تحليل

الثّلاثاء 16 يونيو 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد يومين على إعلان ترمب الاتفاق مع إيران: صمود حذر رغم الشكوك واختبار صعب في قمة السبع

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 16/6/2026


تحليل إخباري


بعد مرور ثمان وأربعون ساعة على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق إطار مع إيران لإنهاء المواجهة التي استمرت أربعة أشهر، تبدو المؤشرات الأولية مشجعة بالنسبة للداعمين للاتفاق. فحتى الآن، لم تصدر عن واشنطن أو طهران مواقف متعارضة أو خطوات ميدانية من شأنها تقويض التفاهمات المعلنة، كما لم تظهر خلافات علنية حول البنود الأساسية التي جرى التوافق عليها. وفي عالم الدبلوماسية، حيث كثيراً ما تنهار التفاهمات في ساعاتها الأولى تحت وطأة الحسابات السياسية أو الضغوط الداخلية، فإن مرور اليوم الأول من دون انتكاسات يعد مؤشراً مهماً، وإن كان غير كاف للحكم على مصير الاتفاق.


ويكتسب هذا الصمود الأولي أهمية مضاعفة مع انعقاد قمة مجموعة السبع، حيث تحول الاتفاق الأميركي الإيراني إلى أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة القادة الغربيين. فالتفاهم الذي أعلن عنه ترمب لا يمثل مجرد وقف لإطلاق النار أو تسوية ثنائية محدودة، بل يشكل اختباراً لمستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط ولقدرة الإدارة الأميركية على تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية دائمة. كما أنه يضع الحلفاء الأوروبيين أمام واقع جديد يختلف كثيراً عن السيناريوهات التي كانت مطروحة قبل أسابيع، حين كانت المنطقة تبدو أقرب إلى مواجهة إقليمية واسعة منها إلى تسوية تفاوضية.


وبموجب مذكرة التفاهم التي أعلن عنها الطرفان، تم وضع خريطة طريق لإنهاء الأعمال العدائية، وإعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً أمام الملاحة الدولية، وبدء مرحلة تفاوض تمتد ستين يوماً لمعالجة القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والترتيبات الأمنية الإقليمية. غير أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في بنوده المعلنة، بل في كونه يمثل أول اعتراف عملي من الطرفين بأن كلفة استمرار الحرب باتت أعلى من كلفة العودة إلى التفاوض.


وفي هذا السياق، تكشف التجربة الأخيرة مجدداً أن القوة العسكرية، مهما بلغت شدتها، لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية المعلنة. فقد بدأت الحرب تحت شعارات تتعلق بوقف البرنامج النووي الإيراني وإجبار طهران على تغيير سلوكها الإقليمي، لكنها انتهت بعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات. وهذه النتيجة تعيد طرح سؤال قديم حول حدود القوة في إدارة الصراعات المعقدة، حيث غالباً ما تنتهي المواجهات العسكرية إلى تسويات سياسية تشبه إلى حد بعيد المقترحات التي كانت مطروحة قبل اندلاع النزاع.


ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالإعلان، فإن الاتفاق يترك الملفات الأكثر تعقيداً مفتوحة. فالبرنامج النووي الإيراني، الذي شكل المبرر الأساسي للحرب وفق الرواية الأميركية، لم يُحسم بعد، بل جرى ترحيله إلى جولات تفاوض لاحقة. كما بقيت قضايا تخصيب اليورانيوم والصواريخ الباليستية والعلاقات الإيرانية مع حلفائها الإقليميين وآليات الرقابة ورفع العقوبات خارج إطار الحل النهائي.


ومن المرجح أن تشهد الأسابيع المقبلة مفاوضات أكثر صعوبة من تلك التي سبقت إعلان الاتفاق. فالقضايا المؤجلة ليست ملفات تقنية يمكن تسويتها بسهولة، بل ترتبط مباشرة بموازين القوى في الشرق الأوسط وبالاعتبارات الأمنية والسياسية للطرفين. وإذا فشلت المفاوضات في إحراز تقدم ملموس، فقد يتحول الاتفاق إلى هدنة مؤقتة تمنع الانفجار الفوري لكنها لا تعالج الأسباب الحقيقية للصراع.


كما يبرز الاتفاق التناقض بين الخطاب السياسي والنتائج الفعلية للحرب. فقد قدمت إدارة ترمب المواجهة باعتبارها وسيلة لفرض شروط جديدة على إيران، لكنها وجدت نفسها في نهاية المطاف تفاوض على معظم الملفات ذاتها التي كانت موضع خلاف قبل اندلاع القتال. وهذا لا يعني بالضرورة فشل الدبلوماسية، بل يشير إلى أن الحلول السياسية ربما كانت متاحة منذ البداية، وأن كلفة اللجوء إلى القوة تجاوزت المكاسب التي تحققت في نهاية المطاف.


وتتوقع أوساط دبلوماسية أن تسعى إيران إلى استثمار الاتفاق سريعاً لتحسين أوضاعها الاقتصادية واستعادة جزء من أموالها المجمدة، وهو ما قد يمنح القيادة الإيرانية متنفساً مهماً بعد أشهر من الضغوط. لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرهوناً بمدى استعداد واشنطن لتنفيذ تعهداتها الاقتصادية، إذ إن أي تباطؤ أو تراجع قد يعيد أجواء الشك وانعدام الثقة التي طبعت العلاقات بين البلدين لعقود طويلة.


أما على المستوى الإقليمي، فإن الاتفاق يعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الأطراف بأن استمرار المواجهة يهدد مصالح الجميع. فقد أظهرت أزمة مضيق هرمز مدى الترابط بين الأمن الإقليمي واستقرار الاقتصاد العالمي، وأن أي اضطراب طويل الأمد في الخليج يمكن أن ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ولذلك يبدو أن الحسابات الاقتصادية لعبت دوراً لا يقل أهمية عن الاعتبارات العسكرية في دفع الأطراف نحو التهدئة.


وفي المقابل، لا يتوقع أن تتوقف المعارضة الإسرائيلية للاتفاق. بل يرجح أن تتصاعد خلال المرحلة المقبلة، سواء داخل إسرائيل أو في أوساط مؤثرة داخل واشنطن. فالكثير من المسؤولين والمعلقين الإسرائيليين يرون أن التسوية الحالية لا تحقق الأهداف التي جرى الحديث عنها منذ بداية الحرب، الأمر الذي يفسر الانتقادات المتزايدة التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من أطراف سياسية متعددة تعتبر أن نتائج المواجهة جاءت دون سقف التوقعات المعلنة.


ومن المرجح أيضاً أن تشهد الساحة السياسية الأميركية نقاشاً متزايداً حول حصيلة الحرب نفسها. فبينما سيحاول ترمب تقديم الاتفاق بوصفه إنجازاً تاريخياً أنهى الصراع ومنع اندلاع حرب إقليمية واسعة، سيجادل منتقدوه بأن واشنطن انتهت إلى قبول تسوية قريبة من تلك التي كان يمكن التوصل إليها قبل أشهر من القتال والخسائر.


ويبقى السؤال الأهم متعلقاً بمستقبل النظام الإقليمي بعد هذه الحرب. فإذا نجح الاتفاق في الصمود خلال الأسابيع المقبلة، فقد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية أوسع في الخليج والشرق الأوسط تشمل أمن الملاحة والطاقة وخفض التصعيد الإقليمي. غير أن هذا السيناريو سيظل رهناً بقدرة واشنطن وطهران على بناء حد أدنى من الثقة المتبادلة، وهي مهمة لا تبدو سهلة في ضوء عقود طويلة من الصراع والشكوك المتبادلة.


وفي المحصلة، فإن مرور يوم كامل على إعلان ترمب الاتفاق من دون مؤشرات واضحة على انهياره يمثل تطوراً مشجعاً، لكنه لا يكفي لإزالة الشكوك التي تحيط بمستقبله. فالحرب توقفت، لكن أسبابها لم تختفِ. والاتفاق صمد في اختباره الأول، إلا أن الاختبارات الأصعب لا تزال تنتظره، سواء على طاولة المفاوضات خلال الأيام الستين المقبلة أو في أروقة قمة السبع، حيث يسعى القادة الغربيون إلى معرفة ما إذا كانت هذه التسوية تمثل بداية سلام مستدام أم مجرد استراحة مؤقتة في صراع طويل لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد.

دلالات

شارك برأيك

بعد يومين على إعلان ترمب الاتفاق مع إيران: صمود حذر رغم الشكوك واختبار صعب في قمة السبع

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.