أحدث الأخبار

الأحد 14 يونيو 2026 7:58 صباحًا - بتوقيت القدس

إعمار شرق ليبيا.. استراتيجية عائلة حفتر لترسيخ النفوذ وجلب الشرعية الدولية

تشهد مناطق شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة القيادة العامة طفرة عمرانية غير مسبوقة، حيث تحولت مدن مثل بنغازي ودرنة إلى ورش عمل كبرى لتشييد الجسور والطرق السريعة والمجمعات السكنية. ونجح المشير خليفة حفتر عبر أبنائه في استقطاب عشرات الشركات الأجنبية لإعادة إعمار المناطق المتضررة من إعصار درنة، مما أحدث تغييراً جذرياً في البنية التحتية للمنطقة.

تولى بلقاسم حفتر، نجل المشير، رئاسة 'صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا'، وهو الكيان الذي بات يسيطر على كافة المشاريع الاستثمارية في الشرق. وقد منح مجلس النواب هذا الصندوق صلاحيات واسعة بموجب قوانين استثنائية تعفيه من الرقابة المالية المعتادة وتسمح له بالاقتراض المباشر من المصرف المركزي، مما أثار تساؤلات حول الشفافية.

توسعت الشراكات الدولية للصندوق لتشمل شركات بريطانية وبولندية وأمريكية، بالإضافة إلى تعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات التنمية والأمن وإدارة الحدود. وأعلن السفير الأوروبي نيكولا أورلاندو عن توافقات واسعة لدعم جهود الإعمار وتحديث المؤسسات الخدمية في بنغازي، مما يعكس اعترافاً دولياً متزايداً بسلطات الأمر الواقع في الشرق.

تضم قائمة الشركات المتعاقد معها أكثر من 22 شركة دولية من جنسيات متنوعة تشمل مصر وتركيا وإيطاليا وفرنسا والإمارات وروسيا. وتبرز شركات مصرية مثل مجموعة العرجاني والمقاولون العرب، إلى جانب شركات تركية وأوروبية متخصصة في المقاولات الثقيلة والتطوير السياحي والذكاء الاصطناعي، مما يضفي صبغة عالمية على مشاريع الإعمار.

في المقابل، يعاني الغرب الليبي من تعثر واضح في تنفيذ المشروعات البنيوية رغم إطلاق حكومة طرابلس برامج مثل 'عودة الحياة'. وتُرجع مصادر هذا التعثر إلى النزاعات المسلحة الدورية بين التشكيلات المتنافسة، بالإضافة إلى أزمات التمويل وانسحاب بعض الشركات الأجنبية نتيجة عدم الإيفاء بالمستحقات المالية أو التوترات الأمنية.

يرى مراقبون أن الانضباط العسكري الصارم في مناطق سيطرة حفتر وفر بيئة آمنة للشركات الأجنبية للعمل دون خوف من الاشتباكات المسلحة. ومع ذلك، يوصف هذا الاستقرار بأنه 'استقرار سلطوي' يعتمد على مركزية شديدة في اتخاذ القرار وإقصاء أي معارضة، مما يضمن توحيد الموارد المالية والسياسية لخدمة مشروع الإعمار.

حذر معهد 'تشاتام هاوس' البريطاني من أن صندوق الإعمار يعمل كأداة لتمكين النخبة المسيطرة وبناء شبكات رعاية مالية خاصة بعائلة حفتر بعيداً عن رقابة طرابلس. وأشار المعهد إلى أن الهدف من تقديم بلقاسم حفتر كواجهة اقتصادية هو جلب شرعية مدنية وتكنوقراطية له أمام المجتمع الدولي كبديل للواجهة العسكرية الصرفة.

على الصعيد الحقوقي، وثقت منظمة 'هيومن رايتس ووتش' انتهاكات تتعلق بمصادرة ممتلكات وشقق سكنية لمدنيين في أحياء ببنغازي تحت ذريعة التطوير العمراني. واعتبرت المنظمة أن منع العائلات النازحة من العودة إلى منازلها دون تعويضات عادلة يمثل جريمة تهجير قسري تخالف القوانين الدولية، وتضع المسؤولين عنها تحت طائلة الملاحقة.

تتجاوز أهداف هذه المشاريع الجانب الخدمي لتصل إلى التوظيف السياسي المباشر، حيث يتم ربط المنجزات العمرانية بشخص المشير حفتر وعملية 'الكرامة'. وقد أُطلقت أسماء عسكرية على مدن وجسور جديدة، في محاولة لترسيخ 'حكم المشير' وتسويق مشروعه السياسي كصانع للاستقرار والتنمية في مواجهة الانقسام السياسي.

تشير البيانات المالية إلى أن الصندوق حصل على مخصصات ضخمة بلغت 10 مليارات دينار كدفعة أولى، مع إنفاق مئات الملايين من الدولارات من النقد الأجنبي. وتؤكد تقارير مصرفية أن حجم الإنفاق في الشرق يوازي الميزانيات المخصصة للاستثمارات في الغرب، لكن مع فارق جوهري في سرعة التنفيذ وغياب الآليات الرقابية.

الأكاديمي الليبي فرج دردور يرى أن حفتر يسعى لكسب الولاء الشعبي وضمان بقاء أبنائه في السلطة عبر السيطرة على كافة القطاعات الحيوية. وحذر دردور من أن هذا الإنفاق غير المراقب تسبب في دين عام ضخم وتدهور في قيمة العملة المحلية، مما يزيد من معاناة المواطنين المعيشية رغم المظهر العمراني البراق.

تعتمد استراتيجية عائلة حفتر في الجنوب أيضاً على دمج المشاريع الخدمية بالمناورات العسكرية لتعزيز النفوذ، كما حدث في مناورات 'درع الكرامة 2'. ويقوم صدام وبلقاسم حفتر بدور محوري في إدارة هذه الملفات، مما يشير إلى توزيع أدوار دقيق بين الشقين العسكري والاستثماري لتثبيت أركان حكم العائلة.

يمثل صندوق إعمار ليبيا اليوم 'اليد الطولى' التي تتحكم في مفاصل الاقتصاد بشرق البلاد، مستفيداً من كارثة إعصار دانيال التي كانت بمثابة نقطة انطلاق لتوسيع الصلاحيات. وبات الصندوق يمتلك حق فتح حسابات بالعملة الأجنبية في الخارج، مما يمنحه استقلالية مالية كاملة عن المؤسسات المركزية في العاصمة طرابلس.

في نهاية المطاف، يظل ملف الإعمار في ليبيا ساحة للصراع على الشرعية والنفوذ بين الشرق والغرب، حيث يستخدم كل طرف الإنجازات الميدانية كأداة دعائية. وبينما يفتخر الشرق بالطفرة العمرانية، تظل المخاوف قائمة بشأن التكلفة الاقتصادية والحقوقية لهذه المشاريع التي تُبنى في ظل غياب كامل للمساءلة والشفافية.

دلالات

شارك برأيك

إعمار شرق ليبيا.. استراتيجية عائلة حفتر لترسيخ النفوذ وجلب الشرعية الدولية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.