لم يكد يغادر مبعوثٌ حتى يصل آخر إلى غرفة الرعاية، التي لا تحتمل أيّ إغفاءةٍ عمّن يعشق العيش على نصال السيوف، وداخل "عربات جدعون"، معتمرًا خوذته طيلة الفصول الأربعة، مستمرئًا السباحة في الفوضى، التي تمنحه فرصةً لتخليق الذرائع لمواصلة هوايته في القفز خلف خطوط النار، والإقامة الطويلة على الخراب وبين تلال الركام.
"أنتَ منذُ الآن غَيْرُك". فلم يعد ذلك الذئب الذي يتحايل بالبكاء لاستدرار عطف الحلفاء الذين تقاطروا، ذات تشرين، على الدولة المارقة كما لم يحدث في أيّ حروبٍ سابقة، هو نفسه الذي ظلّ طيلة عامي الرمادة والإبادة يفرد الخرائط ويرسم الحدود لصنع الشرق الأوسط الجديد.
تعاقُب الزيارات وعقدُ الموتمرات، بالتأكيد الدائم على الالتزام ببنود الاتفاق، يعكسان اهتزازًا مبرّرًا في الثقة بالرجل، الذي لو تُرك له الخيار لَـما توقفَ عن مواصلة الدمار، متذرعًا باجتياز عربةٍ عليها أطفالٌ يجرها حمار الخط الأصفر، الذي بات خطّاً يُرسم على عتبات بيوت الغزيين، وبين خيام النازحين، الذين تشابهت عليهم الخطوط، ولم يعودوا قادرين على التمييز بين الألوان، بعد أن ساحت على بعضها في منطقةٍ لم يتوقف فيها الموت، وإنْ توقفت الحرب.
ما كان سؤالًا مُحيّرًا للمحللين حول مَن يتبع مَن: أمريكا أم إسرائيل؟ أجابت عنه ابتسامات بيبي المرتبكة، ورأسه المطأطئة، في حضرة الرعاة، الذين ظلوا يضربونه على يده الأمّارة بالعبث في أعواد الثقاب والنفخ عليها بالبنزين، كلما استبدّ به الحنين.
عندما تتضارب المصالح بين الدولة العظمى وربيبتها، فإنّ الأولويات تتقدم على الأهواء والنزوات، ما جعل "بيبي" بحاجةٍ إلى المراقبة اللصيقة.





شارك برأيك
بيبي سيتر!