أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس

الأزمة المالية الفلسطينية: يد واحدة لا تصفق


من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى الحكومة وتحميل وزارة المالية مسؤولية كل تأخير في الرواتب أو تراجع في الخدمات العامة، لكن الأصعب هو قراءة المشهد المالي الفلسطيني بكامل تعقيداته وفهم حجم الضغوط الاستثنائية التي تواجهها المالية العامة في هذه المرحلة. فقبل إصدار الأحكام على أي أداء مالي، لا بد من التوقف عند طبيعة الموارد المتاحة وحجم التحديات التي تعصف بها.
تعتمد الموازنة الفلسطينية بشكل رئيس على ثلاثة مصادر أساسية للتمويل، هي: أموال المقاصة التي يجبيها الاحتلال الإسرائيلي نيابة عن الحكومة الفلسطينية، والإيرادات المحلية المتأتية من الضرائب والرسوم والخدمات، إضافة إلى المنح والمساعدات الخارجية.
وفي الظروف الطبيعية، تشكل أموال المقاصة ما بين 65% و70% من إجمالي الإيرادات العامة، بمتوسط شهري يتراوح بين 800 و900 مليون شيكل، ما يجعلها العمود الفقري للمالية العامة الفلسطينية، والعامل الأكثر تأثيراً في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
إلا أن الواقع المالي الراهن يبتعد كلياً عن أي ظروف اقتصادية طبيعية. فالاحتلال يواصل احتجاز واقتطاع أجزاء كبيرة من أموال المقاصة في إطار سياسة تستهدف تقويض قدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار، في وقت يشهد فيه الدعم الخارجي تراجعاً غير مسبوق مقارنة بالسنوات الماضية، بالتزامن مع انخفاض الإيرادات المحلية نتيجة الانكماش الاقتصادي وتداعيات الحرب على قطاع غزة.
وأمام هذا المشهد، وجدت الحكومة الفلسطينية نفسها أمام واحدة من أعقد الأزمات المالية منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، بعدما تعرضت مصادر الإيرادات الثلاثة لضغوط متزامنة وغير مسبوقة في آن واحد.
وفي ظل هذه الظروف، لا تدير وزارة المالية أزمة سيولة عابرة أو عجزاً مالياً تقليدياً، بل تواجه تحدياً بنيوياً يمس قدرة المالية العامة على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها الأساسية. فهي مطالبة بتأمين نسبة من رواتب الموظفين العموميين، وتوفير النفقات التشغيلية للمؤسسات الحكومية، والحفاظ على الخدمات الأساسية التي يستفيد منها أكثر من 5.5 مليون فلسطيني، والاستمرار في الوفاء بالالتزامات المالية رغم محدودية الموارد وتعاظم الضغوط.
ولذلك اضطرت الحكومة خلال فترات طويلة إلى صرف الرواتب بنسب تراوحت بين 50% و70% من الراتب المستحق، ليس تجاهلاً لحجم المعاناة التي يعيشها الموظفون وأسرهم، وإنما في محاولة لإدارة الموارد المحدودة بأعلى قدر ممكن من الكفاءة، وتوزيعها على أكبر عدد من الالتزامات الأساسية، بما يحول دون الانهيار الكامل للخدمات العامة أو توقف صرف المستحقات بصورة تامة.
ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يعفي الحكومات المتعاقبة من المسؤولية. فمن حق المواطنين أن يتساءلوا: لماذا لم يتم الاستعداد لمثل هذه المرحلة؟ ولماذا لم تُبنَ سياسات اقتصادية أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات؟ ولماذا بقي الاقتصاد الفلسطيني رهينة لعوامل خارجية بهذا الحجم؟
هذه أسئلة مشروعة، وبعض المسؤولية يقع بالفعل على الحكومات المتعاقبة التي لم تنجح في بناء اقتصاد أكثر استقلالية أو في تطوير بدائل كافية للتعامل مع الأزمات طويلة الأمد. غير أن الإقرار بهذه المسؤولية لا ينبغي أن يحجب العامل الأكثر تأثيراً في الأزمة، والمتمثل في السياسات الإسرائيلية التي تستهدف بشكل مباشر قدرة الاقتصاد الفلسطيني على النمو والاستدامة.
فمن غير المنطقي أن يتحول الاحتلال، الذي احتجز أو اقتطع ما يزيد على 13.8 مليار شيكل من الأموال الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، ويقيد الحركة والتجارة، ويصادر الأراضي، ويقوض فرص الاستثمار والتنمية، إلى عامل ثانوي في النقاش العام، بينما تصبح الحكومة وحدها المتهم الأول والأخير في كل أزمة مالية أو اقتصادية.
النقد ضروري، والمساءلة حق مشروع، لكن العدالة تقتضي وضع المسؤوليات في سياقها الحقيقي، بعيداً عن التبسيط أو اختزال المشهد في طرف واحد.
الإشكالية الحقيقية أن جانباً واسعاً من النقاش العام بات منشغلاً بتوصيف الأزمة أكثر من الانشغال بمسارات التعامل معها والتخفيف من آثارها. فالجميع يتحدث عن حجم المشكلة، بينما يتراجع الحديث عن البدائل الممكنة، أو عن الأفكار والمبادرات التي يمكن أن تسهم في تعزيز القدرة على الصمود ومواجهة التداعيات المتفاقمة للأزمة.
وفي ظل حرب اقتصادية تستهدف الإنسان الفلسطيني ومؤسساته وموارده، تصبح الحاجة إلى التفكير الجماعي في الحلول أكثر إلحاحاً من تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بتوصيف الواقع.
كما أن الجمهور بحاجة إلى معرفة أوسع وأعمق بتفاصيل الأزمة المالية. ففهم التحديات لا يعني تبريرها أو القبول بها، لكنه يساعد على تقييمها بصورة أكثر واقعية وموضوعية. والمواطن الذي يمتلك المعلومات الدقيقة يكون أكثر قدرة على المشاركة في النقاش العام، وأكثر استعداداً لتقديم المقترحات والحلول، وأقل عرضة للشائعات والمعلومات المضللة التي تزدهر عادة في أوقات الأزمات.
ولم تعد المواجهة تقتصر على أبعادها العسكرية والسياسية، بل اتخذت بعداً اقتصادياً مباشراً يستهدف مقومات الصمود المجتمعي وقدرة الفلسطينيين على الاستمرار والإنتاج والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. إنها حرب تستهدف الموظف والعامل والتاجر والمزارع، كما تستهدف المؤسسات والخدمات والموارد وفرص التنمية، وتسعى إلى إضعاف الثقة والأمل والاستقرار بقدر ما تستهدف الاقتصاد نفسه.
ورغم كل الانتقادات المشروعة، يواصل آلاف الموظفين في المؤسسات الحكومية، وفي مقدمتهم العاملون في وزارة المالية، أداء مهامهم اليومية لإدارة أزمة مالية شديدة التعقيد والتشابك، وهي أزمة كان من شأنها أن ترهق دولاً تمتلك موارد وإمكانات أكبر بكثير. وقد نختلف مع بعض السياسات أو القرارات، لكن من الإنصاف الاعتراف بأن إدارة هذا الواقع الاستثنائي ليست مهمة سهلة.
المطلوب اليوم ليس التوقف عن النقد، بل الارتقاء به. فالنقد الذي يكتفي بتشخيص المشكلات دون تقديم بدائل يبقى ناقصاً، أما النقد المسؤول فهو الذي يجمع بين المساءلة والاقتراح، وبين كشف الخلل والمساهمة في معالجته، بما يعزز القدرة الوطنية على الصمود والمواجهة.
إن إدارة الأزمة المالية الفلسطينية ليست مسؤولية وزارة المالية وحدها، بل هي تحدٍ وطني يتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والخبراء والأكاديميين والإعلام والمواطنين. فالمساءلة تظل حقاً أصيلاً للمواطن، كما أن الشفافية تبقى واجباً على المؤسسات، لكن مواجهة التحديات الاستثنائية تتطلب أيضاً وعياً جماعياً بحجم المخاطر وطبيعة التحديات.
فالأزمات الكبرى لا تُواجَه بالاتهامات المتبادلة، بل بتكامل الجهود وتوحيد الطاقات الوطنية. وفي ظل حرب تستهدف الأرض والإنسان والاقتصاد معاً، يصبح تعزيز الصمود الاقتصادي مسؤولية وطنية مشتركة، لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى يخوضها الشعب الفلسطيني دفاعاً عن مستقبله وحقه في الحياة الكريمة.

دلالات

شارك برأيك

الأزمة المالية الفلسطينية: يد واحدة لا تصفق

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.