حين يستحكم العداء لدى شخص أو جهة تتلاشى القيم الإنسانية ويتم الاستخفاف بقيمة الإنسان. وما يجري في الأراضي المحتلة مصداق لذلك.
فلا يكتفي المحتل بتجويع البشر بل يبذل جهودا لمنع الآخرين من تقديم الدعم ويعرقل أعمال الإغاثة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
فما أن حدثت المجاعة في قطاع غزّة حتى هرع بعض المنظمات الإغاثية الدولية لتقديم شيء من الدعم، وفقا للقانون الدولي الإنساني ومواثيق جنيف التي تنظم مسارات الحروب.
وقد افتعلت حكومة الاحتلال قضايا وهمية لعرقلة المعونات، وأصدرت العام الماضي اتهامات لمنظمة الأونروا بأن بعض موظفيها ينتمي لحركات المقاومة الفلسطينية.
ونظرت محكمة العدل الدولية في تلك الاتهامات بشكل دقيق ومفصّل، وبذل موظفوها وخبراؤها القانونيون جهودا لمعرفة حقيقة تلك الادّعاءات.
وفي النهاية توصلت المحكمة إلى نتائج مهمّة على رأسها عدم وجود أية أدلة على انتهاك الأونروا مبدأ الحياد أو ممارستها التمييز في توزيع المساعدات.
مع ذلك ليس متوقّعا أن تذعن «إسرائيل» لذلك الاستنتاج الذي يمنعها من عرقلة جهود الإغاثة.
فهي تسعى لاستخدام الطعام سلاحا في المعركة ضد غزّة وأهلها بعد أن عجزت آلتها العسكرية عن القضاء على المقاومة.
والواضح أنها لم تكتف بتحويل المنطقة إلى ركام ودمار لم ير العالم له مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية، بل تسعى لضمان الهيمنة المطلقة من خلال كسر إرادة من يصرّ على رفض الاحتلال ويقاومه.
بعد أن تفاقمت أزمة الغذاء والدواء، أصبحت مهمة التصدي لذلك مسؤولية دولية تملي على الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي القيام بإجراءات لمنع وقوع الكارثة.
وهذا يتطلّب إذعان أمريكا لهذه المهمة بدلا من صب الزيت على النار وزيادة معوناتها العسكرية والمالية لـ «إسرائيل».
وفي الأسبوع الماضي اعتبرت الخارجية الأمريكية في بيان رسمي، أن القرار الصادر عن المحكمة ينتقد إسرائيل بشكل ظالم، ويمنح الأونروا حرية كاملة في مواصلة «علاقتها الوثيقة مع الإرهاب» الذي تمارسه حركة «حماس» وتقديم الدعم المادي لها.
وما الذي تريده «إسرائيل» أكثر من هذا التصريح لكي تشدّد المنع الذي تفرضه على منظمات الإغاثة؟
فمتى سيتصرف دونالد ترامب كرئيس يحمي مصالح أمريكا وليس «إسرائيل»؟
عندما تظهر صور معاناة أهل غزة على شاشات التلفزيون، وتظهر آثار المجاعة على أجساد أطفالها، تتلاشى مشاعر الاحترام لمن كان السبب في ذلك.
فهذا مناقض لأبسط المبادئ الإنسانية التي تحرّك مشاعر الرغبة في إغاثة الملهوف وإطعام الجائع.
فما بال إنسان هذا الكوكب تتلاشى مشاعره فلا تهزّه مشاهد الجياع والمرضى والذين يعيشون في العراء.
فلم تبق موبقة إلا ارتكبها الإسرائيليون بحق أهل غزّة، حتى أصبح هناك أكثر من مليونين من البشر يعيشون في العراء يستظلون الشمس ويفترشون الأرض، بعد أن حوّل الاحتلال منازلهم إلى أكوام من حطام.
ولم يكتف المحتلون بذلك بل فرضوا على المنطقة حصارا شاملا في البر والبحر والجو، فلا يستطيع أحد كسر الستار الحديدي المقيت.
وعندما تحرّكت ضمائر البشر من كافة أصقاع الأرض ونظموا قوافل إغاثة عن طريق البحر كانت البحرية الإسرائيلية بانتظارهم لتصادر قواربهم وتعتقل من فيها وتنكّل بهم.
حدث ذلك ليس سرّا بل أمام عدسات التلفزيون بشكل مباشر.
حتى أصبح العدوان الإسرائيلي هذه المرّة من أكثر الوقائع التاريخية توثيقا ووضوحا.
برغم ذلك ما تزال قلوب الكثيرين متكلّسة، قد ران عليها العمل القبيح.
وثمة مفارقات واضحة في المواقف الدولية إزاء معاناة أهل غزّة.
ويبدو الأقربون أقل اهتماما من الأجانب، الأمر الذي يستدعي قراءة موضوعية لمعان ومفاهيم كثيرة ترتبط بالأخوّة والإغاثة والعون والإحساس بمعاناة الآخرين، والموقف المسؤول تجاه المستضعفين.