تحليل

الإثنين 15 يونيو 2026 5:37 مساءً - بتوقيت القدس

تحليل: كيف حققت إيران أهدافها الاستراتيجية وأجبرت واشنطن على التراجع؟

اعتبرت مجلة 'ذي أتلانتك' في تحليل سياسي موسع أن الاتفاق الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران يمثل انتصاراً استراتيجياً صريحاً لطهران وهزيمة دبلوماسية لواشنطن. وأشار التحليل إلى أن ترامب، الذي سارع للاحتفال بالاتفاق تزامناً مع عيد ميلاده الثمانين، فشل في تحقيق أي من الوعود التي قطعها في بداية الصراع، وعلى رأسها تغيير النظام الإيراني.

ورغم محاولات الإدارة الأمريكية تصوير النتيجة على أنها نصر، إلا أن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن طهران خرجت من هذه المواجهة أكثر قوة وتماسكاً. فقد حافظ النظام الإيراني على هيكليته تحت قيادة الحرس الثوري، وظلت ترسانته من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة تشكل تهديداً قائماً، في حين استمر نفوذه الإقليمي عبر الجماعات الحليفة دون تراجع يذكر.

وتشير التقارير إلى أن الإيرانيين باتوا يمسكون بزمام الأمور في المفاوضات الجارية، حيث من المقرر عقد اجتماع حاسم في سويسرا يوم الجمعة المقبل لوضع اللمسات النهائية. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الاتفاق إلى رفع واسع للعقوبات الاقتصادية، مما يمهد الطريق لتدفق مليارات الدولارات من الأصول المجمدة التي كانت واشنطن ترفض الإفراج عنها سابقاً.

وفي كواليس العلاقة المتوترة مع الحلفاء، كشف التحليل عن غضب عارم يبديه ترامب تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متهماً إياه بمحاولة عرقلة الانسحاب الأمريكي من الصراع. ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن ترامب وجه توبيخاً قاسياً لنتنياهو بعد خطط الأخير لمهاجمة بيروت، مذكراً إياه بأن الدعم الأمريكي هو ما يحميه من الملاحقات القانونية والسجن.

ويرى مراقبون أن ربط إيران بذكاء بين جبهة لبنان والتوتر في الخليج أجبر الإدارة الأمريكية على القبول بشروط تتضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار في المنطقة. هذا التحول يضع إسرائيل في حالة من العزلة السياسية، خاصة بعد أن شجع نتنياهو ترامب بتهور على التصعيد العسكري الذي انتهى بتسوية لا تخدم المصالح الإسرائيلية المباشرة.

أما فيما يخص الملف النووي، فقد وصف التحليل ادعاءات واشنطن بحرمان إيران من السلاح النووي بأنها 'زعم سخيف'، بالنظر إلى أن طهران كانت ملتزمة سابقاً باتفاقات دولية قبل انسحاب ترامب منها. والآن، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام واقع جديد تمتلك فيه إيران يورانيوم مخصباً بكميات كبيرة، مع قدرة أقل على الرقابة الدولية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.

وتتضمن بنود الاتفاق المسربة مكاسب مالية ضخمة لطهران، حيث من المتوقع استلام 12 مليار دولار كدفعة أولى، تليها مبالغ مماثلة خلال شهرين من التوقيع. كما يجري الحديث عن تأسيس صندوق دولي لإعادة الإعمار بقيمة تصل إلى 300 مليار دولار، وهو ما يمثل شريان حياة اقتصادياً للنظام الذي عانى لسنوات من الحصار الخانق.

وعلى الصعيد الميداني، يظل مضيق هرمز تحت السيطرة الفعلية لإيران رغم إعلانات ترامب الاستعراضية بفتحه للملاحة الدولية مجاناً. فالحقيقة الجيوسياسية تؤكد أن القوات الإيرانية هي الطرف الوحيد القادر على فرض إرادته في هذا الممر المائي الحيوي، مما يجعل الوعود الأمريكية مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي المحلي قبل الانتخابات.

لقد أدت هذه المواجهة إلى استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية وزيادة الضغوط الاقتصادية على المستهلكين في الولايات المتحدة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود. وفي المقابل، خرجت إيران من الأزمة وهي تمتلك مصادر مالية جديدة واعترافاً ضمنياً بقوتها الإقليمية، مما يعزز من مكانتها كلاعب لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط.

ويشير الكاتب توم نيكولاس إلى أن ترامب كان متعجلاً لإنهاء الصراع بأي ثمن لتجنب تداعياته على أسواق المال والانتخابات القادمة. هذا الاستعجال منح المفاوض الإيراني فرصة لفرض شروط قاسية، تضمنت ضمان بقاء النظام ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وهو ما يعتبر تراجعاً كاملاً عن سياسة 'الضغط الأقصى'.

وفيما يتعلق باليورانيوم المخصب الذي تعرض للقصف، تبرز معضلة تقنية وأمنية كبيرة حول كيفية التعامل مع المواد المشعة الموجودة تحت الأنقاض. فرغم تهديدات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، إلا أن الواقع يؤكد استحالة دخول القوات الأمريكية لاستخراج هذه المواد دون موافقة وتنسيق كامل مع السلطات في طهران.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق انتصارات سياسية مستدامة، خاصة أمام خصم يمتلك أوراق ضغط متعددة. فإيران لم تكتفِ بالصمود العسكري، بل نجحت في إلحاق أضرار اقتصادية وسياسية بدول المنطقة التي انخرطت في استراتيجية ترامب، مما دفع الجميع للبحث عن مخرج ديبلوماسي.

ويرى محللون أن هذه التسوية ستترك أثراً طويل الأمد على التحالفات الأمريكية في المنطقة، حيث بدأت دول الخليج تدرك عقم الاعتماد الكلي على الحماية الأمريكية. فالقواعد العسكرية التي كان من المفترض أن توفر الأمن، تحولت في لحظة الصدام إلى أهداف محتملة، بينما فضلت واشنطن في النهاية مصالحها السياسية الخاصة على حساب حلفائها.

ختاماً، يظهر المشهد الحالي أن الولايات المتحدة قد خسرت رهانها على كسر إرادة طهران، وانتهى بها المطاف إلى قبول اتفاق يمنح النظام الإيراني كل ما كان يطمح إليه. وبينما يحتفل ترامب في حديقة البيت الأبيض، تظل الحقيقة المرة هي أن واشنطن استسلمت للأمر الواقع، تاركةً المنطقة أمام توازنات قوى جديدة تميل كفتها بوضوح نحو الجمهورية الإسلامية.

دلالات

شارك برأيك

تحليل: كيف حققت إيران أهدافها الاستراتيجية وأجبرت واشنطن على التراجع؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.