أقل الكلام
تزورنا كل أربع سنوات مرة، فتأسرُ عقولنا، وتخلبُ ألبابنا، وتُفجّرُ مكنونَ انفعالاتنا، مثلما تكشفُ عن اصطفافاتنا الدفينة وميولنا الجهوية؛ حتى إن أفراد العائلة الواحدة يجدون أنفسهم موزعينَ بين ولاءاتٍ تتلوّن بألوان الفرق المتنافسة على المستطيل الأخضر. بيد أنّ هذه الانقسامات سرعان ما تتلاشى حينما تحضر المنتخبات العربية، التي تتوحد خلفها القلوب والرايات والشعارات، وتفيض المآقي بالدموع عند الخسارات.
لا نخفي مشاعرنا ودعواتنا ولا انحيازاتنا إلى جانب "الماتادور الإسباني" الذي انحازت جماهيره إلى مأساتنا. ونحن إذ نودع اليوم الكرنفال الكروي العالمي، فإننا لا نودع مجرد بطولةٍ كرويةٍ ملأت الدنيا وشغلت الناس على امتداد الأسابيع الماضية، بقدر ما نودع ذكرياتٍ عشناها بحلوها ومرها، بفرحها وصخبها، مثلما نودع جزءاً من أعمارنا، سائلين المولى عز وجل أن يَمُنَّ علينا بمديد العمر لنشهد النسخة القادمة، ونضيف إلى أرشيف مشاعرنا ومتحف ذكرياتنا حكاياتٍ وقصصاً جديدة.
لعل الصورة الأيقونة التي يظهر فيها "الملك" ميسي وهو يداعب الرضيع "أمين يامال" أو "لامين يامال" في حوض ماء قبل نحو عشرين عاماً تحمل الكثير من تصاريف الأقدار، فبعد أن كبر الطفل على مهل، واشتد ساعده، يقف اليوم في مواجهة "الملك" مهدداً بإطاحته عن عرشه!… وصف ميسي الصورة عندما سئل عنها بالقول: "إنه لأمر جنوني"، بينما وصف ملتقط الصورة تلك اللحظة بـ"المعجزة".
ثمة الكثير من العِبر والدروس التي تنهض بعد أن تنطفئ الأضواء، وينفضَّ السامر، وينجلي غبار المعارك الكروية في الملاعب؛ لعل في مقدمتها ضرورة توحيد المعايير الدولية، وفرض رقابة صارمة على "قضاة الملاعب" الذين أطاحت أخطاؤهم وانحيازاتهم بأحلام فرقٍ لم تكن تستحق الهزيمة.
مع إسدال الستار وانطفاء الكشافات في الملاعب نقول: كل بطولة وأنتم إلى نيل أمانيكم وتحقيق أحلامكم وانتهاء طريق آلامكم أقرب، لتشرق شمس الحرية والعدالة على الأرض التي تكابد وجع الفقد ومرارة الانتظار منذ ألف يومٍ ويزيد.
ملاحظة: كُتبت المقالة قبل بدء المباراة.






شارك برأيك
قبل أن تنطفئ الأضواء!