أحدث الأخبار

السّبت 13 يونيو 2026 2:43 مساءً - بتوقيت القدس

بين ضغوط الاقتصاد ورهانات الأمن.. هل تحسم تركيا عودتها الكاملة إلى المعسكر الغربي؟

تشهد السياسة الخارجية التركية في الآونة الأخيرة تحولاً تدريجياً يعيد التأكيد على أهمية شراكتها التاريخية مع المعسكر الغربي، وذلك بعد سنوات من محاولات التوازن بين موسكو وواشنطن. وترى الباحثة غونول تول في تحليل نشرته مجلة 'فورين أفيرز' أن هذا التوجه الجديد ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتيجة لضغوط اقتصادية وأمنية وجيوسياسية فرضت على أنقرة إعادة تقييم تموضعها الاستراتيجي.

تاريخياً، ترسخ موقع تركيا داخل المنظومة الغربية منذ منتصف القرن العشرين عبر الانضمام لمجلس أوروبا وحلف شمال الأطلسي 'الناتو'. ومع ذلك، فإن وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في 2002 أطلق مرحلة جديدة من السعي نحو 'الاستقلال الاستراتيجي'، وهو ما تجلى في توسيع الروابط مع روسيا في مجالات الطاقة والدفاع، مما أثار حفيظة الحلفاء التقليديين في الغرب.

المفارقة الكبرى في العلاقة التركية الروسية بدأت من أزمة إسقاط الطائرة الروسية عام 2015، حيث شعرت أنقرة حينها بخيبة أمل من استجابة الناتو وسحب بطاريات 'باتريوت'. هذا الشعور بعدم اليقين تجاه الحلفاء دفع الرئيس رجب طيب أردوغان نحو ترميم العلاقات مع فلاديمير بوتين، وصولاً إلى صفقة منظومة 'إس 400' المثيرة للجدل والتي تسببت في استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات 'إف 35'.

جاء الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 ليكشف تعقيدات هذا المسار، حيث حاولت أنقرة لعب دور الوسيط مع تزويد كييف بطائرات مسيرة وإغلاق المضائق. وفي الوقت ذاته، تحولت تركيا إلى شريان اقتصادي لموسكو برفضها الانضمام للعقوبات الغربية، مما رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى مستويات قياسية تجاوزت 60 مليار دولار.

يعد قطاع الطاقة أحد أبرز أدوات النفوذ الروسي في تركيا، خاصة مع مشروع محطة 'أكويو' النووية التي تديرها شركة 'روساتوم'. هذا الاعتماد الطاقوي منح موسكو نفوذاً طويل الأمد داخل بنية تحتية حيوية لدولة عضو في الناتو، وهو ما شكل مصدر قلق دائم للعواصم الغربية التي راقبت التقارب التركي الروسي بحذر شديد.

التحول نحو الغرب بدأ يتبلور بوضوح مع تفاقم الأزمات الاقتصادية الداخلية في تركيا قبيل انتخابات 2023، حيث عانت البلاد من تضخم مفرط وانهيار في قيمة العملة. وزادت كارثة زلزال فبراير 2023 من الأعباء المالية، مما جعل استمرار التوتر مع الشركاء التجاريين الغربيين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي، خياراً مكلفاً وغير مستدام.

في إطار إعادة التموضع الاقتصادي، اتخذت أنقرة خطوات عملية لاستعادة ثقة المستثمرين الدوليين عبر تعيين كفاءات اقتصادية معروفة بتوجهاتها التقليدية. وتزامن ذلك مع تحرك جدي لتقليص الاعتماد على الغاز الروسي، من خلال تنويع المصادر والتوجه نحو استيراد الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة عبر عقود طويلة الأمد.

على الصعيد الجيوسياسي، ساهم سقوط نظام الأسد في سوريا أواخر عام 2024 في تقليل حاجة تركيا للوساطة الروسية التي كانت ضرورية لإدارة الملف السوري. هذا التغير الميداني، إلى جانب انسحاب القوات الأمريكية من مناطق شمال سوريا، أزال عقبات رئيسية كانت تسمم العلاقات بين أنقرة وواشنطن لسنوات طويلة.

أعادت التطورات العسكرية في المنطقة، خاصة المواجهات الصاروخية المرتبطة بإيران، تسليط الضوء على أهمية المظلة الدفاعية لحلف الناتو بالنسبة لتركيا. فقد أثبتت منظومات الحلف فاعليتها في حماية الأجواء التركية، بينما ظلت منظومة 'إس 400' الروسية معطلة، مما أثار تساؤلات داخلية حول الجدوى الاستراتيجية للاعتماد على السلاح الروسي.

تشير المصادر إلى أن التعاون العسكري مع الناتو استعاد زخمه بشكل ملحوظ، حيث استؤنفت المفاوضات بشأن منظومات دفاع جوي أوروبية متطورة. كما بدأت ألمانيا في تعزيز تواجدها العسكري في تركيا عبر نشر بطاريات باتريوت إضافية، في إشارة واضحة على ذوبان الجليد في العلاقات الدفاعية بين أنقرة وبرلين.

تخطط تركيا حالياً لتعميق اندماجها العسكري في الحلف عبر إنشاء فيلق متعدد الجنسيات بحلول عام 2028، والمشاركة الفعالة في أمن البحر الأسود. هذه التحركات تعكس رغبة أنقرة في استعادة دورها كركيزة أساسية في الجناح الشرقي للناتو، بعيداً عن سياسة المحاور التي انتهجتها في العقد الماضي.

في المقابل، تنظر موسكو بقلق متزايد إلى هذا الانزياح التركي نحو الغرب، وهو ما يفسر غياب الزيارات الرفيعة لبوتين إلى أنقرة منذ سنوات. وبات المسؤولون الأتراك أكثر صراحة في انتقاد السياسات الروسية، مع تقديم دعم علني لتطلعات أوكرانيا في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.

رغم هذا التقارب مع الغرب، لا يبدو أن تركيا ستتخلى كلياً عن طموحها في ممارسة سياسة خارجية مستقلة، لكنها باتت تدرك حدود المناورة. فالمصالح الاقتصادية المرتبطة بالأسواق الغربية، والحاجة للتكنولوجيا الدفاعية المتطورة، تفرض على صانع القرار التركي البقاء ضمن المدار الغربي لضمان استقرار الدولة.

خلص التحليل إلى أن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن بناء بديل استراتيجي كامل عبر روسيا كان محفوفاً بالمخاطر وغير كافٍ لتلبية احتياجات تركيا الكبرى. وبناءً على ذلك، تجد أنقرة نفسها اليوم تعود إلى 'نقطة الانطلاق' في علاقتها مع الغرب، مدفوعة ببراغماتية سياسية تضع الأمن القومي والازدهار الاقتصادي فوق الشعارات الأيديولوجية.

دلالات

شارك برأيك

بين ضغوط الاقتصاد ورهانات الأمن.. هل تحسم تركيا عودتها الكاملة إلى المعسكر الغربي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.