تحليل

الإثنين 15 يونيو 2026 8:42 صباحًا - بتوقيت القدس

النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة إعادة التشكل: دلالات تعديل قانون الانتخابات العامة

في لحظة سياسية تتسم بتراكم الأزمات وإعادة ترتيب قواعد العمل السياسي الفلسطيني، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرارًا بتعديل قانون الانتخابات العامة، في خطوة تتجاوز كونها تحديثًا تقنيًا، لتتحول إلى محاولة لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني من حيث التمثيل وآليات الحكم والعلاقة بين المؤسسات السياسية القائمة، في سياق التحضير لانتخابات تشريعية ووطنية متوقعة في عام 2026، وإعلان نية إجراء انتخابات رئاسية في عام 2027، وبعد سنوات طويلة من تعطّل المجلس التشريعي وحله بقرار رئاسي عام 2018، وغياب انتخابات منذ عام 2006.

شملت التعديلات رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200 عضو، وهو تغيير لا يعكس مجرد توسع عددي، بل إعادة توزيع أوسع لمفهوم التمثيل السياسي داخل المؤسسة التشريعية، بما يتيح دخول قوى جديدة ويقلل نسبيًا من احتكار الفصائل الكبرى للمقاعد، ويعيد توزيع الفرص على قوى جديدة ومستقلين وشباب ونساء. كما تم خفض نسبة الحسم الانتخابية من 2% إلى 1%، وهو تعديل يبدو بسيطًا من الناحية الحسابية لكنه يحمل أثرًا سياسيًا عميقًا، إذ يفتح الباب أمام القوائم الصغيرة والمستقلين لدخول البرلمان بسهولة أكبر، ويزيد من عدد الفاعلين السياسيين داخله، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التمثيل بشكل أكثر تنوعًا وتجزؤًا في الوقت نفسه. وإلى جانب ذلك، شملت التعديلات رفع عدد المرشحين في كل قائمة إلى 20، وتعزيز تمثيل النساء عبر اشتراط وجود امرأة واحدة على الأقل لكل ثلاثة مرشحين، إضافة إلى خفض سن الترشح إلى 23 عامًا بدلًا من 28 عامًا، بما يفتح المجال أمام جيل سياسي أصغر وأكثر تنوعًا.

هذا التوسع في قواعد المشاركة لا يمكن فصله عن نتائجه البنيوية، إذ إن الجمع بين زيادة عدد المقاعد وخفض نسبة الحسم يؤدي إلى إنتاج برلمان أكثر تعددية، لكنه في الوقت نفسه أقل قابلية لتشكيل أغلبية مستقرة. فكلما اتسعت قاعدة الدخول إلى المجلس، زادت الكتل والقوائم، وتراجعت إمكانية هيمنة فصيل واحد أو حتى تحالف محدود على القرار التشريعي. وبهذا المعنى، ينتقل النظام السياسي من منطق الحسم إلى منطق التفاوض المستمر، حيث تصبح التحالفات ضرورة دائمة وليست خيارًا، ويصبح الاستقرار مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة توازنات معقدة داخل مؤسسة أكثر ازدحامًا وتنوعًا.

في هذا السياق، تصبح العلاقة بين القوى السياسية الفلسطينية، وعلى رأسها حركة فتح وحركة حماس، أكثر تعقيدًا، إذ يصعب على أي طرف تحقيق أغلبية منفردة، ما يعني أن التأثير السياسي لن يرتبط فقط بحجم الكتلة الانتخابية، بل بقدرة كل طرف على بناء تحالفات مرنة مع قوى أخرى، بما في ذلك القوائم الصغيرة والمستقلين الذين قد يتحولون إلى عناصر حاسمة في ترجيح الكتل داخل البرلمان، وبدل أن يكون ميزان القوة قائمًا على التفوق العددي وحده، يصبح قائمًا أيضًا على القدرة على المناورة وبناء الشراكات داخل مشهد متعدد الأطراف.

سياسيًا، تعيد هذه التعديلات توزيع المكاسب بين الفاعلين المختلفين دون أن تمنح طرفًا واحدًا تفوقًا حاسمًا؛ إذ تستفيد حركة فتح من تعزيز موقعها داخل البنية السياسية العامة وقدرتها على إدارة تحالفات داخل برلمان أكثر تعددية، بينما تجد حركة حماس فرصة أوسع لتحويل ثقلها الشعبي إلى تمثيل مؤسسي داخل المجلس التشريعي، مع إمكانية امتداد هذا الحضور إلى المجلس الوطني ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية. في المقابل، يُعد المستقلون والقوائم الصغيرة الأكثر استفادة من الناحية الانتخابية المباشرة نتيجة خفض نسبة الحسم وتوسيع عدد المقاعد، ما يتيح لهم دخول البرلمان وتأدية دور تفاوضي مؤثر رغم محدودية حجمهم. أما تمثيل الخارج، فيستعيد جزءًا من وزنه داخل معادلة التمثيل الوطني من خلال ربط الداخل بالمجلس الوطني، لكنه يظل خاضعًا لمنطق التوافقات السياسية أكثر من كونه عنصر حسم مستقل. وبهذا المعنى، لا تفرز التعديلات رابحًا واحدًا بقدر ما تعيد تشكيل ميزان القوى داخل نظام أكثر تعددية وتوازنات معقدة.

في حال جرت الانتخابات دون توافق سياسي مسبق بين القوى الرئيسية، فإن المشهد قد يتجه إلى عدة مسارات محتملة: استمرار الانقسام داخل إطار برلماني مع كتل كبيرة غير قادرة على الحسم وما يرافقه من شلل جزئي وصعوبة في تمرير القوانين؛ أو تعايش اضطراري يتم فيه التعاون على القضايا اليومية مثل الميزانيات والخدمات مع بقاء الخلافات السياسية الكبرى دون حل؛ أو تشكيل حكومة توافق أو وحدة وطنية جزئية تحت ضغط داخلي أو خارجي لكنها تبقى هشّة بسبب التباين العميق في المشاريع السياسية؛ أو في السيناريو الأكثر تعقيدًا إعادة إنتاج الانقسام داخل المؤسسات، بحيث يتحول المجلس إلى ساحة صراع سياسي دائم تتعدد فيه مراكز القرار وتتداخل فيه الشرعيات ويُعطّل فيه العمل التشريعي أو يتباطأ بشكل مزمن.

وتزداد حساسية هذه التحولات مع البعد الأعمق المتعلق بالربط بين المجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني، إذ يُفترض أن يصبح أعضاء المجلس التشريعي تلقائيًا أعضاء في المجلس الوطني، ما يعني أن نتائج الانتخابات لن تبقى محصورة داخل السلطة التشريعية، بل ستنتقل مباشرة إلى البنية التمثيلية الأوسع للشعب الفلسطيني ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

وهنا يظهر التحول الأهم: دخول قوى مثل حماس أو الجهاد الإسلامي، في حال مشاركتها وفوزها، لن يقتصر على التمثيل البرلماني، بل سيمتد تلقائيًا إلى المجلس الوطني، أي إلى المؤسسة الجامعة للتمثيل الفلسطيني في الداخل والخارج، دون أن يعني ذلك تلقائيًا اعترافًا بإسرائيل أو تغييرًا مباشرًا في المواقف السياسية، لأن العضوية في مؤسسة تمثيلية لا تعني تبني كامل مرجعيتها، بل تعني الدخول في إطار تفاوضي أوسع حول طبيعة القرار الوطني، ما يجعل تأثيره الحقيقي مرتبطًا بإعادة تشكيل ميزان القوى داخل المنظمة أكثر من كونه تحولًا أيديولوجيًا مباشرًا.

وفي هذا السياق، يصبح المجلس الوطني الفلسطيني ليس مجرد امتداد عددي للمجلس التشريعي، بل بنية سياسية أوسع تشمل أيضًا الفلسطينيين في الخارج، أي الشتات، بما يعني أن التمثيل الفلسطيني لا يقتصر على الداخل فقط، بل يمتد إلى دول متعددة تشكل فيها الجاليات الفلسطينية جزءًا أساسيًا من البنية السياسية والرمزية للتمثيل الوطني.

وهنا تظهر معادلة توازن أكثر تعقيدًا، إذ إن نتائج انتخابات الداخل لا تكفي وحدها لحسم الأغلبية داخل المجلس الوطني، لأن الخارج يشكل كتلة سياسية موازية ذات وزن تاريخي وتنظيمي مهم داخل منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، فإن تمثيل الخارج ليس منفصلًا تمامًا عن الداخل، ولا يقوم على انتخابات مباشرة واسعة، بل يتم غالبًا عبر التوافقات والتعيينات والتمثيل التنظيمي داخل الأطر السياسية القائمة، ما يجعل الخارج نفسه جزءًا من توازنات القوى داخل المنظمة وليس كتلة مستقلة تمامًا عنها. وبهذا المعنى، لا يمكن القول إن الداخل يحسم وحده ميزان المجلس الوطني، ولا يمكن أيضًا اعتبار الخارج عنصرًا منفصلًا بالكامل، بل إن الاثنين يشكلان منظومة توازن متداخلة، حيث يتفاعل النفوذ السياسي بينهما داخل بنية واحدة.

هذا التشابك بين الداخل والخارج يعني أن المجلس الوطني الفلسطيني لا يخضع لمنطق انتخابي مباشر بسيط، بل لمنطق توازنات مركبة، حيث لا تُحسم الأغلبية فقط عبر صناديق الاقتراع في الداخل، ولا عبر التعيين في الخارج، بل عبر تفاعل مستمر بين الكتلتين داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية. وبهذا المعنى، يصبح التمثيل الفلسطيني منظومة مزدوجة: داخل يُنتج شرعية انتخابية، وخارج يُنتج شرعية تاريخية وتنظيمية، والاثنان معًا يشكلان ميزان القرار النهائي.

وبين هذه البنية المركبة، يتحول النظام السياسي من نموذج بسيط يقوم على برلمان داخلي وحكومة، إلى نظام أكثر تعقيدًا يمتد بين الداخل والشتات، وبين الانتخابات والتعيين، وبين التمثيل المباشر والتوازنات التنظيمية. وفي المحصلة، لا تعيد هذه التعديلات صياغة قانون الانتخابات فقط، بل تعيد صياغة طبيعة النظام السياسي نفسه: من نظام يقوم على أغلبية نسبية داخل مؤسسة تشريعية، إلى نظام ممتد بين الداخل والخارج، وبين الانتخابات والتوافق، وبين التمثيل المباشر والتوازنات التنظيمية، نظام أكثر تعددية واتساعًا، لكنه في الوقت نفسه أكثر تعقيدًا وهشاشة، وأكثر ارتباطًا بقدرة الفاعلين السياسيين على تحويل التعددية من مصدر صراع دائم إلى آلية حكم قابلة للاستمرار.


دلالات

شارك برأيك

النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة إعادة التشكل: دلالات تعديل قانون الانتخابات العامة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.