في لحظة شديدة الرمزية، خرجت رسالة من قلب المعاناة إلى قلب السياسة العالمية، من زوجة أسير فلسطيني إلى رئيس أقوى دولة في العالم. كتبت فدوى البرغوثي إلى دونالد ترامب تطلب منه التدخل لإطلاق سراح زوجها الأسير مروان البرغوثي، لكنها في جوهرها كانت تطلب شيئا أكبر من الحرية الفردية: كانت تصرخ في وجه العالم أن العدالة لا يمكن أن تُجزّأ، وأن السلام لا يمكن أن يقوم على أنقاض الاحتلال.
تزامنت الرسالة مع أشد مراحل الحرب على غزة قسوة، ومع لقاءات ماراثونية في القاهرة والدوحة بحثا عن وقفٍ لإطلاق النار، فيما كانت الضفة الغربية تشتعل ميدانيا تحت نيران اقتحامات الاحتلال واعتداءات المستوطنين، وكأن إسرائيل أرادت أن تقول إنّها لا تفهم سوى لغة القوة، وأن الميدان هو رسالتها الوحيدة للعالم.
الرسالة التي تجاوزت حدود السجن رسالة فدوى البرغوثي لم تكن حدثا عابرا؛ فقد فتحت بابا واسعا للتساؤل حول دور الأسرى في المشهد السياسي القادم، وحول مروان البرغوثي الذي يُنظر إليه في الداخل الفلسطيني والعالم كـ"مانديلا فلسطين"، ورمزٍ قادر على توحيد الفصائل المنقسمة حول مشروع وطني جامع.
الرسالة لم تُخاطب ترامب وحده، بل خاطبت الضمير الأمريكي والغربي الذي طالما تحدث عن القيم والحرية والديمقراطية، لكنه صمت أمام الاحتلال الأطول في التاريخ الحديث. قالت فدوى للعالم بلغة واضحة: إن كنتم تبحثون عن شريك سلام، فها هو في السجون، وإن كنتم تبحثون عن صوتٍ فلسطيني يؤمن بالحل السياسي، فها هو يُعاقَب لأنه حلم بالحرية.
لقد أرادت أن تُحرج المعايير المزدوجة الأمريكية، التي تطلب من الفلسطينيين ضبط النفس بينما تغضّ الطرف عن إبادةٍ تُرتكب في غزة واجتياحاتٍ يومية في الضفة الغربية.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي عاد إلى المشهد السياسي بقوة، يحاول الظهور بمظهر "صانع الصفقات التاريخية"، وربما يرى في "ملف غزة" فرصة لاستعادة نفوذه الدولي بعد سنوات من التوترات العالمية. لكنّ فدوى البرغوثي قلبت المعادلة حين وضعت أمامه الملف الفلسطيني الإنساني والسياسي معا.
فرترامب، الذي يتحدث بلغة المصالح والصفقات، تلقّى رسالة تعبّر عن القيمة الأخلاقية والسياسية للأسرى، وعن إمكانية تحويل هذا الملف إلى جسرٍ نحو مصالحة فلسطينية داخلية، بدلا من أن يكون ورقة ضغط إسرائيلية.
الرسالة جاءت لتقول إنّ أي صفقة في المنطقة لن تنجح إذا لم تُبنَ على عدالة القضية الفلسطينية، لا على "شراء الوقت" بتهدئة مؤقتة في غزة، بينما الاحتلال يعمّق جذوره في الضفة.
منذ اندلاع الحرب الأخيرة، تحولت غزة إلى مرآة للضمير الإنساني العالمي. القصف الذي دمّر آلاف المنازل والمستشفيات، ودفن تحت ركامه عائلاتٍ بأكملها، لم يكن مجرد مأساة إنسانية، بل جريمة حرب موصوفة تشارك فيها آلة عسكرية لا تعرف الرحمة، وسط تواطؤ دولي وصمتٍ عربيٍ رسميٍّ مريب.
ورغم الاجتماعات المكثفة في القاهرة والدوحة وواشنطن، فإن وقف إطلاق النار لا يزال رهينة الحسابات السياسية، لا نتيجة لتغير في القيم. فالإدارة الأمريكية تتحدث عن "ضرورة إنهاء الحرب"، لكن من زاوية إسرائيلية بحتة، بينما الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن الأكبر.
وفي الوقت الذي تبحث فيه الوفود عن "صيغة للتهدئة"، كان الاحتلال يعمّق جرائمه في الضفة الغربية، وكأنه يُرسل رسالة ميدانية تقول: "لن توقفونا، لا في غزة ولا في الضفة".
بينما تتجه الكاميرات إلى غزة، يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية واقعا لا يقل خطورة. الاحتلال يصعّد من سياسة الاقتحامات اليومية، وينفذ عمليات اعتقال واسعة، ويهدم المنازل على رؤوس أصحابها، ويُشرعن البؤر الاستيطانية الجديدة في جبال طولكرم ونابلس والخليل.
وكأنّ الاحتلال وجد في انشغال العالم بغزة فرصة لتمرير أخطر مشروع استيطاني في تاريخه. كل يوم تقريبا، هناك شهيد أو جريح أو أسير جديد، وكل يوم هناك قرية تُعاقَب جماعيا، وبلدة تُغلق مداخلها بالجدران الإسمنتية، ومستوطنون يعيثون في الأرض فسادا تحت حماية الجيش.
وفي ظل هذه الجرائم، تستمر اللقاءات في القاهرة لبحث "وقف إطلاق النار في غزة"، بينما الضفة الغربية تتعرض لعدوان صامت لا يجد له بندا في الاتفاقات أو العناوين الإخبارية.
تحاول بعض الدول رسم مشهدٍ جديد للمنطقة يقوم على "السلام الاقتصادي" و"إعادة الإعمار مقابل الهدوء"، لكن الحقيقة أن أي تهدئة في غزة ستفشل حتما إذا لم تشمل الضفة الغربية. فالقضية الفلسطينية ليست "ملف غزة فقط"، بل قضية أرض محتلة وشعب واحد.
حين يواصل الاحتلال بناء المستوطنات وهدم البيوت في الضفة، ويُحاصر غزة، ويقتل المدنيين، ثم يطلب من الفلسطينيين "التهدئة"، فهو في الواقع يطلب منهم الاستسلام المغلّف بعبارات دبلوماسية.
أما فدوى البرغوثي، فقد اختارت أن ترد بلغة الكرامة: "أطلقوا سراح من يحمل مفاتيح الوحدة والحرية، لا من يوقّع على صكّ الخضوع".