجتمع. غير أن التعامل مع هذه التكنولوجيا يتطلب قدراً من الواقعية والتمييز بين الإنجاز العلمي الحقيقي والضجيج التسويقي الذي يرافقه احياناً.

يؤكد هذا الواقع أن التحدي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكمن فقط في تطوير الخوارزميات أو زيادة قوة الحوسبة، بل أيضاً في بناء فهم نقدي ومتوازن للتكنولوجيا. فالتقدم الحقيقي لا يتحقق عبر المصطلحات الرنانة، بل عبر الابتكار الفعلي القادر على تقديم حلول عملية للمشكلات الإنسانية.

وعليه، يمكن القول إن عالم التكنولوجيا، مثل كثير من مجالات الحياة، تحكمه قاعدة بسيطة لكنها عميقة المعنى: ليس كل ما يلمع ذهباً… وليس كل ما يُقدَّم لنا بوصفه ذكاءً اصطناعياً هو كذلك.

أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 8:36 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تطلب الدولة مفتاح الخوارزمية من يملك الخوارزمية يملك المستقبل

في السنوات الأخيرة لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية متقدمة تستخدمها الشركات لتحسين الخدمات الرقمية أو تسريع الإنتاج، بل أصبح بنية استراتيجية تمس الأمن القومي والاقتصاد العالمي وحتى شكل المجتمعات الحديثة. ضمن هذا التحول الكبير ظهرت مسودة سياسات جديدة أعدّتها إدارة الخدمات العامة الأمريكية (GSA) تقترح شرطًا لافتًا للشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي: أي شركة ترغب في الحصول على عقود حكومية أمريكية يجب أن تمنح الحكومة ترخيصًا دائمًا وغير قابل للإلغاء لاستخدام تقنياتها. هذا الشرط الذي يُعرف قانونيًا باسم Irrevocable License يعني أن الدولة تستطيع استخدام التكنولوجيا حتى لو تغيّرت ملكية الشركة أو توقفت عن العمل أو حاولت لاحقًا سحب الترخيص.

قد يبدو هذا القرار إداريًا أو تقنيًا في ظاهره، لكنه في الواقع يعكس تحولًا عميقًا في العلاقة بين الدولة والتكنولوجيا. فالدول الكبرى بدأت تدرك أن الخوارزميات أصبحت موردًا استراتيجيًا يشبه الطاقة أو النفط في القرن العشرين. وتشير تقديرات معهد ماكينزي العالمي McKinsey Global Institute إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما بين 13 إلى 15 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، بينما يقدّر تقرير Stanford AI Index أن الاستثمارات العالمية في هذا القطاع تجاوزت 200 مليار دولار سنويًا. عندما تصبح هذه الأرقام جزءًا من الاقتصاد العالمي، فإن الحكومات لن تترك هذا المجال بالكامل للشركات الخاصة، بل ستسعى إلى ضمان السيطرة أو على الأقل الوصول الدائم إلى التكنولوجيا التي قد تشكل مستقبل الاقتصاد والأمن.

هذا التوجه لا يرتبط فقط بالاقتصاد، بل يرتبط أيضًا بالمنظومة الأمنية. فالذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا أساسيًا في أنظمة الدفاع الحديثة، حيث يستخدم في تحليل صور الأقمار الصناعية، وفي تشغيل الطائرات المسيرة، وفي تحليل البيانات الاستخباراتية الضخمة التي قد تحتوي على ملايين الإشارات والمعلومات. تشير تقارير حلف شمال الأطلسي NATO إلى أن أكثر من 60٪ من الأنظمة العسكرية الحديثة أصبحت تعتمد بشكل مباشر على تقنيات الذكاء الاصطناعي أو التعلم الآلي. لذلك فإن امتلاك الحكومة حق استخدام هذه التقنيات بشكل دائم يمنحها قدرة استراتيجية هائلة في مواجهة التحديات الأمنية المستقبلية، لكنه في الوقت نفسه يفتح نقاشًا عالميًا حول حدود السلطة التكنولوجية للدول.

على المستوى الاقتصادي، يعكس هذا القرار بداية مرحلة جديدة في الصراع على اقتصاد المستقبل. فالاقتصاد الرقمي اليوم يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: البيانات والخوارزميات والبنية الحاسوبية الضخمة. عندما تحصل الحكومة على حق دائم لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإنها تدخل عمليًا كشريك غير مباشر في هذا الاقتصاد. وتشير دراسة لشركة PwC إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى 14٪ بحلول عام 2030، ما يعني أن الدول التي تمتلك السيطرة على هذه التكنولوجيا قد تتحول إلى مراكز القوة الاقتصادية في العالم. بالنسبة للمجتمعات النامية أو الصغيرة اقتصاديًا، مثل الاقتصاد الفلسطيني أو العديد من الاقتصادات العربية، فإن هذا التحول يطرح سؤالًا مهمًا: هل سنظل مستهلكين للتكنولوجيا التي تطورها الدول الكبرى، أم سنتمكن من تطوير قدراتنا المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي؟

لكن التأثير الأكثر حساسية يتعلق بالمراقبة الرقمية. فالذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة غير مسبوقة على تحليل البيانات البشرية. خوارزمية واحدة يمكنها تحليل ملايين الصور ومليارات النصوص وحركة المستخدمين على الإنترنت خلال دقائق. تقرير Carnegie Endowment يشير إلى أن أكثر من 75 دولة في العالم تستخدم بالفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة المراقبة وتحليل البيانات الأمنية. عندما تحصل الحكومات على إمكانية الوصول الدائم إلى هذه التقنيات، يصبح النقاش حول الخصوصية الرقمية أكثر تعقيدًا. هل ستستخدم هذه الأدوات لتعزيز الأمن العام أم قد تتحول إلى أدوات رقابة واسعة على المجتمعات؟ هذا السؤال لا يخص الولايات المتحدة وحدها، بل يخص مستقبل الحوكمة الرقمية في العالم كله.

أما في مجال التربية والتعليم، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يكون أكثر عمقًا مما نتخيل. فالتكنولوجيا بدأت بالفعل في إعادة تشكيل طريقة إنتاج المعرفة ونشرها. تقرير اليونسكو UNESCO لعام 2024 يشير إلى أن أكثر من 45٪ من الجامعات حول العالم بدأت دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، بينما يستخدم نحو 60٪ من الطلاب أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث والتعلم الذاتي. عندما تصبح الحكومات طرفًا مباشرًا في تطوير هذه الأنظمة، فإن ذلك قد يؤثر أيضًا على مناهج التعليم، وعلى شكل المعرفة التي يتم إنتاجها، وعلى كيفية تقييم الطلاب والباحثين. في مجتمعاتنا، حيث تعاني المؤسسات التعليمية أحيانًا من نقص الموارد التقنية، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى فرصة لتطوير التعليم، لكنه قد يصبح أيضًا مصدر تبعية معرفية إذا لم يتم الاستثمار في تطوير القدرات المحلية.

في النهاية، ما يحدث اليوم ليس مجرد تعديل في شروط العقود الحكومية مع شركات التكنولوجيا. نحن أمام تحول تاريخي في العلاقة بين الدولة والتكنولوجيا. الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات برمجية، بل أصبحت بنية سيادية تمس الاقتصاد والأمن والتعليم والثقافة. الدول الكبرى تسعى إلى ضمان ألا تتحول هذه التكنولوجيا إلى قوة مستقلة خارج نطاقها، بينما تحاول الشركات الحفاظ على استقلالها الابتكاري. بين هذين الاتجاهين يتشكل مستقبل العالم الرقمي. وربما يمكن اختصار هذه المرحلة بعبارة بسيطة لكنها عميقة الدلالة: في القرن الحادي والعشرين، من يملك الخوارزمية لا يملك التكنولوجيا فقط، بل يملك جزءًا من مستقبل العالم.

* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي


اقتصاد

السّبت 14 مارس 2026 8:33 صباحًا - بتوقيت القدس

مخاوف أمنية تدفع أثرياء آسيا لإعادة تقييم استثماراتهم في دبي

تواجه إمارة دبي تحديات متزايدة في الحفاظ على مكانتها كقبلة عالمية لإدارة الثروات، وذلك في ظل التصعيد العسكري الذي تشنه الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي ضد إيران. هذه التطورات دفعت العديد من المستثمرين، لا سيما من القارة الآسيوية، إلى إعادة النظر في جدوى استمرار تدفق أموالهم نحو المنطقة التي كانت تُعرف باستقرارها الاقتصادي وبيئتها الضريبية الجاذبة.

وأفادت تقارير اقتصادية دولية بأن المؤسسات المالية الكبرى بدأت باتخاذ تدابير احترازية لحماية كوادرها، حيث طلبت مجموعتا غولدمان ساكس وسيتي غروب من موظفيهما في مكاتب دبي العمل عن بُعد أو الابتعاد مؤقتاً عن المقرات الرسمية. كما منحت بنوك عالمية أخرى موظفيها خيار مغادرة البلاد بشكل مؤقت، مما يعكس حجم القلق من تداعيات النزاع المسلح على أمن المراكز المالية الحيوية.

وتشير التقديرات الصادرة عن شركة بوسطن كونسلتينغ غروب إلى أن حجم الأصول الأجنبية التي تدار داخل دولة الإمارات وصل إلى نحو 700 مليار دولار خلال عام 2024. ويمثل هذا الرقم الضخم ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي، مما يجعل أي تراجع في جاذبية الدولة الاستثمارية نتيجة المخاطر الجيوسياسية ضربة مكلفة قد تؤثر على النمو الاقتصادي المستدام.

في سياق متصل، كشفت مصادر في قطاع الاستشارات المالية أن نحو ربع المؤسسات الوقفية المسجلة في الإمارات، والبالغ عددها 2270 مؤسسة، تعود ملكيتها لمستثمرين من الهند والصين وإندونيسيا. ومع تصاعد حدة التهديدات العسكرية، بدأ هؤلاء المستثمرون في دراسة خيارات بديلة لتوزيع أصولهم، مع التركيز على مراكز مالية أكثر ابتعاداً عن بؤر الصراع مثل سنغافورة وهونغ كونغ.

ويرى خبراء في إدارة الثروات أن بعض المستثمرين الآسيويين بدأوا بالفعل في اتخاذ خطوات عملية لنقل أجزاء من ثرواتهم، مدفوعين بالرغبة في تأمين أصولهم من أي تدهور أمني مفاجئ. ومع ذلك، لا تزال دبي تحتفظ ببعض الميزات التنافسية، حيث تظل إجراءات فتح الحسابات والتحقق من مصادر الأموال فيها أكثر مرونة وسهولة مقارنة بالقيود التنظيمية الصارمة التي تفرضها السلطات في سنغافورة.

من جانبه، علق ألفين تان، وزير الدولة للتجارة والصناعة في سنغافورة، على هذه التحولات بالإشارة إلى أن المراكز المالية الكبرى يمكن أن تكمل بعضها البعض في المشهد العالمي. وأكد تان أن بلاده تواصل تعزيز جاذبيتها لاستقطاب تدفقات رؤوس الأموال الدولية، دون أن يستبعد أن تكون سنغافورة الوجهة المفضلة للأموال الباحثة عن ملاذ آمن في ظل الاضطرابات الراهنة بالشرق الأوسط.

ويبقى المشهد الاستثماري في المنطقة رهيناً بمدى استمرارية العمليات العسكرية والرسائل السياسية المتباينة الصادرة عن واشنطن وتل أبيب بشأن أفق الصراع مع إيران. ويجد أصحاب الأعمال والمستثمرون الذين يمتلكون عقارات وأصولاً ضخمة في دبي أنفسهم أمام قرارات مصيرية تتأرجح بين التمسك باستثماراتهم الحالية أو البحث عن وجهات بديلة تضمن لهم الاستقرار بعيداً عن طبول الحرب.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 7:18 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب إيران تضع الهيمنة الأمريكية على المحك: أزمة 'سويس' جديدة تعيد تشكيل النظام العالمي

دخلت المواجهة العسكرية بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران مرحلة حرجة مع حلول أسبوعها الثالث، حيث يرى مراقبون أن هذا الصراع بات يشكل العبء الأكبر على هيكل الأمن القومي الأمريكي منذ نهاية الحرب الباردة. وأفادت مصادر بأن الإدارة الأمريكية اضطرت لسحب أنظمة دفاع جوي وقوات من مناطق استراتيجية في شرق آسيا وأوروبا لتعويض النقص في جبهة الشرق الأوسط، مما أثار تساؤلات حول الكفاءة والقدرة على إدارة أزمات متعددة في آن واحد.

وعلى الصعيد الميداني، تفاخرت واشنطن باستهداف نحو 6000 موقع داخل الأراضي الإيرانية، في هجمات بدأت بضربة خاطفة أدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. ورغم هذه الضربات المكثفة، لم تظهر الحكومة الإيرانية علامات على الانهيار الوشيك، حيث تم تعيين مجتبى خامنئي خلفاً لوالده، بينما ظهر الرئيس مسعود بيزشكيان ومسؤولون أمنيون في شوارع طهران تأكيداً على استمرارية النظام.

وتسببت الحرب في اضطرابات حادة في سوق الطاقة العالمي، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من إمدادات العالم. وأشارت مصادر إلى أن إيران، رغم تعرضها لغارات متواصلة، تمكنت من استهداف ست سفن على الأقل في المضيق، بالإضافة إلى توجيه ضربة صاروخية هزت تل أبيب، مما يعكس قدرتها على إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية لخصومها وحلفائهم.

ووصف فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية، هذه اللحظة بأنها 'أزمة سويس' جديدة للولايات المتحدة، مشبهاً الوضع بما حدث لبريطانيا وفرنسا عام 1956. واعتبر جرجس أن الفشل في حماية الممرات المائية وتأمين الحلفاء يمثل تراجعاً في هيبة القوة العظمى، مؤكداً أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب أكثر فوضوية مع تآكل المصداقية الأمريكية.

وفي منطقة الخليج، بدأ الحلفاء التقليديون لواشنطن في إعادة تقييم رهاناتهم الأمنية نتيجة ما وصفوه بعدم اليقين في الالتزامات الأمريكية. ووقعت السعودية اتفاقية دفاع متبادل مع باكستان، بينما اتجهت الإمارات لتعزيز علاقاتها العسكرية مع الصين، في خطوة تعكس الرغبة في تنويع مصادر الأمن بعيداً عن الاعتماد الكلي على القواعد الأمريكية التي لم تعد توفر الحماية الكافية ضد الطائرات المسيرة الرخيصة.

وامتدت تداعيات الصراع إلى شرق آسيا، حيث أعربت كوريا الجنوبية عن قلقها العميق بعد سحب أنظمة 'باتريوت' و'ثاد' من أراضيها ونقلها إلى الشرق الأوسط. ويرى خبراء أن تقليل الوجود العسكري الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يخدم المصالح الصينية ويضعف الردع ضد كوريا الشمالية، مما يضع الالتزامات الدفاعية الأمريكية تجاه حلفائها الآسيويين محل شك.

أما في أوروبا، فقد اضطر حلف الناتو لنقل معدات مراقبة وأنظمة دفاع جوي من ألمانيا واليونان لدعم القواعد الأمريكية في تركيا ورومانيا. وتزامن هذا التحرك مع ضغوط اقتصادية هائلة على الدول الأوروبية التي تعاني من انقطاع إمدادات الوقود من الخليج، مما دفع إدارة ترامب لتخفيف العقوبات عن النفط الروسي في محاولة لكبح جماح الأسعار المشتعلة عالمياً.

وأفادت تقارير بأن دولاً كبرى مثل فرنسا وإيطاليا والهند بدأت قنوات اتصال مباشرة مع طهران لتأمين مرور ناقلاتها عبر مضيق هرمز، في تجاوز واضح للدور القيادي الأمريكي. ويعكس هذا التحرك الدبلوماسي المستقل فقدان الثقة في قدرة واشنطن على فرض النظام في الممرات البحرية الدولية، وهو ما كان يعد ركيزة أساسية لهيمنتها العالمية لعقود طويلة.

وفي سياق التحركات العسكرية، أرسل البنتاغون السفينة البرمائية 'يو إس إس تريبولي' مع آلاف الجنود من مشاة البحرية من اليابان إلى المنطقة، في محاولة لتعزيز الوجود الميداني. ومع ذلك، يرى محللون أن هذه التحركات تزيد من استنزاف الموارد الأمريكية وتجعل القوات المنتشرة أهدافاً سهلة للهجمات الصاروخية الإيرانية التي أثبتت فاعلية رغم العقوبات المفروضة على طهران منذ أربعين عاماً.

وأشار التقرير إلى أن روسيا تلعب دوراً مسانداً لإيران في مواجهة الهجمات الأمريكية، وهو ما اعترف به الرئيس ترامب نفسه. هذا التعاون الروسي الإيراني يزيد من تعقيد المشهد العسكري، حيث تستفيد طهران من الدعم التقني والاستخباراتي لمواجهة التكنولوجيا العسكرية المتفوقة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، مما يطيل أمد الصراع ويزيد من تكلفته البشرية والمادية.

وعلى المستوى السياسي الداخلي في إيران، فشلت الرهانات الأمريكية على حدوث انتفاضة شعبية تطيح بالنظام عقب مقتل خامنئي. وبدلاً من ذلك، يبدو أن المؤسسة العسكرية والأمنية قد أحكمت قبضتها، مع استمرار القدرة على تهديد العواصم الإقليمية بطائرات 'شهد' المسيرة التي تستنزف الصواريخ الاعتراضية الأمريكية باهظة الثمن في استراتيجية استنزاف واضحة.

واعتبر البروفيسور بيتر فرانكوبان أن المشكلة الحقيقية التي ستواجه الولايات المتحدة مستقبلاً هي 'فقدان المصداقية'، حيث فتحت واشنطن 'صندوق باندورا' دون خطة واضحة لما بعد الحرب. وأوضح أن استعادة الثقة الدولية في القوة الأمريكية ستستغرق سنوات، خاصة بعد أن أثبتت الحرب أن القوى الإقليمية قادرة على تحدي الإرادة الأمريكية وإحداث شلل في التجارة العالمية.

وتواجه دول الخليج ضغوطاً متزايدة للانخراط بشكل مباشر في الحرب، وهو ما ترفضه معظم هذه الدول خشية تعرض منشآتها النفطية لضربات انتقامية. وقد أدى هذا الضغط إلى تسريع وتيرة 'التنويع الاستراتيجي'، حيث تبحث هذه الدول عن أنظمة أسلحة واستثمارات أمنية من الصين ودول أخرى، مما يهدد الاحتكار الأمريكي لسوق السلاح في المنطقة.

ختاماً، يرى الخبراء أن نتائج هذه الحرب ستؤدي حتماً إلى إعادة صياغة موازين القوى، حيث لم تعد الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على فرض الاستقرار. ومع استمرار القصف المتبادل والتوتر في الممرات المائية، يبدو أن النظام العالمي القديم يتلاشى لصالح واقع جديد تتعدد فيه مراكز القرار وتتراجع فيه الهيمنة القطبية الواحدة.