أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 3:53 مساءً - بتوقيت القدس

الاقتصاد المصري في المزاد: قراءة في تحولات الملكية الوطنية وسياسات الاستدانة

تشهد الدولة المصرية تحولاً بنيوياً في إدارتها الاقتصادية منذ عام 2013، حيث انتقلت السياسة العامة من محاولات الإصلاح التقليدية إلى منهجية تعتمد على عرض الأصول الوطنية في مزاد مفتوح. هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول الفارق بين البيع تحت وطأة الضرورة الطارئة، وبين التصفية المنظمة لرأس المال الوطني الذي تراكم عبر عقود طويلة من الزمن.

تُظهر الأرقام الرسمية حجم الانهيار في التعريف الكلاسيكي للسياسة المالية، إذ قفز الدين الخارجي من 43 مليار دولار في عام 2013 إلى رقم قياسي تجاوز 168 مليار دولار بحلول عام 2024. هذا الارتفاع ليس مجرد نمو في المديونية، بل هو انعكاس لآلية استدانة تهدف لتمويل البقاء السياسي وسداد فوائد القروض القديمة عبر قروض جديدة.

تستهلك خدمة الدين حالياً ما يزيد على 40% من إجمالي إيرادات الدولة، مما يعني أن قرابة نصف الموارد المجمعة تذهب للدائنين بدلاً من توجيهها لقطاعات حيوية كالتعليم والصحة. هذه الحلقة المفرغة جعلت الاقتصاد المصري رهينة لتقلبات الأسواق الدولية وإملاءات المؤسسات المانحة، مما أضعف القدرة على المناورة الاقتصادية.

تبرز العاصمة الإدارية الجديدة كرمز لهذا النهج الاستعراضي، حيث أُنفقت مليارات الدولارات على مدينة في الصحراء في وقت تعاني فيه القاهرة الكبرى من أزمات حادة في البنية التحتية. المشروع الذي كلف نحو 60 مليار دولار اعتمد بشكل كبير على تمويلات خارجية مشروطة، مما قلل من العوائد الحقيقية على سوق العمل المحلي.

انتقلت الحكومة من بيع الأصول غير المنتجة إلى التفريط في أصول استراتيجية تشمل موانئ وشواطئ وأراضي زراعية ومحطات وقود. هذه الصفقات، التي تمت غالباً مع صناديق سيادية خليجية، جرت في غياب تام للرقابة البرلمانية الفعلية أو الشفافية المطلوبة في تقييم الأصول السيادية.

تعد صفقة 'رأس الحكمة' مع الإمارات المثال الأبرز على تحويل الجغرافيا إلى سيولة نقدية سريعة، حيث بلغت قيمتها 35 مليار دولار. المثير للجدل أن جزءاً كبيراً من هذا المبلغ لم يكن تدفقاً نقدياً جديداً، بل تم عبر تحويل ودائع إماراتية سابقة لدى البنك المركزي إلى حصص ملكية في المشروع.

تشير بيانات هيئة المجتمعات العمرانية إلى تركز مخيف في ملكية الأراضي، حيث تسيطر شركة 'إعمار مصر' الإماراتية وحدها على مساحات شاسعة في الساحل الشمالي والقاهرة الجديدة. هذا التمدد العمراني الأجنبي يطرح تساؤلات حول من يملك القرار الفعلي في رسم الخارطة العمرانية لمستقبل البلاد.

في قطاع الطاقة، تكرر المشهد ذاته في محطات طاقة الرياح بجبل الزيت، حيث انتقلت حقوق استغلال موارد طبيعية مصرية إلى جهات خارجية. والنتيجة هي مفارقة اقتصادية تتمثل في قيام الدولة ببناء المحطات بتمويلات قروض، ثم شراء الإنتاج الكهربائي من المشغل الأجنبي بأسعار تجارية.

على الصعيد الاجتماعي، أدت قرارات التعويم المتتالية إلى سحق الطبقة الوسطى ودفع ملايين المصريين نحو حزام الفقر. فقد الجنيه المصري أكثر من 80% من قيمته أمام الدولار خلال عقد واحد، مما أدى إلى محو المدخرات الوطنية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة.

مشروع قناة السويس الجديدة، الذي رُوّج له كقاطرة للتنمية، لم يحقق الوعود المالية التي أُطلقت عند تدشينه في عام 2015. ورغم زيادة الإيرادات الورقية، إلا أن الفجوة بين الوعود والواقع، مضافاً إليها أزمات الملاحة الدولية، كشفت هشاشة الرهان على الممرات المائية كبديل للاقتصاد الإنتاجي.

توسعت المحسوبية في العهد الحالي لتتخذ طابعاً مؤسسياً عبر إحلال الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية محل القطاع الخاص المدني. هذا التغيير أدى إلى اختلال قواعد التنافسية، حيث تتمتع الكيانات العسكرية بإعفاءات ضريبية ورقابية تجعل من الصعب على المستثمر المستقل الاستمرار في السوق.

تظهر التصريحات الرسمية فجوة عميقة بين خطاب السلطة ومعاناة الشارع، حيث يُطالب المواطنون بالصبر والتضحية بينما تستمر النفقات على القصور الرئاسية والمشاريع غير الإنتاجية. وصف الشكاوى الشعبية بـ 'الهري' يعكس ضيق صدر النظام بأي صوت ينتقد السياسات التي أدت إلى هذا التأزم المعيشي.

إن التبعية الاقتصادية للدول المانحة بدأت تنعكس بوضوح على المواقف السياسية والإقليمية للدولة المصرية. فالمقايضة بين السيولة المالية والمواقف الاستراتيجية أصبحت سمة بارزة، مما أضعف الدور القيادي المصري في قضايا مصيرية مثل القضية الفلسطينية لصالح الحلفاء الممولين.

في الختام، لا تبدو الأزمة في مصر مجرد فشل إداري يمكن تصحيحه، بل هي نتاج مسار متعمد لتحويل الدولة إلى سلعة. إن تآكل الشعور بالملكية الوطنية لدى المواطن هو الإفلاس الحقيقي الذي يهدد استقرار المجتمع، حيث يشعر الفرد أن أرضه وموارده تُباع دون أن يكون له صوت في تقرير مصيره.

دلالات

شارك برأيك

الاقتصاد المصري في المزاد: قراءة في تحولات الملكية الوطنية وسياسات الاستدانة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.