رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات -12/6/2026
في تطور قد يعيد رسم المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط، تقترب الولايات المتحدة وإيران من توقيع اتفاق مرحلي يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار بين الطرفين، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتهيئة الأرضية لمفاوضات أوسع بشأن البرنامج النووي الإيراني، في خطوة يصفها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنها نهاية للحرب، بينما لا تزال طهران تتعامل معها بحذر واضح وتؤكد أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، فقد توصل الجانبان إلى صيغة مذكرة تفاهم تم الاتفاق على نصها بصورة شبه نهائية، بانتظار المصادقة الأخيرة من المسؤولين الإيرانيين. وتشير المعلومات إلى أن مراسم التوقيع قد تُعقد في مدينة جنيف السويسرية خلال الأيام القليلة المقبلة، وربما في وقت مبكر من يوم الأحد.
ويأتي هذا التطور بينما تستعد دول مجموعة السبع لاجتماع مهم الأسبوع المقبل، وسط ضغوط دولية متزايدة لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع تهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي.
وفي حين أعلن ترمب مساء الخميس أنه ألغى ضربات عسكرية كانت مقررة ضد إيران بعد التوصل إلى تفاهم مشترك، مؤكداً أن جميع الأطراف المعنية وافقت على الاتفاق "من حيث المبدأ والتفاصيل"، فإن وزارة الخارجية الإيرانية سارعت إلى التأكيد بأن أي اتفاق نهائي لم يحصل بعد على الضوء الأخضر من القيادة الإيرانية.
وتكشف التسريبات المتداولة عن اتفاق يتجاوز مجرد وقف الأعمال العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران. فبحسب وكالة "مهر" الإيرانية، فإن الاتفاق يتضمن أيضاً إنهاء العمليات العسكرية في لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل خلال ثلاثين يوماً من توقيعه، إضافة إلى إطلاق دفعة أولى من الأموال الإيرانية المجمدة تبلغ 12 مليار دولار من أصل 24 مليار دولار ستتاح لطهران تدريجياً.
كما يتضمن الاتفاق، وفق المصادر ذاتها، رفع العقوبات المفروضة على صادرات النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية، ومنح إيران إمكانية الوصول إلى أصولها المجمدة في الخارج، فضلاً عن تعهد أميركي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية وإبعاد القوات الأميركية عن مناطق قريبة من الحدود الإيرانية.
أما الملف النووي، الذي كان محور التوتر الأساسي بين الطرفين على مدى سنوات طويلة، فلا يبدو أنه حُسم بعد. إذ ينص الاتفاق فقط على إطلاق مفاوضات تستمر ستين يوماً للتوصل إلى تسوية نهائية بشأن البرنامج النووي الإيراني، من دون الإشارة إلى تفاصيل تتعلق بمستويات تخصيب اليورانيوم أو آليات الرقابة الدولية المستقبلية.
واللافت أن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وكذلك علاقة طهران بحلفائها الإقليميين، ومن بينهم حزب الله اللبناني، لا يدخلان ضمن إطار المفاوضات المقترحة، ما يعكس حجم التنازلات المتبادلة التي يبدو أن الطرفين مستعدان لقبولها لتجنب العودة إلى المواجهة العسكرية.
وتشير مصادر أميركية إلى أن نائب الرئيس جي دي فانس قد يشارك في مراسم التوقيع المرتقبة في أوروبا، ما يمنح الاتفاق ثقلاً سياسياً إضافياً ويعكس رغبة إدارة ترمب في تسويق الاتفاق باعتباره إنجازاً استراتيجياً كبيراً قبل الدخول في مرحلة سياسية جديدة.
غير أن الاتفاق، رغم ما يحمله من وعود بخفض التصعيد، يواجه تحديات عديدة، أبرزها موقف القوى الإقليمية التي ترى في أي تخفيف للضغوط على إيران تعزيزاً لنفوذها الإقليمي، إضافة إلى وجود تيارات داخل الولايات المتحدة وإيران تعارض تقديم تنازلات للطرف الآخر بعد سنوات طويلة من الصراع والعقوبات والتهديدات العسكرية.
ترمب يبحث عن انتصار سياسي أكثر من بحثه عن تسوية تاريخية
يبدو أن الدافع الأساسي وراء اندفاعة ترمب نحو الاتفاق لا يرتبط فقط بالرغبة في تحقيق الاستقرار الإقليمي، بل أيضاً بالحاجة إلى تسجيل إنجاز سياسي كبير يمكن تقديمه للرأي العام الأميركي باعتباره دليلاً على نجاح سياسة «الضغط ثم التفاوض». فبعد أشهر من التصعيد العسكري والتهديدات المتبادلة، بات من الصعب على الإدارة الأميركية تبرير استمرار المواجهة المفتوحة من دون أفق سياسي واضح. لذلك فإن الاتفاق يمنح ترمب فرصة للظهور بمظهر الرجل الذي تجنب حرباً مكلفة، حتى وإن كانت القضايا الجوهرية التي فجرت الأزمة لا تزال معلقة.
إسرائيل الخاسر الأكبر من أي تقارب أميركي ـ إيراني
إذا ما تم توقيع الاتفاق بصيغته المتداولة، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام واقع استراتيجي جديد لا يتوافق مع الرؤية التي دافع عنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لسنوات. فالاتفاق لا يتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية ولا شبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطة بطهران، كما أنه يفتح الباب أمام تخفيف العقوبات وإعادة تدفق الموارد المالية إلى إيران. ومن شأن ذلك أن يقوض الجهود الإسرائيلية الرامية إلى إبقاء إيران تحت أقصى درجات العزلة والضغط، ويكشف حدود قدرة نتنياهو على التأثير في القرار الأميركي عندما تتعارض المصالح الإسرائيلية مع الحسابات الاستراتيجية لواشنطن.
الشرق الأوسط بين فرصة التهدئة ومخاطر تأجيل الأزمات
ورغم الأجواء الإيجابية المحيطة بالاتفاق، فإن جوهر الصراع لم يُحل بعد، بل جرى تأجيله إلى طاولة المفاوضات. فالخلافات حول البرنامج النووي الإيراني ما تزال قائمة، والقضايا المرتبطة بالنفوذ الإقليمي والصواريخ الباليستية لم تُطرح أصلاً ضمن إطار التفاهم الحالي. وهذا يعني أن الاتفاق قد ينجح في شراء الوقت وخفض التوتر مؤقتاً، لكنه لا يضمن معالجة الأسباب العميقة للأزمة. وبالتالي فإن المنطقة تقف أمام فرصة حقيقية للتهدئة، لكنها تبقى فرصة هشة يمكن أن تنهار سريعاً إذا فشلت المفاوضات اللاحقة في معالجة الملفات الأكثر حساسية وتعقيداً.





شارك برأيك
اتفاق أميركي ـ إيراني وشيك: ترمب يعلن "إنهاء الحرب" وسط شكوك إيرانية وتساؤلات حول أثمان الصفقة