رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 16/6/2026
تتصاعد داخل الكونغرس الأميركي معركة سياسية جديدة حول مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للعام المالي 2027، بعد أن دعا السيناتور التقدمي بيرني ساندرز إلى حذف بند مثير للجدل يهدف إلى توسيع نطاق التكامل العسكري والتكنولوجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبراً أن هذا التوجه يمنح تل أبيب امتيازات تتجاوز ما تحظى به دول حلف شمال الأطلسي.
وقال ساندرز إن نسبة ضئيلة من الأميركيين تؤيد استمرار تسليح إسرائيل دون قيود، متسائلاً عن أسباب إصرار الكونغرس على تضمين بند يمنحها مستوى غير مسبوق من الاندماج العسكري مع الولايات المتحدة. وأكد أن "القسم 219" من مشروع الموازنة الدفاعية يجب أن يُزال بالكامل من التشريع النهائي.
ويحمل هذا البند أهمية خاصة لأنه يجسد رؤية طالما دافع عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي اعتبره في مناسبات سابقة جزءاً من خطته الاستراتيجية لإعادة صياغة العلاقات العسكرية بين البلدين. ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه نتنياهو انتقادات دولية متزايدة واتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
وكانت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب قد رفضت في وقت سابق تعديلاً تقدم به النائب الديمقراطي رو خانا لإلغاء البند، قبل أن تمضي في إقرار مشروع القانون الأوسع. كما وافقت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ على إحالة مشروع القانون إلى المراحل التشريعية التالية.
وفي تطور لافت، أعلن النائب الجمهوري توماس ماسي، المعروف بمواقفه المناهضة للتدخلات الخارجية، أنه تقدم بالتعاون مع خانا بتعديل جديد لحذف البند. ويحتاج المقترح إلى دعم عدد كاف من أعضاء لجنة القواعد في مجلس النواب حتى يُطرح للتصويت.
ولا يقتصر الجدل على القسم 219 وحده، إذ يتضمن مشروع القانون أيضاً القسم 622 الذي ينص على توسيع وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين واشنطن وتل أبيب. وتشمل مجالات التعاون المقترحة الأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب، ورصد التهديدات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى تبادل المعلومات المتعلقة بالجهات الحكومية وغير الحكومية في المنطقة.
ويمنح هذا البند، الذي طرحه السيناتور الجمهوري توم كوتون، إسرائيل وصولاً أوسع إلى المعلومات الاستخباراتية الأميركية، مع تقليص القيود المفروضة على تبادل تلك المعلومات.
ويرى معارضو المشروع أن هذه البنود تعكس اتجاهاً متنامياً داخل واشنطن لإعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل بصورة تتجاوز المساعدات العسكرية التقليدية نحو شراكة مؤسسية عميقة ودائمة يصعب إخضاعها للرقابة السياسية والشعبية.
وفي هذا السياق، كتب المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية بول بيلار أن الدعم الأميركي لإسرائيل تجاوز خلال العقود الماضية 300 مليار دولار، معظمها في شكل مساعدات عسكرية واقتصادية. وأشار إلى أن نتنياهو سعى خلال السنوات الأخيرة إلى التكيف مع تراجع التأييد الشعبي الأميركي لإسرائيل عبر الدفع نحو بدائل أقل ظهوراً للرأي العام من المساعدات المباشرة، لكنها أكثر رسوخاً واستدامة.
وبحسب بيلار، فإن استراتيجية إسرائيل وحلفائها داخل الولايات المتحدة تقوم على استبدال المساعدات المالية الواضحة بأشكال أعمق من الاندماج العسكري والتكنولوجي والمؤسساتي، بحيث تصبح العلاقة أقل عرضة للنقاش العام وأكثر صعوبة في التراجع عنها مستقبلاً.
وينص القسم 219 على إنشاء مبادرة رسمية للتعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإلزام وزير الدفاع الأميركي بتعيين مسؤول رفيع داخل البنتاغون يتولى تنسيق وتوسيع برامج التعاون الدفاعي والتكنولوجي بين الجانبين.
وتكتسب هذه المقترحات حساسية إضافية في ضوء تحذيرات سابقة صدرت عن وزارة الدفاع الأميركية بشأن تنامي مخاطر التجسس المرتبطة بإسرائيل، التي تمتلك سجلاً طويلاً من النشاط الاستخباراتي داخل الولايات المتحدة. كما برزت خلال الأشهر الأخيرة اتهامات لإسرائيل بمحاولة التأثير على الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب مع إيران، ما زاد من حدة النقاش داخل الأوساط السياسية والأمنية الأميركية.
وتكشف المعركة الدائرة حول القسم 219 عن تحول نوعي في طبيعة العلاقة الأميركية الإسرائيلية. فالخلاف لم يعد يتركز على حجم المساعدات أو قيمتها المالية، بل على مسألة أكثر استراتيجية تتعلق بمدى اندماج المؤسستين العسكريتين. ويخشى منتقدو المشروع أن يؤدي هذا المسار إلى تقليص قدرة الإدارات الأميركية المستقبلية على إعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل وفقاً للمصالح القومية الأميركية المتغيرة، لأن الارتباط المؤسسي العميق يصبح أكثر صعوبة في التفكيك من برامج المساعدات التقليدية التي يمكن للكونغرس تعديلها أو إلغاؤها بقرار سياسي مباشر.
كما تعكس مواقف ساندرز وماسي وخانا تقاطعاً نادراً بين تيارات سياسية متباعدة أيديولوجياً. فالتقدميون يعارضون المشروع بسبب الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية، بينما يرفضه المحافظون الانعزاليون انطلاقاً من اعتبارات السيادة الوطنية وتجنب التورط في صراعات خارجية. هذا التحالف غير المألوف يشير إلى تنامي تيار داخل السياسة الأميركية بات يشكك في الافتراض التقليدي القائل إن دعم إسرائيل يجب أن يبقى خارج دائرة النقاش. كما يكشف عن اتساع الفجوة بين المزاج الشعبي وبعض النخب السياسية المؤيدة لإسرائيل بصورة مطلقة.
وإذا ما أُقرت هذه البنود بصيغتها الحالية، فإنها قد تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية تتجاوز مفهوم الحليف التقليدي إلى شراكة أمنية شبه اندماجية. غير أن هذا التحول يحمل مخاطر سياسية واستراتيجية، إذ قد يربط الولايات المتحدة بصورة أكبر بالخيارات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، ويزيد احتمالات انجرافها إلى أزمات لا تكون طرفاً مباشراً فيها. كما قد يثير تساؤلات متزايدة حول حدود استقلال القرار الأميركي، خصوصاً في ظل استمرار الجدل الداخلي بشأن كلفة الانخراط في نزاعات الشرق الأوسط وأولويات الأمن القومي الأميركي.





شارك برأيك
ساندرز يقود حملة لإسقاط بند دمج عسكري مع إسرائيل من موازنة البنتاغون