فلسطين

الإثنين 15 يونيو 2026 3:53 مساءً - بتوقيت القدس

تقرير دولي: إسرائيل تحول اقتصاد الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة لخنق الفلسطينيين

أصدرت مجموعة الأزمات الدولية تقريراً مفصلاً بعنوان «القبضة الخانقة»، رصدت فيه التحولات الجذرية التي عصفت بالاقتصاد الفلسطيني منذ أواخر عام 2023. وأكد التقرير أن الأدوات المالية والمصرفية تحولت إلى وسائل ضغط مباشرة تمارسها سلطات الاحتلال للتأثير على حياة الفلسطينيين اليومية في الضفة الغربية.

واعتبرت الدراسة أن الأزمة الراهنة ليست مجرد نتاج عرضي للتوترات العسكرية، بل هي استراتيجية متعمدة تهدف إلى تحويل الاقتصاد إلى ساحة مواجهة. ويرى الباحثون أن ما يجري حالياً يمثل انتقالاً خطيراً من حالة التبعية الاقتصادية التقليدية إلى مرحلة الخنق المباشر والممنهج لكافة القطاعات الحيوية.

وتعود جذور هذه الأزمة إلى بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، والذي أبقى مفاتيح السيطرة على الحدود والمعابر والنظام النقدي بيد إسرائيل. وبالرغم من أن الاتفاق كان يفترض أن يكون انتقالياً، إلا أنه كرس اعتماد السلطة الفلسطينية على عائدات المقاصة التي يتحكم الاحتلال في وتيرة تحويلها.

وشدد التقرير على أن أحداث أكتوبر 2023 شكلت نقطة تحول مفصلية، حيث تصاعد نفوذ التيارات اليمينية في الحكومة الإسرائيلية التي تسعى لضم الضفة. وقد انعكس هذا التوجه في تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي ربط علانية بين تضييق الخناق المالي ومنع إقامة أي كيان فلسطيني مستقل.

وتعد العلاقة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية واحدة من أخطر نقاط الضعف التي يستغلها الاحتلال لزعزعة الاستقرار. فالتلويح المستمر بقطع العلاقات مع البنوك المراسلة يضع النظام المالي الفلسطيني في حالة دائمة من عدم اليقين، مما يعطل حركة الاستثمار والتخطيط الاقتصادي بعيد المدى.

وفيما يتعلق بأموال المقاصة، أشار التقرير إلى أن الاقتطاعات الإسرائيلية المتكررة أدت إلى عجز السلطة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والموردين. هذا الخلل المالي لم يتوقف عند حدود المؤسسات الرسمية، بل امتد ليشمل كافة مفاصل السوق المحلية التي تعاني من تراجع حاد في القوة الشرائية.

كما برزت مشكلة فنية معقدة تتمثل في تراكم كميات ضخمة من عملة 'الشيكل' داخل المصارف الفلسطينية نتيجة القيود المفروضة على شحن النقد إلى إسرائيل. هذا التراكم يرفع تكاليف التأمين والنقل، ويجبر بعض التجار على اللجوء إلى قنوات مالية غير رسمية، مما يضعف الرقابة المالية العامة.

وعلى صعيد الحركة والتنقل، تحولت الضفة الغربية إلى ما يشبه 'الجزر المنعزلة' بسبب تكثيف الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية بين المدن. هذه الإجراءات لم تعق حركة الأفراد فحسب، بل رفعت تكاليف النقل والتوزيع بشكل جنوني، مما جعل النشاط التجاري الداخلي عملية محفوفة بالمخاطر وغير مجدية اقتصادياً.

وفقدت آلاف الأسر الفلسطينية مصدر دخلها الأساسي بعد منع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر منذ بدء الحرب. هذه الخسارة المزدوجة أدت إلى جفاف منابع السيولة في الأسواق المحلية، وساهمت في رفع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ الضفة الغربية.

وتطرق التقرير إلى وضع المنطقة المصنفة (ج)، التي تمثل العمق الاستراتيجي للتنمية الفلسطينية بما تحتويه من موارد طبيعية وأراضٍ زراعية. وأوضح أن منع الفلسطينيين من الاستثمار في هذه المناطق يحرم الاقتصاد من فرص نمو هائلة، ويحصر النشاط الاقتصادي في كانتونات ضيقة ومزدحمة.

وترسم المعطيات الواردة في التقرير صورة قاتمة لمستقبل المعيشة، حيث يعاني الاقتصاد من انكماش حاد وتراجع مستمر في مستويات الدخل الفردي. وحذرت مجموعة الأزمات من أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى انهيار المؤسسات الخدماتية والبلديات التي تكافح حالياً للبقاء على قيد الحياة.

واقترح التقرير جملة من الحلول العاجلة، تبدأ بضمان التدفق المنتظم لأموال المقاصة ورفع القيود عن حركة العمال والبضائع بشكل فوري. ومع ذلك، أكد الخبراء أن هذه المسكنات لن تنهي الأزمة ما لم يتم البحث عن آليات دولية لتقليل الاعتماد الهيكلي على النظام المالي الإسرائيلي.

ودعت المجموعة الدولية إلى ضرورة إجراء إصلاحات داخلية فلسطينية لتعزيز الشفافية، بالتوازي مع ضغط دولي لوقف استخدام الاقتصاد كأداة للعقاب الجماعي. فاستمرار الوضع الراهن ينذر بانفجار اجتماعي وسياسي وشيك قد لا تقتصر آثاره على الأراضي الفلسطينية وحدها بل ستمتد للمنطقة برمتها.

وخلص التقرير إلى أن فهم مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يمر بالضرورة عبر فهم السياسات الاقتصادية التي تنتهجها إسرائيل في الضفة. فالاقتصاد ليس مجرد أرقام وإحصائيات، بل هو الركيزة الأساسية لصمود المجتمع الفلسطيني وقدرته على البقاء فوق أرضه في مواجهة سياسات التهجير الصامت.

دلالات

شارك برأيك

تقرير دولي: إسرائيل تحول اقتصاد الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة لخنق الفلسطينيين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.