عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 3:18 مساءً - بتوقيت القدس

صبغة دينية تغلف المواجهة: كيف تحولت الحرب الأمريكية على إيران إلى 'معركة مقدسة' في عهد ترامب؟

تشهد أروقة الحكم في واشنطن وتل أبيب تحولاً لافتاً في طبيعة الخطاب الموجه ضد إيران، حيث لم تعد الأهداف مقتصرة على الملفين النووي والصاروخي، بل امتدت لتكتسي طابعاً دينياً يوحي بخوض 'حرب مقدسة'. وتتجلى هذه المظاهر في إحاطة الرئيس دونالد ترامب بقادة دينيين يشاركون في صلوات رسمية داخل البيت الأبيض، مما يعكس حالة من التعبئة ذات الواجهة المسيحية الإنجيلية لدعم التوجهات العسكرية للإدارة الأمريكية.

وفي الجانب الإسرائيلي، لا يبدو المشهد مختلفاً، إذ كثف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من استخدام الإشارات التوراتية في خطاباته منذ اندلاع المواجهة الأخيرة. وقد برز ذلك بوضوح قبيل عيد الفصح اليهودي، حينما عقد مقارنة تاريخية ودينية بين الحرب الحالية على طهران وقصة نجاة بني إسرائيل من فرعون، في محاولة لإضفاء شرعية دينية على التحركات العسكرية الجارية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تُعرف رسمياً كدولة علمانية، إلا أن الصراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ساهم في تقريب الخطاب الديني من التوجهات السياسية بشكل غير مسبوق. وقد رصدت مصادر إعلامية احتفالات دينية في البيت الأبيض خلال 'أسبوع الآلام'، تضمنت صلوات علنية تطلب 'النصر' لترامب باعتباره الشخص الذي تم تهيئته لهذه اللحظة التاريخية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بعد تسريب مقاطع مصورة لهذه الطقوس.

وتكتسب هذه النبرة الدينية حساسية مضاعفة نظراً لأن الأطراف المنخرطة في الصراع تمثل الأديان التوحيدية الثلاثة الكبرى التي نشأت في الشرق الأوسط. هذا التداخل بين المعتقد والدبلوماسية العسكرية يضع المنطقة أمام مشهد معقد يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية إلى صراع هويات وقيم دينية متجذرة، مما يزيد من صعوبة الحلول الدبلوماسية.

ويعد وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أحد أبرز الوجوه التي تتبنى هذا الخطاب الديني المتشدد داخل الإدارة. فقد دعا هيغسيث في مناسبات رسمية للصلاة من أجل الجنود الأمريكيين في الخليج مستخدماً صيغاً دينية محددة، متجاهلاً التنوع العقائدي داخل صفوف الجيش الأمريكي، وهو ما اعتبره مراقبون خروجاً عن التقاليد العسكرية المتبعة.

ويستند هيغسيث في رؤيته إلى نصوص من 'سفر المزامير'، حيث يستحضر صلوات النبي داود أثناء قتاله لأعدائه، مشبهاً الواقع الحالي بالحروب الواردة في الكتاب المقدس. كما صرح في مقابلات إعلامية بأنه يواجه 'متطرفين' يسعون لامتلاك قدرات نووية تمهيداً لمعركة 'هرمجيدون'، وهي معركة آخر الزمان في المعتقد المسيحي الصهيوني.

تاريخ هيغسيث العسكري والفكري يعزز هذا التوجه، فقبل توليه حقيبة الدفاع، خدم كضابط مشاة في العراق وأفغانستان، وحمل أوشاماً لرموز مسيحية مرتبطة بزمن الحملات الصليبية، مثل 'صليب القدس'. كما ألف كتاباً بعنوان 'الحملات الصليبية الأمريكية'، وجه فيه نداءً للدفاع عن الحضارة الغربية ضد ما وصفه بالتراجع والتهديدات الخارجية والداخلية.

هذا الخلط المتزايد بين الدين والسياسة أثار انتقادات حادة من قبل أكاديميين ورجال دين سابقين في المؤسسة العسكرية الأمريكية. ويرى خبراء أن فرض رؤية دينية معينة داخل مؤسسة وطنية كالجيش يمثل إساءة استخدام للسلطة ونقصاً في احترام التنوع الذي تقوم عليه الأمة الأمريكية، محذرين من تداعيات ذلك على تماسك القوات المسلحة.

وعلى الصعيد الدولي، دخل الفاتيكان على خط الأزمة من خلال تصريحات للبابا ليو الرابع عشر، أكد فيها أن الله لا يحب الحرب ولا يمكن استخدامه لتبرير النزاعات المسلحة. هذا الموقف يضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مع مرجعيات دينية عالمية ترفض تسييس المعتقدات لخدمة أهداف جيوسياسية أو عسكرية.

ورغم الانتقادات، تواصل إدارة ترامب الدفاع عن نهجها، حيث اعتبرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت أن الصلاة من أجل القوات المسلحة هي عمل نبيل يعكس قيم المجتمع الأمريكي. ورفضت ليفيت التلميحات التي تشير إلى أن هذا السلوك يغذي الصراعات الدينية، مؤكدة على حق الرئيس في ممارسة شعائره ودعوة الآخرين للمشاركة فيها.

ومن المقرر أن يتوج هذا التوجه بتجمع ضخم في واشنطن منتصف شهر مايو المقبل، حيث يعتزم ترامب قيادة صلاة وطنية تهدف إلى 'إعادة تكريس أمريكا لله'. هذا الحدث يراه محللون بمثابة إعلان رسمي عن تحول السياسة الخارجية الأمريكية نحو 'المسيحية القومية' التي ترى في الصراعات الدولية امتداداً لنبوءات دينية.

في المقابل، تجد إيران نفسها في قلب هذا الخطاب بصفتها 'جمهورية إسلامية' يقودها مرشد أعلى يجمع بين السلطتين الروحية والزمنية. هذا التقابل في الخطاب الديني بين واشنطن وطهران يحول الصراع من تنافس على النفوذ الإقليمي إلى مواجهة عقائدية مفتوحة، حيث يرى كل طرف في نفسه ممثلاً لإرادة إلهية في مواجهة 'الشر'.

إن استحضار مصطلحات مثل 'الحملات الصليبية' و'هرمجيدون' يعيد إلى الأذهان صراعات تاريخية مريرة، ويضعف فرص الحوار العقلاني المبني على المصالح المشتركة. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد اللفظي قد يؤدي إلى انزلاقات عسكرية غير محسوبة، مدفوعة بقناعات غيبية تتجاوز الحسابات الاستراتيجية التقليدية للدول.

ختاماً، يبقى السؤال حول مدى تأثير هذا الخطاب على حلفاء واشنطن في المنطقة والعالم، خاصة أولئك الذين يخشون من تحول الصراع السياسي إلى حرب دينية شاملة. فبينما تستمر الاستعدادات العسكرية على الأرض، تظل 'الحرب المقدسة' التي تروج لها بعض الأطراف في واشنطن وتل أبيب هي العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 3:18 مساءً - بتوقيت القدس

استنفار عسكري بولندي وتصعيد جوي روسي واسع يستهدف المدن الأوكرانية

أعلنت القوات الجوية الأوكرانية، اليوم الجمعة، عن تعرض البلاد لموجة هجمات جوية روسية واسعة النطاق ومستمرة منذ مساء أمس الخميس. وأوضحت المصادر العسكرية أن أعداداً كبيرة من الطائرات المسيرة الانتحارية لا تزال تحلق في الأجواء الأوكرانية، مستهدفة عدة مناطق حيوية وبنية تحتية في البلاد.

وفي العاصمة كييف، أكد رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية، ميكولا كالاتشنيك أن المنطقة تواجه هجوماً ضخماً يجمع بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. وأشار كالاتشنيك إلى أن الدفاعات الجوية تحاول التصدي للأهداف المعادية، إلا أن الهجمات أسفرت حتى اللحظة عن تسجيل حالة وفاة واحدة على الأقل في محيط العاصمة.

من جانبه، كشف المتحدث باسم القوات الجوية، يوري إهنات، عن تطور ملحوظ في التكتيكات العسكرية الروسية، حيث بدأت موسكو باستخدام مسارات طيران جديدة وتحديثات تقنية على الطائرات المسيرة. ويهدف هذا الأسلوب الجديد، بحسب المصادر الأوكرانية، إلى إرباك منظومات الدفاع الجوي واستنزاف قدراتها عبر هجمات ليلية ونهارية متلاحقة.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القوات الروسية أطلقت ما يزيد عن 400 طائرة مسيرة بعيدة المدى خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط. كما شمل الهجوم إطلاق 10 صواريخ باليستية تركزت معظمها على المناطق القريبة من خطوط المواجهة المباشرة، في تصعيد وصف بأنه الأقوى منذ مطلع الأسبوع الجاري.

وعلى الصعيد الميداني في شرق البلاد، أفاد حاكم منطقة خاركيف، أوليه سينهوبوف، بسقوط قتيل وإصابة نحو 25 شخصاً جراء القصف المستمر بالصواريخ والقنابل الموجهة. وأوضح سينهوبوف أن الهجمات الروسية لم تتوقف طوال اليوم الماضي، مما تسبب في دمار واسع في الممتلكات الخاصة والمنشآت المدنية في المنطقة.

وأدت هذه العمليات العسكرية المكثفة إلى تعطيل شبه كامل للحياة العامة في العديد من المدن الأوكرانية، حيث اضطرت المؤسسات الحكومية والتعليمية لإغلاق أبوابها. كما توقفت خدمات النقل العام والشركات الخاصة عن العمل لساعات طويلة نتيجة استمرار صافرات الإنذار والتهديدات الجوية المتواصلة التي تشل حركة المواطنين.

وفي تداعيات إقليمية سريعة، أعلنت قيادة العمليات بالقوات المسلحة البولندية عن نشر طائرات مقاتلة في حالة استنفار قصوى لمراقبة الأجواء الحدودية. وأكد الجيش البولندي أن أنظمة الدفاع الجوي الأرضية وأجهزة استطلاع الرادار وصلت إلى أعلى درجات الجاهزية تحسباً لأي خرق للمجال الجوي لدول حلف الناتو نتيجة القصف الروسي القريب.

ويأتي هذا التصعيد الجوي الروسي كجزء من استراتيجية الضغط المستمر على السكان المدنيين وشل عمل المؤسسات العامة في أوكرانيا. وتراقب الدوائر العسكرية الدولية هذا التطور بقلق، خاصة مع تكرار الهجمات الضخمة التي تسفر عن خسائر بشرية ومادية فادحة وتدفع دول الجوار لاتخاذ إجراءات دفاعية استثنائية.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

بكين تحذر من استمرار اضطراب مضيق هرمز وتصف الهجمات على إيران بـ 'غير القانونية'

أكد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي أن أزمة الملاحة الحالية في مضيق هرمز تمثل إحدى التداعيات المباشرة للنزاع المسلح مع إيران. وأوضح في تصريحات رسمية أن استقرار هذا الممر المائي الاستراتيجي لن يتحقق طالما استمرت العمليات القتالية في المنطقة، مشدداً على ضرورة التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار.

جاءت هذه المواقف خلال اتصال هاتفي أجراه الوزير الصيني مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، حيث بحث الجانبان سبل خفض التصعيد. ودعا وانغ يي إلى ضرورة التحرك العاجل لإنهاء الأعمال العدائية التي قوضت أمن واستقرار دول الخليج العربي والمنطقة بشكل عام.

وأفادت مصادر دبلوماسية بأن بكين ترى في الإجراءات العسكرية المتخذة ضد إيران خروجاً عن الأطر الدولية المتعارف عليها. وأشارت المصادر إلى أن الصين ترفض أي محاولات لإضفاء الشرعية على العمليات العسكرية التي تتم خارج نطاق تفويض مجلس الأمن الدولي، معتبرة إياها تهديداً للسلم والأمن.

وفي سياق متصل، وصفت الخارجية الصينية الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها 'غير قانونية' لافتقارها للغطاء الأممي. وترى بكين أن الالتزام بمبادئ الأمم المتحدة هو الضمانة الوحيدة لحماية حقوق الدول المتوسطة والصغيرة في مواجهة القوى الكبرى في المستقبل.

من جانبها، جددت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية التأكيد على موقف بلادها الداعي لوقف الحرب فوراً لتجنب كارثة اقتصادية عالمية. وأوضحت أن استمرار النزاع سيؤدي إلى تداعيات وخيمة لا تقتصر على أطراف الصراع فحسب، بل تمتد لتشمل سلاسل الإمداد والطاقة العالمية.

وتشير التحركات الأخيرة إلى تكثيف بكين لجهودها الدبلوماسية عبر قنوات تواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، بما في ذلك واشنطن. ورغم التكتم الرسمي، يرجح مراقبون وجود اتصالات غير معلنة مع الجانب الإسرائيلي تهدف إلى احتواء الموقف ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.

تأتي هذه التحذيرات الصينية في وقت حساس يشهد فيه مضيق هرمز توترات غير مسبوقة تؤثر على حركة التجارة الدولية. وتشدد بكين على أن الأولوية القصوى يجب أن تتركز على الدبلوماسية والحوار، بعيداً عن الحلول العسكرية التي أثبتت فشلها في تحقيق استقرار مستدام.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد في الخليج: حرائق بمنشآت غاز ونفط في أبوظبي والكويت وبريطانيا تنشر دفاعات جوية

أعلنت السلطات في إمارة أبوظبي، اليوم الجمعة، عن اندلاع حريق في منشآت حبشان الحيوية للغاز، وذلك نتيجة سقوط شظايا عقب عملية اعتراض جوي وصفتها بالناجحة. وأكد مكتب أبوظبي الإعلامي أن الفرق المختصة تتعامل ميدانياً مع الحادثة، مشيراً إلى أن الإجراءات الاحترازية شملت تعليق العمليات التشغيلية في المنشأة لضمان السلامة العامة.

وأوضحت المصادر الرسمية في الإمارة أن الحادث لم يسفر عن وقوع أي إصابات بشرية، رغم الأضرار المادية التي لحقت بالموقع نتيجة الحريق. وفي بيان منفصل، أشارت السلطات إلى سقوط شظايا أخرى في منطقة عجبان إثر تصدي الدفاعات الجوية لتهديدات معادية، مما يعكس حجم التوتر الأمني الذي تشهده المنطقة في الساعات الأخيرة.

من جانبها، أكدت وزارة الداخلية الإماراتية أن أنظمة الدفاع الجوي تعاملت بفاعلية مع تهديد صاروخي استهدف مناطق في الدولة. ولم تورد الوزارة تفاصيل إضافية حول مصدر التهديد أو نوعية الصواريخ المستخدمة، مكتفية بالتأكيد على جاهزية القوات المسلحة لحماية الأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية من أي اعتداءات خارجية.

وفي سياق متصل، شهدت دول خليجية أخرى هجمات مماثلة، حيث أعلنت كل من الكويت والسعودية والبحرين عن تعرضها لرشقات من الصواريخ والطائرات المسيرة. وأفادت مصادر بأن الدفاعات السعودية تمكنت من إسقاط طائرة مسيرة في أجوائها، بينما تسببت هجمات أخرى في اندلاع حريق محدود في وحدات تشغيلية تابعة لمصفاة ميناء الأحمدي النفطية في الكويت.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، جددت جمهورية مصر العربية موقفها الثابت والداعم لأمن دول الخليج العربي ضد أي تهديدات خارجية. وصرح وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال تواجد في موسكو، بأن القاهرة تدين بأشد العبارات كافة الاعتداءات التي تستهدف استقرار المنطقة، واصفاً الهجمات بأنها غير مبررة وتمس بالأمن القومي العربي.

وفي تحرك عسكري دولي، أعلن مكتب رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، عن قرار لندن بنشر منظومة الدفاع الجوي المتطورة (رابيد سنتري) في دولة الكويت. ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الحماية للمصالح البريطانية والكويتية المشتركة في منطقة الخليج، خاصة بعد الهجمات الأخيرة التي استهدفت البنية التحتية النفطية ليلًا.

وجاء الإعلان البريطاني عقب اتصال هاتفي أجراه ستارمر مع ولي عهد الكويت، الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، حيث عبر فيه عن تضامن بلاده الكامل. وندد رئيس الوزراء البريطاني بما وصفه بـ 'الهجوم المتهور' الذي نفذته طائرات مسيرة، مؤكداً أن نشر المنظومة الدفاعية يهدف لردع التهديدات الجوية التي تحلق على ارتفاعات منخفضة.

وتطرق الجانبان البريطاني والكويتي خلال المباحثات إلى أزمة اضطراب حركة الملاحة والشحن العالمي في مضيق هرمز الاستراتيجي. ورحب الطرفان بالجهود الدبلوماسية التي تقودها وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، لوضع خطة دولية تضمن إعادة فتح الممر البحري الحيوي وتأمين تدفق إمدادات الطاقة العالمية بعيداً عن الصراعات العسكرية.

وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة في ظل حالة من الحرب المفتوحة التي تشارك فيها أطراف دولية وإقليمية منذ أواخر فبراير الماضي. وتتبادل الأطراف المتصارعة الضربات الصاروخية والهجمات بالمسيرات، مما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار جسيمة بالمنشآت الاقتصادية في عدة دول عربية تقول طهران إنها تضم مصالح أمريكية.

وتشير التقارير إلى أن التصعيد الحالي يمثل ذروة التوتر في المنطقة، حيث باتت المنشآت النفطية والغازية هدفاً مباشراً للعمليات العسكرية. ويسود القلق لدى الأوساط الدولية من احتمال انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع نطاقاً قد يؤدي إلى شلل تام في حركة التجارة البحرية عبر الممرات المائية الرئيسية في الشرق الأوسط.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تواصل الفرق الفنية في أبوظبي والكويت العمل على حصر الأضرار وإعادة تشغيل المنشآت المتضررة في أسرع وقت ممكن. وتؤكد الدول المستهدفة أنها ستحتفظ بحق الرد والدفاع عن سيادتها، في حين تترقب العواصم العالمية نتائج التحركات الدبلوماسية الرامية لتهدئة الأوضاع ومنع انفجار الموقف عسكرياً بشكل شامل.

اسرائيليات

الجمعة 03 أبريل 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق: فتح جبهة لبنان تزامناً مع مواجهة إيران 'خطيئة استراتيجية'

اعتبر مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق، الجنرال في الاحتياط غيورا آيلاند أن فتح جبهة عسكرية واسعة مع حزب الله في لبنان بالتزامن مع إدارة صراع معقد ضد إيران يمثل خطأً استراتيجياً جسيماً. وأوضح آيلاند في تصريحات إذاعية أن الادعاءات الإسرائيلية الرسمية بأن حزب الله وقع في 'فخ' ليست دقيقة، بل قد يكون الواقع عكس ذلك تماماً في ظل استنزاف القدرات العسكرية.

وأشار آيلاند إلى أن إسرائيل كان عليها ممارسة قدر أكبر من الصبر واختيار التوقيت المناسب بدلاً من الاندفاع العسكري الحالي. ورأى أن إنشاء حزام أمني في جنوب لبنان عبر هدم القرى وإخلاء السكان هو تطبيق لدروس مستفادة من الحرب في قطاع غزة، لكنه أكد أن هذه الخطوة لن تنهي تهديد الصواريخ بشكل جذري.

وشدد المسؤول الأمني السابق على أن المعضلة الأساسية تكمن في أن صواريخ حزب الله تُطلق من مناطق شمال نهر الليطاني، وهو ما يعني أن العمليات البرية في القرى الحدودية لن توقف الرشقات الصاروخية. وأضاف أن إسرائيل تجد نفسها تستثمر موارد هائلة في لبنان دون أن يطرأ تغيير حقيقي وملموس على الواقع الأمني الذي يعيشه سكان الشمال.

وانتقد آيلاند ما وصفه بـ 'الاندفاع الإسرائيلي' لاستغلال فرصة فتح جبهة الشمال فور قيام حزب الله برد 'رمزي' عقب عمليات الاغتيال الأخيرة. ووصف هذا التحرك بأنه جاء كمن عثر على غنيمة دون دراسة العواقب بعيدة المدى، متسائلاً عن جدوى خوض حرب طموحة بهذا الحجم دون معرفة سقفها الزمني أو نهايتها المتوقعة.

وأعرب الجنرال المتقاعد عن قلقه العميق من حالة التمدد التي يعاني منها الجيش الإسرائيلي نتيجة القتال في عدة ساحات وجبهات في آن واحد. وحذر من أن هذا الضغط قد يؤدي إلى انهيار المنظومة الإسرائيلية بالكامل، مشيراً إلى أن المعاناة الحقيقية التي يعيشها سكان المستوطنات الشمالية تعكس حجم الفشل في تحقيق حسم سريع.

وفيما يتعلق بالاستراتيجية المتبعة، يرى آيلاند أن السيطرة على مناطق تضم سكاناً معادين أثبتت عدم جدواها، وهو ما يبرر سياسة الأرض المحروقة في الجنوب اللبناني. ومع ذلك، لفت إلى أن تقليص قدرات 'قوة رضوان' ومنعها من التسلل لا يعني بالضرورة القضاء على التهديد الصاروخي الذي يمتلك فيه الحزب مخزوناً شبه غير محدود.

وتطرق آيلاند إلى الدور الأمريكي والإيراني في الصراع، مشيراً إلى أن واشنطن وتل أبيب دخلتا هذه المواجهة دون تقدير دقيق لقدرات طهران الحقيقية. وأبدى تخوفه من سيناريو تقوم فيه إيران بإغلاق مضيق هرمز، أو استمرارها في استنزاف إسرائيل عبر إطلاق صواريخ يومية تشل الحياة العامة لفترات طويلة.

كما تساءل عن الحكمة من عدم انتظار نتائج الهجمات على إيران وتقييم تداعياتها قبل توسيع نطاق المواجهة في لبنان بشكل دراماتيكي. واعتبر أن الاعتقاد الإسرائيلي السائد بإمكانية تحقيق كل الأهداف السياسية عبر القوة العسكرية المحضة هو اعتقاد مكلف جداً من الناحيتين البشرية والاقتصادية.

وفي سياق انتقاداته، أشار آيلاند إلى أن العبء الملقى على كاهل جنود الاحتياط والجيش النظامي وصل إلى مستويات خطيرة قد لا يمكن تحملها طويلاً. وأوضح أن هناك حدوداً لقدرة أي جيش، مهما بلغت قوته، على الانتشار الفعال والعمل بكفاءة عالية في جبهات متعددة ومتباعدة جغرافياً.

كما أبدى المسؤول السابق شكوكاً حول الجدوى الاستراتيجية للبقاء العسكري في بعض الساحات الأخرى مثل سوريا، معتبراً أن التمسك بمناطق جغرافية لمجرد السيطرة عليها قد يكون عبئاً إضافياً. ودعا إلى إعادة تقييم شاملة للأهداف العسكرية بما يتناسب مع القدرات الفعلية والواقع الميداني المتغير.

وخلص آيلاند إلى أن الفجوة تتسع بين الخطاب السياسي المتفائل الذي يروج له القادة في تل أبيب وبين الوقائع الصعبة على الأرض. وحذر من أن استمرار النزيف البشري والمادي دون أفق سياسي واضح سيؤدي إلى نتائج كارثية، مؤكداً أن المسار الحالي يتسم بالصعوبة والكلفة الباهظة التي لم تكن متوقعة.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة القيادة الأمريكية في الأسبوع السادس للحرب ضد إيران: ترامب بين ضغط الشارع وعزلة الحلفاء

تدخل المواجهة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة بدعم إسرائيلي ضد إيران أسبوعها السادس، وسط حالة من الترقب الدولي لمآلات هذا التصعيد. وقد سادت خيبة أمل واسعة عقب الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي جاء مرتبكاً ولم يقدم رؤية واضحة للخروج من مأزق الحرب المستعرة.

وتشير المعطيات الراهنة إلى تدهور غير مسبوق في شعبية الرئيس ترامب داخل الولايات المتحدة، حيث هبطت معدلات التأييد له إلى نحو 17 في المئة. ويعكس هذا الرقم حالة من السخط الشعبي تجاه السياسات الخارجية التي يتبعها البيت الأبيض، والتي يراها قطاع واسع من الأمريكيين استنزافاً لموارد البلاد.

في غضون ذلك، شهدت المدن الأمريكية الكبرى موجة عارمة من الاحتجاجات، حيث خرج ما يقارب ثمانية ملايين متظاهر إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم لاستمرار الحرب. وتطالب هذه الحشود بوقف فوري للعمليات العسكرية والتركيز على حل الأزمات الداخلية التي بدأت تنهك المجتمع الأمريكي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأ المواطن الأمريكي يلمس آثار الحرب بشكل مباشر من خلال موجة غلاء فاحش طالت السلع الأساسية والخدمات. كما سادت حالة من الفوضى في قطاع النقل الجوي، تمثلت في إلغاء وتأجيل آلاف الرحلات، مما زاد من حالة التذمر الشعبي ضد الإدارة الحالية.

ولم تقتصر الأزمة على الشارع فحسب، بل امتدت لتشمل أروقة صنع القرار في واشنطن، حيث برزت انقسامات حادة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. حتى داخل حركة 'ماغا' المؤيدة لترامب، بدأت أصوات تتعالى ترفض الانخراط في حرب يصفونها بأنها تخدم مصالح نتنياهو أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية.

ويرى مراقبون أن خطاب ترامب في الثاني من نيسان/ أبريل الجاري لم يعكس حجم الخسائر الداخلية التي تمنى بها إدارته. وبالرغم من الضغوط المتزايدة، لم يجنح الرئيس نحو خيار التهدئة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الإصرار على مواصلة التصعيد العسكري.

وتشير بعض التحليلات إلى أن ترامب قد يكون خاضعاً لعمليات ابتزاز تتعلق بملفات حساسة، من بينها مستندات مرتبطة بقضية 'إبستين'. وتتضمن هذه الملفات اتهامات خطيرة قد تنهي مستقبله السياسي، مما يجعله في وضع دفاعي يحاول الهروب منه عبر التصعيد في الجبهات الخارجية.

وعلى المستوى الدولي، تعيش الولايات المتحدة حالة من العزلة المتزايدة نتيجة سياساتها الصدامية مع القوى الكبرى والمنظمات الدولية. وقد أدى إغلاق الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز إلى شلل في حركة التجارة العالمية، مما أثار حفيظة الدول التي تعتمد على إمدادات الطاقة من المنطقة.

وتتفاقم الأزمة الدبلوماسية مع الحلفاء الأوروبيين بشكل ينذر بانهيار حلف شمال الأطلسي 'الناتو' نتيجة تعامل الإدارة الأمريكية بفوقية مع شركائها. ويرى القادة الأوروبيون أن سياسة ترامب الحالية تتجاهل المصالح الاستراتيجية للقارة العجوز وتدفع بالعالم نحو حافة الهاوية.

إن الاستخفاف الأمريكي بالدور الأوروبي في السياسة العالمية قد يكلف واشنطن الكثير على المدى البعيد، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة. فالتعامل بلغة الاحتقار مع الحلفاء التقليديين يضعف الجبهة الغربية ويمنح خصوم الولايات المتحدة فرصاً لتعزيز نفوذهم على حساب التراجع الأمريكي.

وكان من المفترض أن يشكل خطاب نيسان/ أبريل نقطة تحول لإنهاء الحرب التي بدأت تتحول إلى عبء ثقيل على كاهل الدولة الأمريكية. إلا أن غياب الرؤية السياسية والتمسك بالخيار العسكري قد يقودان البلاد إلى هزيمة استراتيجية يصعب تدارك آثارها في المستقبل القريب.

وتتصاعد المخاوف الدولية من احتمال لجوء الإدارة الأمريكية إلى استخدام أسلحة غير تقليدية، بما في ذلك السلاح النووي التكتيكي، في حال انسداد الأفق العسكري. ويرى خبراء أن مثل هذه الخطوة ستواجه برفض عالمي شامل وستؤدي إلى عواقب كارثية على من يتخذ قرار استخدامها.

وفي المقابل، يظهر الجانب الإيراني صموداً في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية، مما يعقد الحسابات الأمريكية والإسرائيلية في الميدان. إن عدم الاستسلام للتهديدات النووية يضع ترامب ونتنياهو في مأزق تاريخي، حيث يتحول السلاح المدمر إلى أداة انتحار سياسي لمستخدمه.

ختاماً، يبدو أن الأسبوع السادس للحرب يمثل مفترق طرق حاسماً للقيادة الأمريكية التي تجد نفسها محاصرة بين غضب الداخل وعزلة الخارج. إن الاستمرار في هذا النهج العدواني قد لا يؤدي فقط إلى خسارة الحرب، بل إلى تغيير وجه الخارطة السياسية الدولية بشكل جذري.

تحليل

الجمعة 03 أبريل 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

جماعة الفتيان: التنظيم الذي أنقذ تماسك الأمة من ركام الغزو المغولي

خلال الرحلة التاريخية الشهيرة التي قام بها الرحالة المغربي ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري، رصد ظاهرة اجتماعية وتظيمية فريدة امتدت من المغرب إلى حدود الصين. فقد وجد في كل مدينة يزورها زوايا مفتوحة تديرها جماعة تطلق على نفسها 'الفتيان'، حيث يتشاركون قيم الإيثار والتكافل تحت قيادة نقيب ينظم شؤونهم.

كانت هذه الجماعة تمثل شبكة عابرة للحدود السياسية المتصارعة في ذلك الوقت، حيث ربطت بين أقاليم يحكمها المماليك في مصر والشام، وأخرى تحت سيطرة المغول الإيلخانيين في العراق وفارس. وقد اعتمدت الجماعة نظاماً تربوياً يمزج بين الارتقاء الروحي والتدريب البدني العسكري القائم على قيم الفروسية.

وصف الرحالة ابن بطوطة كرم هذه الطائفة وإيثارها المنقطع النظير، مشيراً إلى أن الغريب في ديارهم يلقى معاملة الأهل والأحباب. ولم يكن هذا الوصف وليد اللحظة، بل سبقه بقرون وصف القاضي عبد الجبار المعتزلي لهم بأنهم 'رهبان بالليل وفرسان بالنهار'، في إشارة لجمعهم بين العبادة والقوة.

شهدت علاقة 'الفتيان' بالسلطة السياسية تحولات كبرى، بلغت ذروتها حين تبنى الخليفة العباسي الناصر لدين الله هذا التنظيم رسمياً. فقد نصب الخليفة نفسه 'شيخاً للفتيان'، مما منح الجماعة زخماً رسمياً وقدرة أكبر على التأثير في مفاصل الدولة والمجتمع خلال فترة حكمه.

جاءت اللحظة الفارقة في تاريخ الأمة مع سقوط بغداد عام 656هـ على يد المغول، حيث انهارت الجيوش والمؤسسات الرسمية أمام الطوفان الوثني. وفي ظل هذا الخراب، برزت جماعة الفتيان كحائط صد مجتمعي حافظ على هوية الناس ودينهم وتراثهم من الاندثار الكامل.

لم تكتفِ الجماعة بالدور الدفاعي، بل أعادت تنظيم صفوفها لتكون سنداً للقوى المقاومة، وهو ما تجلى في تحالف السلطان الظاهر بيبرس معهم. فقد انضم بيبرس للجماعة في مشهد مهيب عقب صلاة العيد عام 659هـ، ليعزز جبهته الداخلية في مواجهة الصليبيين والمغول.

وفي الأناضول، كانت الدولة العثمانية الناشئة تجد في 'الفتيان' ظهيراً اجتماعياً قوياً ساعدها على التمدد والانتشار. حتى في المدن التي كانت لا تزال تحت الحكم البيزنطي، كانت زوايا الفتيان تمثل مراكز إشعاع حضاري وديني تحافظ على الوجود الإسلامي وتماسكه.

لعبت الجماعة دوراً محورياً في نشر الإسلام داخل المناطق التي سيطر عليها المغول، حيث عملت جنباً إلى جنب مع الطرق الصوفية. وبفضل جهودهم الدعوية، تحول الفاتحون المغول الوثنيون إلى الإسلام، مما غير مسار التاريخ في تلك المناطق الشاسعة.

تميز تنظيم الفتيان بدقة عالية ورباط عقدي تجاوز القوميات والأعراق، وهو ما أكده ابن بطوطة بملاحظة وجود شيوخ من مصر والعراق في زوايا القرم والأناضول. هذا التماسك العابر للجغرافيا أثبت أن قوة الأمة تكمن في متانة نسيجها المجتمعي لا في قوة جيوشها الرسمية فقط.

إن تجربة هذه الجماعة تحمل دروساً بليغة للأجيال المعاصرة حول كيفية مواجهة الانكسارات العنيفة والكوارث السياسية. فبينما قد تسقط الحكومات وتنهزم الجيوش، يبقى المجتمع القوي المنظم هو الضمانة الوحيدة للبقاء وإعادة النهوض من تحت الركام.

تجسد 'جماعة الفتيان' المعنى الحقيقي للأمة الواحدة التي لا تعترف بالحدود المصطنعة حين يتعلق الأمر بالقيم والمبادئ. فقد ترجم أبناؤها العقيدة إلى ممارسات يومية من الرحمة والنجدة والشهامة، مما جعلهم ملاذاً للمحتاجين ومنارة للمائهين في أوقات المحن.

لقد كانت هذه المعاني والقيم هي الرافعة الحقيقية التي انتشلت الأمة من دمار الغزو المغولي الشامل الذي استهدف وجودها. وبفضل هذا الوعي المجتمعي، استطاعت الشعوب الإسلامية استعادة زمام المبادرة وبناء دول وحضارات جديدة على أنقاض الخراب.

تؤكد المصادر التاريخية أن سر استمرار هذه الجماعة كان يكمن في استقلاليتها النسبية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات السياسية القاسية. فكانت الزاوية ليست مجرد مكان للمبيت، بل مدرسة لتخريج رجال يحملون همّ الأمة ويذودون عن حياضها في أحلك الظروف.

ختاماً، تظل تجربة 'الفتيان' نموذجاً ملهماً في كيفية استعادة النهوض الحضاري عبر تمتين الروابط الاجتماعية والتمسك بالقيم الأخلاقية. وهي تجربة تؤكد أن الوعي المجتمعي هو السد المنيع في وجه كل الدعوات الهدامة التي تستهدف تمزيق نسيج الشعوب.

تحليل

الجمعة 03 أبريل 2026 1:50 مساءً - بتوقيت القدس

بين العلم واللاهوت.. كاثرين هاردن تفكك مفهوم 'الإنسان الشرير' في كتابها الجديد

فتحت عالمة النفس الأمريكية كاثرين بايج هاردن، الأستاذة بجامعة تكساس في أوستن، نقاشاً فكرياً وعلمياً واسعاً من خلال كتابها الجديد الذي يحمل عنوان 'الخطيئة الأصلية: جينات الخطأ، معضلة اللوم، ومستقبل الغفران'. يتناول الكتاب واحدة من أعقد القضايا الفلسفية والعلمية، وهي مدى تأصل الشر في الطبيعة البشرية، وما إذا كان السلوك المنحرف نتاجاً للجينات أم للظروف البيئية المحيطة.

تعتمد هاردن في أطروحتها على أبحاث حديثة في علم الوراثة السلوكي، مشيرة إلى أن بعض السمات مثل ضعف التنظيم الذاتي أو الميل للمخاطرة قد ترتبط بأنماط جينية معينة. ومع ذلك، تؤكد المصادر أن المؤلفة ترفض بشدة القراءات الحتمية التي تختزل الإنسان في شفرته الوراثية، معتبرة أن التفاعل المستمر بين البيولوجيا والبيئة هو ما يصيغ الشخصية الإنسانية.

يبرز الكتاب كيف أن مفهوم 'الخطيئة الأصلية' اللاهوتي لا يزال يلقي بظلاله على الأنظمة القانونية الحديثة، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. وترى هاردن أن النظام الجنائي هناك يتعامل مع المجرمين بناءً على فرضية مضمرة بأنهم 'أشرار بطبيعتهم'، مما يبرر عقوبات قاسية تتجاهل إمكانية الإصلاح أو التغيير السلوكي.

تنتقد هاردن بشدة السياسات العقابية التي لا تمنح فرصة ثانية، مثل السجن المؤبد لمن ارتكبوا جرائم في سن مبكرة، معتبرة أن هذا النهج يختزل الكيان الإنساني في أسوأ لحظات حياته. وتدعو بدلاً من ذلك إلى فهم أعمق للدوافع البيولوجية والاجتماعية التي تقود للفعل الإجرامي دون إسقاط المسؤولية الفردية بالكامل.

وفيما يتعلق بالمسؤولية الأخلاقية، تقدم هاردن طرحاً وسطاً يرفض نفي الإرادة الحرة تماماً، لكنه يطالب بتقدير الظروف الخارجة عن إرادة الفرد. فهي ترى أن مساءلة الشخص عن أفعاله هي اعتراف ضمني بإنسانيته وقدرته على الاختيار، بشرط أن يكون العقاب قائماً على الفهم والإصلاح لا على الانتقام والإذلال.

يتطرق الكتاب أيضاً إلى القضايا الأخلاقية المرتبطة بالتقدم العلمي، مثل فكرة هندسة الأجنة لاختيار صفات سلوكية معينة كالانضباط العالي. وترفض هاردن هذا التوجه التحسيني، محذرة من أنه يعيد إحياء أفكار 'اليوجينيا' التي تصنف البشر وفق معايير بيولوجية ضيقة تفتقر للتنوع الإنساني الضروري.

تؤكد المؤلفة أن المجتمعات البشرية بحاجة إلى التنوع الجيني والسلوكي، بما في ذلك الأفراد الذين يميلون إلى التمرد أو الخروج عن المألوف. فهؤلاء الأفراد، بحسب رؤيتها، غالباً ما يكونون المحرك الأساسي للابتكار والتغيير الاجتماعي، ولا يمكن حصر قيمتهم في معايير الانضباط التقليدية فقط.

يعتبر هذا العمل امتداداً لمشروع هاردن الفكري الذي بدأته في كتابها السابق 'اليانصيب الجيني'، حيث ناقشت كيف يؤثر الحظ الوراثي على فرص النجاح والاستحقاق. وهي تواصل هنا محاولة بناء جسر بين المعطيات العلمية الصلبة وبين المفاهيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية التي تهم المجتمعات المعاصرة.

تشير مصادر متابعة لأعمال هاردن إلى أن خلفيتها الشخصية، ونشأتها في بيئة دينية محافظة بجنوب الولايات المتحدة، أثرت بشكل كبير على اهتمامها بالربط بين العلم والدين. هذا التداخل يمنح كتاباتها بعداً إنسانياً يجعلها قادرة على مخاطبة الجمهور العام بعيداً عن لغة المختبرات الجافة.

توضح هاردن أن الاعتراف بتأثير الجينات لا ينبغي أن يكون ذريعة لتبرير اللامساواة أو التمييز ضد فئات معينة. بل على العكس، يجب أن يدفع هذا الفهم نحو تبني سياسات اجتماعية أكثر إنصافاً تأخذ في الحسبان أن الأفراد لا يبدأون حياتهم من نفس نقطة الانطلاق البيولوجية.

يسعى الكتاب إلى تقديم رؤية متوازنة للإنسان بوصفه كائناً مسؤولاً ولكنه في الوقت ذاته نتاج لظروف معقدة ومتداخلة. وتخلص هاردن إلى أن العدالة الحقيقية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال نظام يجمع بين المحاسبة والرحمة، ويحترم كرامة الإنسان مهما بلغت درجة خطئه.

من خلال تحليلها المعمق، تدعو هاردن المؤسسات القانونية والتربوية إلى إعادة التفكير في أسس الحكم الأخلاقي، مشددة على أن العلم يجب أن يخدم الإنسانية لا أن يستخدم كأداة للتصنيف أو الإقصاء. إنها دعوة للعودة إلى جوهر العدالة الذي يراعي الضعف البشري والتعقيد الوراثي.

تعد كاثرين بايج هاردن اليوم من أبرز الأصوات في علم النفس المعاصر، حيث نجحت في نقل النقاشات الأكاديمية حول الوراثة إلى الفضاء العام. وتتميز قدرتها البحثية بالربط بين الإحصاءات الحيوية وبين الأسئلة الوجودية الكبرى التي تشغل بال الفلاسفة والمصلحين الاجتماعيين.

في الختام، يمثل كتاب 'الخطيئة الأصلية' صرخة فكرية ضد التبسيط في فهم السلوك البشري، ومحاولة جادة لتجاوز الثنائية التقليدية بين 'الطبيعة والتنشئة'. إنه عمل يدعو لبناء مجتمعات أكثر إنسانية، تعترف بالحقائق العلمية دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية أو إيمانها بقدرة الإنسان على التغيير.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 1:50 مساءً - بتوقيت القدس

خطاب السيسي في مؤتمر 'إيجبس': مناشدة لترامب بوقف الحرب وطلبات لدعم مالي عاجل

شهدت أروقة مؤتمر 'إيجبس' لعام 2026 تحولاً لافتاً في الخطاب الدبلوماسي المصري، حيث وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي نداءً علنياً ومباشراً إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وطالب السيسي خلال كلمته بتدخل واشنطن العاجل لإنهاء النزاعات المسلحة في المنطقة، مؤكداً أن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة القادرة على حسم هذا الملف.

هذا النداء المباشر اعتبره مراقبون اعترافاً صريحاً بمحدودية الأدوات الدبلوماسية الإقليمية في الوقت الراهن أمام تعقد الصراعات. وقد أثار هذا الموقف تساؤلات حول طبيعة الدور المصري المستقبلي في ملفات الوساطة التقليدية التي كانت القاهرة تضطلع بها تاريخياً.

ولم يقتصر المشهد على المناشدات السياسية، بل كشفت مصادر مطلعة عن تحركات مصرية موازية لطلب دعم مالي عاجل من القوى الغربية. وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة ناتجة عن اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الطاقة العالمية.

وأفادت تقارير بأن الخارجية المصرية أجرت اتصالات رفيعة المستوى مع الجانب الأمريكي لتأمين سيولة نقدية تسهم في تخفيف حدة الأزمة المعيشية. ويهدف هذا التحرك إلى توفير غطاء مالي لمواجهة الارتفاعات الحادة في أسعار السلع الأساسية التي أثقلت كاهل الموازنة العامة للدولة.

ويرى محللون أن لجوء القاهرة لطلب المساعدة المباشرة يعكس عمق التحديات التي تواجه القطاعات الحيوية مثل السياحة وقناة السويس. فقد أدت التوترات الإقليمية إلى تراجع ملحوظ في الإيرادات الدولارية، مما وضع صانع القرار في مواجهة خيارات صعبة.

الخطاب الذي تبناه النظام المصري مؤخراً يضعه في موقف حرج أمام الرأي العام الداخلي الذي يراقب تداعيات الاعتماد على الخارج. فبينما يراه البعض تحركاً تكتيكياً ضرورياً، يصفه آخرون بأنه تراجع في سقف السيادة الوطنية والقرار المستقل.

إن الاعتماد المتزايد على النفوذ الأمريكي لحل الأزمات الإقليمية قد يؤدي إلى تهميش الدور القيادي لمصر في محيطها العربي والإفريقي. هذا التحول يفرض على القاهرة إعادة تقييم استراتيجياتها لضمان عدم تحولها إلى طرف تابع في معادلات القوى الدولية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن استجداء السيولة النقدية يظهر هشاشة السياسات المالية المتبعة في إدارة الأزمات الكبرى. وتبرز الحاجة الملحة الآن لتبني إصلاحات هيكلية حقيقية تقلل من الارتهان للمساعدات والقروض الخارجية التي تفرض شروطاً قاسية.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن الفجوة بين الطموحات القومية والواقع الاقتصادي باتت تتسع بشكل يهدد الاستقرار الاجتماعي. فالمواطن المصري بات يشعر بوطأة هذه الأزمات من خلال التضخم غير المسبوق وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.

وفي ظل هذه الظروف، تبرز مخاوف من استغلال القوى الدولية لهذه الحاجة المصرية لفرض أجندات سياسية معينة في المنطقة. فالسياسة الدولية لا تعرف المنح المجانية، وكل دعم مالي غالباً ما يكون مشروطاً بتنازلات في ملفات استراتيجية حساسة.

إن مستقبل الدور المصري بات مرهوناً بالقدرة على استعادة التوازن بين المتطلبات الاقتصادية الملحة والحفاظ على الكرامة السياسية. ويتطلب ذلك رؤية وطنية شاملة تعتمد على الموارد الذاتية وتفعيل أدوات القوة الناعمة والصلبة بشكل متناغم.

المناشدة التي وجهها السيسي لترامب قد تُفهم في سياق 'الواقعية السياسية'، لكنها تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية بعيدة المدى. فهي تعطي انطباعاً بأن مفاتيح الحل والعقد لم تعد بيد العواصم العربية، بل انتقلت بالكامل إلى البيت الأبيض.

ختاماً، يظل السؤال المطروح في الشارع المصري حول جدوى هذه السياسات في حماية مصالح الدولة العليا. فالتاريخ يثبت أن الدول التي تبني نهضتها على استجداء القوى الكبرى تظل دائماً عرضة للتقلبات السياسية الدولية التي لا ترحم الضعفاء.

إن المرحلة القادمة تتطلب مصارحة حقيقية مع الشعب حول طبيعة الأزمة وسبل الخروج منها بعيداً عن لغة التوسل. فمصر تمتلك من المقومات البشرية والجغرافية ما يؤهلها لتكون لاعباً فاعلاً لا مجرد مستغيث ينتظر الحلول من وراء البحار.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 1:49 مساءً - بتوقيت القدس

مجزرة في بانو.. مقتل نساء وأطفال بهجوم انتحاري شمال غرب باكستان

استيقظت مدينة بانو في إقليم خيبر بختونخوا شمال غرب باكستان على وقع فاجعة إنسانية، عقب هجوم انتحاري دامٍ استهدف منزلاً مدنياً مساء الخميس. وأسفر الانفجار عن مقتل طفلين وثلاث نساء على الأقل، بالإضافة إلى إصابة أربعة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة نُقلوا على إثرها إلى المستشفيات القريبة لتلقي العلاج العاجل.

وأوضحت مصادر أمنية محلية أن الانتحاري كان يسعى على الأرجح للوصول إلى مركز للشرطة في المنطقة لتنفيذ هجومه، إلا أن العبوة الناسفة انفجرت قبل وصوله إلى الهدف المحدد. هذا الانفجار المبكر أدى إلى تدمير أجزاء من منزل تقطنه عائلة مدنية، مما حول الموقع إلى ساحة من الركام والدماء وسط حالة من الذعر بين السكان المحليين.

ورغم عدم إعلان أي تنظيم مسلّح مسؤوليته عن العملية حتى اللحظة، إلا أن أصابع الاتهام تتجه بشكل مباشر نحو حركة طالبان باكستان. وتعرف هذه الحركة بنشاطها المكثف في المناطق الحدودية الوعرة، حيث دأبت على تنفيذ عمليات مشابهة تستهدف القوات الأمنية والمنشآت الحكومية والمدنية على حد سواء.

وتشهد باكستان تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الهجمات المسلحة منذ استعادة حركة طالبان السيطرة على الحكم في الجارة أفغانستان عام 2021. وترى السلطات في إسلام آباد أن الجماعات المسلحة تستفيد من الفراغ الأمني والحدود المفتوحة لتنفيذ عملياتها، وهو ما أدى إلى توتر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في الآونة الأخيرة.

وفي سياق متصل، تواصل الحكومة الباكستانية توجيه اتهامات صريحة للسلطات في كابول بتوفير ملاذات آمنة للمسلحين الذين يخططون لشن هجمات داخل الأراضي الباكستانية. وفي المقابل، تصر حكومة طالبان في أفغانستان على نفي هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكدة أنها لا تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً لأي أعمال عدائية ضد دول الجوار.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 1:49 مساءً - بتوقيت القدس

بين تحالف طهران وحاجة أوروبا للغاز: الجزائر تعيد رسم استراتيجيتها وسط الحرب الإقليمية

تجد الدولة الجزائرية نفسها اليوم في قلب عاصفة جيوسياسية معقدة، حيث تفرض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واقعاً جديداً يتطلب موازنة دقيقة. تسعى الجزائر للحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية القديمة مع طهران، وفي الوقت ذاته استثمار موقعها كأحد أضخم موردي الغاز للقارة الأوروبية.

أشارت تقارير دولية إلى أن الجزائر تتبنى نهجاً حذراً للغاية وسط هذه الاضطرابات، فهي تدرك حجم الفرص الاقتصادية المتاحة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. وبصفتها المنتج الأكبر للغاز في أفريقيا، فإنها تمتلك أوراق ضغط قوية في مواجهة الاحتياجات الغربية المتزايدة.

اتسم الموقف الرسمي الجزائري بالصمت النسبي عقب الضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية وأدت لمقتل المرشد الأعلى، وهو ما اعتبره مراقبون تحولاً تكتيكياً. فرغم التضامن التقليدي، إلا أن الجزائر تجنبت إدانة الولايات المتحدة بشكل مباشر، مفضلة لغة دبلوماسية عامة تدعو لحماية المصالح العربية.

يرى محللون أن هذا الانضباط الدبلوماسي يعكس رغبة القيادة الجزائرية في حماية مصالحها القومية وتجنب الانخراط في صراع متعدد الأطراف. فالجزائر تدرك أن الانحياز الصريح في هذا التوقيت قد يعرض طموحاتها الاقتصادية في سوق الطاقة الأوروبي لمخاطر هي في غنى عنها.

تاريخياً، ارتبطت الجزائر وإيران بعلاقات وثيقة قامت على أسس معارضة السياسات الإسرائيلية والسعي لتعزيز النفوذ في مناطق غرب أفريقيا. كما تلعب إيران دوراً في دعم مواقف الجزائر بشأن قضية الصحراء الغربية، وهو ملف يمثل أولوية قصوى للأمن القومي الجزائري.

في المقابل، تبرز التحركات الدبلوماسية الأخيرة رغبة الجزائر في تنويع شركائها الدوليين وتقليل الاعتماد على مسارات محددة. وقد صرحت مصادر دبلوماسية بأن الاستراتيجية الحالية تهدف لتجنب الصدامات المباشرة مع الإدارة الأمريكية الحالية مع الحفاظ على استقلالية القرار.

على الصعيد الاقتصادي، تحولت الجزائر إلى وجهة رئيسية للقادة الأوروبيين الباحثين عن بدائل آمنة للطاقة، حيث استقبل الرئيس عبد المجيد تبون مسؤولين من إيطاليا وإسبانيا. تهدف هذه اللقاءات إلى تأمين تدفقات إضافية من الغاز لتعويض النقص الحاد الناجم عن تعطل الإمدادات من مناطق صراع أخرى.

تطمح الجزائر حالياً لإعادة التفاوض على عقود التصدير، مع مساعٍ لرفع الأسعار بنسبة تصل إلى 20%، مستغلةً تعطل محطات الغاز المسال في دول منافسة. وتوفر الجزائر حالياً نحو ثلث احتياجات إيطاليا السنوية من الغاز، مما يمنحها ميزة تفاوضية كبرى في المشهد الدولي.

يتم نقل الغاز الجزائري عبر بنية تحتية استراتيجية تشمل خط 'مدغاز' الواصل إلى إسبانيا وخط 'ترانس ميد' المار عبر تونس إلى إيطاليا. ورغم تحديات تقادم بعض هذه المنشآت، إلا أن الجزائر تعمل على تحديث قدراتها الإنتاجية لضمان استمرارية التدفقات وزيادة حصتها السوقية.

المنافسة الإقليمية مع المغرب تظل حاضرة في الحسابات الجزائرية، حيث تسعى الجزائر لتعزيز تفوقها الاقتصادي عبر صفقات طاقة ضخمة. فبينما يعاني المغرب من ضغوط التضخم وارتفاع تكاليف الوقود، تبرم الجزائر اتفاقيات نفطية جديدة مع دول مثل ساحل العاج والنيجر.

شركة 'سوناطراك' الحكومية بدأت بالفعل خطوات عملية للتنقيب في دول الساحل، معلنةً عن برامج استثمارية بملايين الدولارات لتطوير بنية التعدين في بوركينا فاسو. هذه التحركات تهدف لملء الفراغ الذي قد يتركه تراجع النفوذ الإيراني المنشغل بأزماته الداخلية.

يرى خبراء أن التوسع الجزائري في منطقة الساحل يمثل خطوة استباقية لبناء منظومة أمنية واقتصادية متكاملة تحمي حدودها الجنوبية. فمع تصاعد العنف في تلك المنطقة، تصبح الاستثمارات في قطاع الطاقة وسيلة لتعزيز الاستقرار وضمان الولاءات السياسية للدول المجاورة.

الجزائر تدرك أن شبكات الأمن الإيرانية التي كانت تعتمد عليها قد تضعف نتيجة تركيز طهران على بقاء نظامها السياسي تحت وطأة الحرب. لذا، فإن الانفتاح على الغرب اقتصادياً مع الحفاظ على سياسة 'عدم الانحياز' عسكرياً يمثل الممر الآمن الوحيد للبلاد في هذه المرحلة.

في نهاية المطاف، تظل الخيارات الجزائرية محكومة بضرورات الواقعية السياسية التي تفرضها التحولات الكبرى في موازين القوى العالمية. فبين الوفاء لتحالفات الماضي واقتناص فرص المستقبل، ترسم الجزائر مساراً جديداً يضع مصالحها الاقتصادية والأمنية فوق أي اعتبار أيديولوجي.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 1:49 مساءً - بتوقيت القدس

اعتراف إسرائيلي بصعوبة نزع سلاح حزب الله وخطة لتدمير القرى الحدودية بعمق 3 كيلومترات

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن تكثيف عملياته العسكرية في الأراضي اللبنانية، مشيراً إلى استهداف أكثر من 3500 موقع خلال الشهر الأخير من العدوان المستمر. وزعمت مصادر عسكرية أن هذه الضربات طالت بنى تحتية ومخازن أسلحة ومقرات قيادة تابعة لحزب الله، مدعيةً القضاء على نحو ألف مقاتل خلال هذه الفترة.

في المقابل، كشفت وزارة الصحة اللبنانية عن حصيلة مروعة للعدوان الإسرائيلي، حيث أكدت استشهاد أكثر من 1345 مواطناً وإصابة ما يزيد عن 4000 آخرين. وأوضحت البيانات الرسمية أن الضحايا يضمون مئات الأطفال والنساء، بالإضافة إلى استهداف مباشر للقطاع الصحي أسفر عن استشهاد 53 من العاملين فيه.

وفي تطور لافت، نقلت تقارير إعلامية عن مسؤول رفيع في جيش الاحتلال اعترافه بصعوبة تحقيق الأهداف المعلنة للحرب في الشمال. وأكد المسؤول أن فكرة نزع سلاح حزب الله بشكل كامل هي هدف غير واقعي، نظراً لأن تحقيق ذلك يتطلب السيطرة العسكرية الكاملة على كافة الأراضي اللبنانية.

وأشار المسؤول العسكري إلى أن الجيش يسعى حالياً للمواءمة بين سقف التوقعات الذي تضعه الحكومة الإسرائيلية وبين القدرات الفعلية على الأرض. ويبدو أن هذه التصريحات تهدف إلى تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لنتائج قد لا تتطابق مع الوعود السياسية التي أطلقها وزراء في الحكومة بشأن القضاء التام على قدرات الحزب.

وكشفت المصادر ذاتها عن توجه عسكري لتقديم خطة ممنهجة للمستوى السياسي تقضي بتدمير شامل للقرى اللبنانية الواقعة على خط التماس. وتستهدف الخطة تسوية كافة المباني والمنشآت بالأرض في نطاق يصل إلى ثلاثة كيلومترات من الحدود، بهدف خلق منطقة عازلة تمنع عودة السكان أو المقاتلين.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن جيش الاحتلال بدأ بالفعل في تنفيذ أجزاء من هذه الخطة عبر عمليات نسف واسعة للمنازل في قرى الحافة الأمامية. وتطال هذه العمليات قرى الصف الثاني التي لم تكن ضمن دائرة التدمير المباشر في المواجهات السابقة، مما يعكس رغبة في تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي للمنطقة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن هذه التحركات العسكرية تعكس تبايناً في الرؤى بين القيادة العسكرية ووزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس. فبينما يطلق المستوى السياسي تصريحات حادة حول النصر الحاسم، تحاول القيادة العسكرية صياغة أهداف أكثر قابلية للتنفيذ من منظور أمني وعملياتي بحت.

ويرى مراقبون أن الحديث عن تدمير القرى بعمق 3 كيلومترات يمثل تحولاً من التهديدات اللفظية إلى خطط تنفيذية بدأت تظهر ملامحها في الميدان. وتعتمد هذه الاستراتيجية على سياسة الأرض المحروقة لضمان عدم وجود أي بنية تحتية يمكن استخدامها مستقبلاً في المناطق القريبة من الحدود الإسرائيلية.

كما أوضح المسؤول الإسرائيلي أن عدم الثقة في قدرة الحكومة اللبنانية أو الجيش اللبناني على ضبط الأوضاع في الجنوب يعزز من التوجه الإسرائيلي نحو التدمير المباشر. واعتبر أن الاعتماد على الحلول الدبلوماسية لنزع السلاح حتى 'الصاروخ الأخير' هو أمر لا يمكن الركون إليه في ظل المعطيات الراهنة.

وتستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في حصد أرواح المدنيين اللبنانيين وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، وسط تحذيرات دولية من تفاقم الأزمة الإنسانية. وتؤكد التقارير الواردة من الجنوب أن حجم الدمار في بعض البلدات الحدودية وصل إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة استخدام المتفجرات الثقيلة في عمليات النسف الممنهجة.

فلسطين

الجمعة 03 أبريل 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

صمم يطارد الطفولة في غزة: 35 ألف طفل مهددون بفقدان السمع جراء الانفجارات والحصار

تستمر تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية في إثقال كاهل سكان قطاع غزة، حيث برزت أزمة صحية جديدة تتمثل في فقدان آلاف الأطفال لجزء كبير من حاسة السمع. وتسببت أصوات الانفجارات العنيفة والمتواصلة، إلى جانب النقص الحاد في الرعاية الطبية، في خلق واقع مأساوي يهدد مستقبل جيل كامل من الناحية التواصلية والتعليمية.

وتجسد الطفلة سندس، البالغة من العمر ست سنوات، حجم هذه المعاناة اليومية بعد أن فقدت نحو نصف قدرتها على السمع، مما جعل تواصلها مع عائلتها وأقرانها أمراً في غاية الصعوبة. ورغم محاولات ذويها لتأهيلها باستخدام سماعات طبية بسيطة، إلا أن حالتها تتطلب تدخلاً جراحياً لزراعة قوقعة سمعية، وهو أمر مستحيل في ظل القيود الإسرائيلية المشددة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن حياة الطفلة سندس باتت شبه متوقفة قبل أن تبدأ فعلياً، حيث يرهن الاحتلال مستقبلها التعليمي بمنع دخول الأجهزة الطبية المتطورة. ويؤدي هذا التعنت المستمر منذ بداية العدوان إلى تهديد مباشر لأحلام الأطفال الفلسطينيين، مما يجبرهم على مواجهة إعاقات جسدية ونفسية في سن مبكرة جداً.

وفي مراكز الفحص المتخصصة، يسابق الأطباء الزمن لرصد حالات ضعف السمع والتدخل المبكر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من قدرات الأطفال التواصلية. وأشار الدكتور رمضان حسين إلى أن الحرب خلفت آلاف الأشخاص الذين يحتاجون إلى تدخلات سمعية عاجلة وفحوصات دورية لا تتوفر إمكانياتها بسهولة في الوقت الراهن.

وأوضح الدكتور حسين أن المعينات الطبية، وفي مقدمتها السماعات الرقمية، غير متوفرة في الأسواق المحلية ويصعب استيرادها بسبب الحصار المفروض على القطاع. هذا النقص الحاد يزيد من هشاشة الوضع الصحي للأطفال، ويضع عوائق إضافية أمام قدرتهم على الاندماج في المدارس أو ممارسة حياتهم الطبيعية كبقية أطفال العالم.

وعلى الجانب الآخر، تظهر قصص نجاح محدودة تعكس حجم الأمل الممزوج بالألم، مثل حالة الطفل سامي الذي تمكن من الحصول على سماعة أذن بعد انتظار دام أشهراً طويلة. وبات سامي الآن قادراً على استعادة جزء من عالمه الصوتي، ويحدوه الأمل في العودة إلى مقاعد الدراسة قريباً بعد فترة طويلة من الانقطاع والعزلة.

وتشير بيانات مؤسسة 'أطفالنا للصم' إلى أرقام صادمة، حيث أكدت أن نحو 35 ألف شخص في قطاع غزة إما فقدوا سمعهم كلياً أو باتوا مهددين بذلك جراء الإصابات المباشرة أو ضغط الانفجارات. وتعد هذه الإحصائية مؤشراً خطيراً على حجم الدمار غير المرئي الذي خلفته الآلة العسكرية في أجساد المدنيين.

وفي ظل هذه الأزمات الصحية، يعيش نحو 1.9 مليون نازح فلسطيني ظروفاً معيشية قاسية داخل خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة. ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، إلا أن سلطات الاحتلال لا تزال تمنع دخول المساعدات الإغاثية والطبية الأساسية ومواد الإيواء الضرورية.

يذكر أن حرب الإبادة الإسرائيلية قد خلفت حصيلة ثقيلة من الضحايا تجاوزت 72 ألف شهيد ونحو 172 ألف جريح، فضلاً عن تدمير هائل طال 90% من البنية التحتية. وتأتي أزمة فقدان السمع لتضيف فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية التي يحاول الفلسطينيون التعايش معها في ظل حصار خانق لا يرحم.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

بيونغيانغ تخلد قتلاها في أوكرانيا بمتحف ومراسم دفن رسمية

تستعد السلطات في كوريا الشمالية لإقامة مراسم جنائزية رسمية خلال شهر أبريل الجاري لدفن رفات جنودها الذين قضوا في المعارك الدائرة بأوكرانيا. وتأتي هذه الخطوة في إطار اعتراف رسمي متزايد بحجم المشاركة العسكرية لبيونغيانغ في النزاع، حيث أرسلت آلاف المقاتلين والذخائر لدعم الجبهة الروسية.

وأفادت مصادر رسمية بأن الدولة أوشكت على الانتهاء من تشييد متحف وطني مخصص لتكريم هؤلاء الجنود، حيث بلغت نسبة الإنجاز في المشروع نحو 97%. ومن المقرر أن يفتتح المتحف أبوابه تزامناً مع الذكرى السنوية الأولى لانتهاء العمليات العسكرية التي شاركت فيها هذه القوات في منطقة كورسك الحدودية.

وقام الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بزيارة ميدانية لموقع المتحف، حيث تفقد المراحل النهائية لتجهيز المعارض والمنحوتات والنصب التذكارية. وأعرب كيم عن تقديره الكبير للتقدم المحرز في المشروع، واصفاً إياه بأنه صرح تعليمي يهدف لغرس قيم الوطنية والبطولة في نفوس الأجيال القادمة.

وتشير تقديرات استخباراتية من سيول إلى أن عدد القتلى في صفوف القوات الكورية الشمالية المشاركة في الحرب بلغ نحو ألفي جندي. وتعد هذه الأرقام انعكاساً لشدة الانخراط العسكري الذي بدأ رسمياً في أبريل من العام الماضي، حين أقرت بيونغيانغ لأول مرة بإرسال وحدات قتالية لدعم موسكو.

ويرى محللون دوليون أن هذا التكريم الرسمي يهدف إلى تبرير الخسائر البشرية أمام الداخل الكوري الشمالي، في ظل المكاسب التي تحققها الدولة من هذا التحالف. حيث تتلقى بيونغيانغ مساعدات حيوية تشمل الغذاء والطاقة وتكنولوجيا عسكرية متطورة تساعدها في تجاوز العقوبات الدولية المفروضة على برنامجها النووي.

وقد أظهرت لقطات بثها الإعلام الرسمي الزعيم كيم جونغ أون وهو يشارك في مراسم تكريمية سابقة، بدا فيها متأثراً وهو يضع الأوسمة والزهور أمام صور القتلى. وتعكس هذه التحركات رغبة القيادة في إضفاء طابع من القدسية على المهمة العسكرية التي يؤديها الجنود خارج حدود البلاد.

ومن المتوقع أن تشهد المراسم المقررة في منتصف أبريل حضوراً رفيع المستوى، حيث سيتم دفن الرفات في توابيت ملفوفة بالأعلام الوطنية داخل حرم المتحف الجديد. ويمثل هذا الحدث نقطة تحول في السياسة الإعلامية للدولة المعزولة التي باتت تفاخر علناً بتحالفها العسكري الاستراتيجي مع روسيا.

تحليل

الجمعة 03 أبريل 2026 1:05 مساءً - بتوقيت القدس

تعثر النهضة العربية: قراءة في تجربة أبي الأعلى المودودي والجماعة الإسلامية

تعد تجربة أبي الأعلى المودودي والجماعة الإسلامية التي أسسها في لاهور عام 1941، واحدة من أبرز المحطات الفكرية التي أثرت في مسار الحركات الإسلامية والنهضة العربية. وقد استهدفت الجماعة منذ نشأتها إعادة إقامة الخلافة الإسلامية، مستندة إلى إنتاج فكري غزير تُرجم إلى العربية ليصبح مرجعاً أساسياً للعاملين في الساحة الإسلامية بالمنطقة.

ينقسم إرث المودودي إلى شقين أساسيين؛ الأول يتعلق بكتاباته الفكرية التي شملت العقيدة والاقتصاد والسياسة، حيث امتازت باطلاع واسع على الحضارة الغربية ومناقشتها من منظور شرعي. أما الشق الثاني فيتمثل في منهجه التغييري الذي واجه تحديات جسيمة حالت دون تحقيق كامل أهدافه السياسية في الواقع الباكستاني.

في الجانب العقدي، ركز المودودي على مفاهيم الحاكمية من خلال دراسة مصطلحات الرب والإله والدين والعبادة، مبرزاً أهمية الحكم بشرع الله كضرورة عقدية. وقد شدد في أطروحاته على أن نظام الحكم الإسلامي يختلف جوهرياً عن الأنظمة الوضعية، مؤكداً على شمولية الشريعة لكل تفاصيل الحياة البشرية.

قدم المودودي رؤية نقدية للمجتمع والسياسة، حيث تصدى لحركة التغريب في باكستان من خلال مؤلفات متخصصة حول قضايا المرأة والأسرة مثل كتاب 'الحجاب'. واستند في ردوده على دراسات علمية واجتماعية تبرز ملاءمة التشريعات الإسلامية للفطرة البشرية، محذراً من ذوبان الهوية الإسلامية في القوالب الغربية.

سياسياً، وقف المودودي في البداية ضد حزب المؤتمر الهندي بقيادة نهرو، معتبراً إياه حزباً قومياً يتبنى الماركسية ولا يمثل تطلعات المسلمين. كما انتقد الرابطة الإسلامية التي قادت الانفصال عن الهند، واصفاً منهجها بالقومي العلماني رغم استخدامها لبعض الشعارات والمصطلحات الدينية لاستمالة الجماهير.

يرى المحللون أن المودودي واجه واقعاً معقداً عند نشوء دولة باكستان عام 1947، حيث كانت القيادات السياسية، وعلى رأسها محمد علي جناح، متأثرة بالثقافة الغربية والقوانين الإنجليزية. وبالرغم من نجاح الجماعة في غرس الأفكار وإصلاح بعض الطبقات الاجتماعية، إلا أن طموحها في إصلاح منظومة الحكم واجه عقبات كبرى.

شكل صدور 'قرار المبادئ' عام 1949 نقطة تحول في مسار الجماعة، حيث اعتبر المودودي أن باكستان أصبحت دولة إسلامية رسمياً بموجب هذا القرار. وبناءً عليه، انتقلت الجماعة من مربع المعارضة والمقارعة للرابطة الإسلامية إلى مربع العمل من داخل الدولة لخدمة هذا الكيان الجديد.

يعتقد مراقبون أن هذا التحول كان متسرعاً، إذ إن القيادة السياسية التي أصدرت القرار لم تغير من سلوكها العلماني أو توجهاتها الغربية. فالدولة الإسلامية لا تقوم بمجرد نصوص قانونية، بل تتطلب قيادة مؤمنة وملتزمة بتطبيق الشريعة في كافة مفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية، وهو ما افتقدته التجربة الباكستانية آنذاك.

لم تكن الرابطة الإسلامية هي العائق الوحيد، بل برزت المؤسسة العسكرية كقوة فاعلة ومجهضة للمسار الديمقراطي الذي كانت تتحرك من خلاله الجماعة. فمنذ انقلاب الجنرال أيوب خان عام 1958، دخلت البلاد في دوامة من الحكم العسكري الذي عطل الأحزاب والبرلمانات، مما أربك حسابات الجماعة الإسلامية.

توالت الانقلابات العسكرية بقيادة يحيى خان ثم ضياء الحق، مما أدى إلى تآكل الحياة السياسية المدنية وضياع بنغلادش في عام 1971. وفي كل مرة، كانت الجماعة تجد نفسها مضطرة للبدء من الصفر، نتيجة غياب رؤية واضحة للتعامل مع نفوذ الجيش المتغلغل في مفاصل الدولة.

يُسجل للمودودي أنه كان عالماً موسوعياً استطاع الربط بين النص الشرعي وتطورات العصر، مقدماً اجتهادات رائدة في مجالات السياسة والاقتصاد. ومع ذلك، فإن تعثر مشروعه السياسي يعزى بشكل رئيسي إلى عدم تقديم إجابات استراتيجية حاسمة حول كيفية التعامل مع النخب العلمانية والمؤسسة العسكرية.

إن تجربة الجماعة الإسلامية في باكستان تقدم درساً مهماً في فقه التغيير، حيث أثبتت أن العمق الفكري وحده لا يكفي دون أدوات سياسية قادرة على المناورة. فالمثالية التي طبعت مواقف المودودي أحياناً اصطدمت بواقعية القوة التي كانت تفرضها القيادات العسكرية والسياسية المرتبطة بالغرب.

في الختام، يظل أبو الأعلى المودودي قامة فكرية أثرت في وجدان الحركات الإسلامية المعاصرة، لكن تجربته العملية بقيت رهينة التجاذبات الداخلية في باكستان. وقد أدى غياب التوازن بين الإصلاح الاجتماعي والتمكين السياسي إلى محدودية دور الجماعة في صياغة مستقبل الدولة الباكستانية.

تظل القراءة في تعثر النهضة العربية من خلال بوابة المودودي ضرورية لفهم أزمات الحكم والهوية في العالم الإسلامي. فالتحديات التي واجهها المودودي قبل عقود، من علمانية النخب وتدخل الجيش، لا تزال تمثل العوائق الرئيسية أمام أي مشروع نهضوي إسلامي في العصر الحديث.

اسرائيليات

الجمعة 03 أبريل 2026 1:04 مساءً - بتوقيت القدس

إخفاق في وقف الصواريخ: خطة إسرائيلية مقترحة لنزع سلاح حزب الله وتجفيف تمويله

تواجه إسرائيل مأزقاً ميدانياً متصاعداً في الجبهة الشمالية، حيث لا تزال صواريخ حزب الله تنهمر على المستوطنات رغم استمرار العمليات البرية. وتشير تقارير عسكرية إلى أن الجيش الإسرائيلي لم ينجح حتى الآن في تحييد القدرات الصاروخية للحزب، مما يضع القيادة أمام خيارات استراتيجية صعبة ومعقدة.

يرى يسرائيل زيف، الرئيس السابق لشعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي أن الدولة العبرية تقف حالياً عند مفترق طرق مصيري في حربها المستمرة. وأكد أن مفتاح الحل لإنهاء هذه المواجهة المتعددة الجبهات يكمن في واشنطن، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية لإنهاء العمليات العسكرية التي طال أمدها.

وحذر زيف من أن إيران لا تزال تمتلك أوراق قوة تهدد مصير الحرب، أبرزها استمرار تدفق الصواريخ التي تضع إسرائيل في حرب استنزاف طويلة. كما أشار إلى خطر اليورانيوم المخصب الذي يمثل تهديداً استراتيجياً بعيد المدى لا يمكن إغفاله في الحسابات الأمنية الإسرائيلية الحالية.

وفيما يخص الساحة اللبنانية، أوضح المسؤول العسكري السابق أن حزب الله، رغم الضربات القاسية التي تلقاها، لا يزال قادراً على إرباك الحياة اليومية للإسرائيليين. واعتبر أن الحزب عاد إلى نمط 'حرب العصابات' بعد أن فقد ملامح الجيش المنظم، وهو ما يجعله أكثر خطورة في المواجهات المباشرة.

ونبهت مصادر عسكرية من أن التوغل في عمق الأراضي اللبنانية قد يكون فخاً ينصبه الحزب لاستدراج القوات الإسرائيلية واستهدافها بسهولة. إن نشر أعداد كبيرة من الجنود في مناطق وعرة يخدم خلايا الحزب التي تختبئ وتنتظر الفرص السانحة لشن هجمات مباغتة ضد خطوط الإمداد.

وتطرق زيف إلى تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي بشأن العبء الكبير الواقع على كاهل القوات، مشيراً إلى تآكل واضح في قدرات الوحدات المقاتلة. هذا التآكل يأتي نتيجة القتال المتواصل لفترات طويلة دون تحقيق حسم عسكري نهائي ينهي تهديد القذائف والصواريخ من الشمال.

وتقترح الرؤية الجديدة ضرورة استغلال الوضع الراهن للضغط على الحكومة اللبنانية ومختلف الطوائف لنزع سلاح حزب الله بشكل فعلي. ويرى مراقبون أن أي توغل أعمق لن يحل مشكلة الصواريخ القادمة من شمال نهر الليطاني، بل قد يزيد من حجم الخسائر البشرية في صفوف الجيش.

وتتضمن الخطة المقترحة إقامة خط دفاعي محكم على المناطق الحدودية لضمان حماية المستوطنات من التسلل والتهديدات المباشرة. كما تشمل إعلان المنطقة الممتدة من نهر الليطاني جنوباً كمنطقة عسكرية مغلقة، يتم التعامل فيها مع أي هدف جوي أو بري بحزم عسكري مطلق.

وفي موازاة ذلك، تدعو الخطة لمطالبة الحكومة اللبنانية ببسط سيطرة جيشها على المناطق الواقعة شمال النهر لضمان عدم عودة المسلحين إليها. ويقترح زيف تدريب لواء كوماندوز لبناني متخصص لتفكيك بنية حزب الله التحتية، بدلاً من الاعتماد على قوات الجيش الحالية التي وصفها بأنها غير فعالة.

وتشدد الاستراتيجية المقترحة على أهمية شن حملة دولية ومحلية حازمة لتجفيف منابع تمويل حزب الله ووقف عمليات تسليحه عبر الحدود. فإضعاف الموارد المالية واللوجستية يعتبر ركيزة أساسية في أي جهد يهدف للقضاء على القدرات العسكرية للمنظمة في المدى المنظور.

كما تشير الرؤية إلى ضرورة فتح مسار مفاوضات مكثف لإنجاز اتفاق سياسي مع الدولة اللبنانية، معتبرة أن الوقت الحالي هو الأمثل لتحقيق هذا الهدف. ومثل هذا الاتفاق سيشكل ضربة قوية لنفوذ إيران في المنطقة، والتي تحاول جاهدة منع استقرار لبنان بعيداً عن هيمنتها.

ويرى زيف أن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب قد تميل لإنهاء العمليات البرية بسرعة لتجنب حرب استنزاف طويلة الأمد. ومع ذلك، يبقى الحذر سيد الموقف تجاه التقلبات السياسية في واشنطن التي قد تؤثر على مسار الدعم العسكري والسياسي لتل أبيب.

إن بقاء إسرائيل في حالة حرب استنزاف على جبهتين أو أكثر يمثل عائقاً كبيراً أمام استعادة الحياة الطبيعية والنمو الاقتصادي. فالمجتمع الإسرائيلي يحتاج إلى أفق زمني واضح لانتهاء العمليات العسكرية والبدء في مرحلة إعادة الإعمار وتثبيت الأمن في المناطق الشمالية المهجرة.

ختاماً، تؤكد هذه القراءة العسكرية أن القوة المفرطة وحدها قد لا تكون كافية لإنهاء تهديد حزب الله بشكل مستدام. فالمزيج بين الضغط العسكري الميداني، والعمل السياسي الدولي، وتجفيف المنابع المالية، هو السبيل الوحيد لضمان أمن طويل الأمد للحدود الشمالية.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 12:48 مساءً - بتوقيت القدس

قصف أمريكي يستهدف جسراً استراتيجياً شمال طهران ويوقع عشرات الضحايا

تعرضت البنية التحتية في العاصمة الإيرانية طهران لضربة جوية عنيفة نفذها الجيش الأمريكي، استهدفت جسر 'بي 1' الاستراتيجي الذي لا يزال قيد الإنجاز. وأسفرت العملية العسكرية عن وقوع مجزرة في صفوف المدنيين، حيث أكدت مصادر طبية وإعلامية مقتل ثمانية أشخاص وإصابة نحو 95 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الجسر المستهدف يمثل شريانًا حيويًا يربط العاصمة طهران بمدينة كرج، ويعد من أضخم المشاريع الهندسية التي عملت عليها الدولة الإيرانية طيلة العقد الماضي. وكان المشروع قد وصل إلى مراحله النهائية، حيث تسارعت وتيرة التشييد في العامين الأخيرين تمهيداً لافتتاحه الرسمي الذي كان مقرراً بعد نحو شهرين.

ورصدت المعاينة الميدانية تعرض الجسر لدمار واسع في نقطتين رئيسيتين، مما أدى إلى توقف العمل في المشروع الذي جرى افتتاحه تجريبياً في بعض قطاعاته مؤخراً. ويقع هذا المنشأ الحيوي بالقرب من قرية بيلقان، ويشكل جزءاً أساسياً من شبكة الطرق التي تربط المركز بمناطق الشمال والشمال الغربي من البلاد.

وتزامن القصف الجوي مع احتفالات 'يوم الطبيعة' في إيران، وهو ما فاقم من أعداد الضحايا نتيجة تواجد العائلات والمدنيين في الوادي الواقع أسفل الجسر للتنزه. وأوضحت التقارير أن الانفجارات وقعت في وقت كانت تشهد فيه المنطقة حركة تنزه نشطة، مما حول الرحلات العائلية إلى مأساة إنسانية جراء الشظايا والانهيارات.

ولم يقتصر التصعيد على العاصمة فحسب، بل امتدت الهجمات لتطال منشآت مدنية أخرى في محافظات مختلفة، حيث أعلنت السلطات في كرمانشاه عن تدمير ثلاثة جسور حيوية. كما طالت الضربات الطريق السريع الرابط بين محافظتي قم وطهران، مما يشير إلى حملة واسعة تستهدف شبكة المواصلات والخدمات اللوجستية في البلاد.

وفي ردود الفعل الرسمية، أدان وزير الخارجية الإيراني ومسؤولون رفيعو المستوى هذه الهجمات، واصفين إياها بأنها 'جرائم حرب' مكتملة الأركان تستهدف حياة المدنيين. وشددت التصريحات الرسمية على أن استهداف المنشآت الخدمية التي لا تحمل طابعاً عسكرياً يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية وتصعيداً غير مبرر.

يأتي هذا التطور الميداني الخطير في ظل تزايد التهديدات الأمريكية بمواصلة العمليات العسكرية داخل الأراضي الإيرانية، مما يفتح الباب أمام احتمالات ردود فعل واسعة. وتراقب الأوساط الدولية بقلق تداعيات هذا القصف الذي طال عمق العاصمة، محذرة من انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة تؤثر على استقرار إمدادات الطاقة والأمن الإقليمي.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

قمة فرنسية كورية في سيول لتعزيز الدفاع وتأمين الطاقة وسط أزمة مضيق هرمز

عقد الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه-ميونغ ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون قمة ثنائية في العاصمة سيول، تهدف إلى بناء جبهة اقتصادية ودفاعية موحدة. وتأتي هذه الزيارة، وهي الأولى لرئيس فرنسي منذ نحو عقد من الزمان، في توقيت حساس يشهد اضطرابات دولية حادة ناتجة عن النزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها المباشر على سلاسل الإمداد العالمية.

وركزت المباحثات بشكل أساسي على تأمين مسارات الطاقة، حيث شدد الجانبان على ضرورة صياغة سياسات مشتركة لمواجهة الارتفاع الجنوني في الأسعار. وأكد الرئيس الكوري أن ضمان سلامة الملاحة في مضيق هرمز يمثل أولوية قصوى لبلاده التي تعتمد بشكل كلي على واردات النفط والغاز عبر هذا الممر المائي الحيوي الذي تأثر بالعمليات العسكرية الأخيرة.

وفي موقف لافت يعكس تبايناً في الرؤى الغربية، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التوجه نحو الحلول العسكرية لفتح المضيق بالقوة بأنه أمر غير واقعي. ويأتي هذا التصريح رداً غير مباشر على دعوات الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترمب التي تضغط باتجاه تحرك دولي خشن لإعادة فتح الممر الملاحي الذي أغلقته إيران عقب اندلاع المواجهات في فبراير الماضي.

وعلى الصعيد العسكري، اتفق البلدان اللذان يعدان من أبرز مصدري التكنولوجيا الدفاعية في العالم على توسيع نطاق المناورات الحربية المشتركة. كما شمل الاتفاق تعزيز الشراكات في مجالات الإنتاج الحربي وتطوير القدرات الاستراتيجية، بما يضمن تعزيز الأمن القومي لكلا الطرفين في ظل حالة عدم الاستقرار التي تسيطر على المشهد السياسي العالمي.

ولم يقتصر التعاون على الجانب الدفاعي، بل امتد ليشمل قطاعات التكنولوجيا المتقدمة مثل أشباه الموصلات وتقنيات الكم والمعادن النادرة. ويسعى الطرفان من خلال هذه التفاهمات إلى رفع حجم التبادل التجاري بين باريس وسيول ليصل إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2030، صعوداً من 15 مليار دولار المسجلة في تقديرات العام الجاري، مما يعكس رغبة أكيدة في تعميق الروابط الاقتصادية.

وفي ملف الطاقة النووية، كشف مكتب الرئاسة الكورية عن توجه لتوقيع اتفاقيات ضخمة بين شركة الطاقة المائية والنووية الكورية وشركات فرنسية رائدة مثل 'أورانو' و'فراماتوم'. وتهدف هذه الشراكة إلى تأمين وقود المفاعلات النووية والتعاون المشترك لاقتناص حصص أكبر في السوق العالمية للطاقة، خاصة مع توجه الدول نحو بدائل الطاقة المستدامة والآمنة بعيداً عن تقلبات أسعار الوقود الأحفوري.

ومن المقرر أن يختتم الرئيس الفرنسي زيارته بلقاءات رفيعة المستوى مع قادة قطاع الأعمال الكوري، بمن فيهم رؤساء شركات سامسونغ وهيونداي موتور ونيفر. وتهدف هذه الاجتماعات إلى جذب المزيد من الاستثمارات المتبادلة وتطوير مشاريع مشتركة في مجالات طاقة الرياح والطيران، مما يرسخ مكانة البلدين كشريكين استراتيجيين في مواجهة التحولات الجيوسياسية الراهنة.

عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران ترفع جاهزيتها لصد تدخل بري محتمل وتفتح باب التطوع الشعبي

أعلن القائد العام للجيش الإيراني، اللواء أمير حاتمي، رفع درجة التأهب القتالي إلى المستويات القصوى، محذراً من تداعيات أي محاولة للتدخل البري داخل الحدود الإيرانية. وأكد حاتمي أن القوات المسلحة وضعت سيناريوهات شاملة للرد على أي عدوان، مشدداً على أن أي تجاوز للخطوط الحمراء سيقابل برد فعل يفوق توقعات الخصوم.

وأفادت مصادر ميدانية بأن طهران بدأت فعلياً في تنفيذ خطة تعبئة داخلية واسعة النطاق، تهدف إلى رص الصفوف وتحصين الجبهة الداخلية ضد أي اختراقات محتملة. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد الخطاب العسكري الذي يركز على حماية السيادة الوطنية، وسط تكتم شديد على تفاصيل الجاهزية العسكرية المرتبطة بالأمن القومي للدولة.

وفي خطوة تعيد للأذهان حقبة الحرب العراقية الإيرانية، فتحت السلطات باب التطوع أمام المواطنين للمساهمة في المجهود الحربي، سواء عبر الانخراط المباشر في العمليات القتالية أو تقديم الدعم اللوجستي. وشهدت المدن الكبرى مسيرات وفعاليات شعبية مؤيدة للنظام، في محاولة واضحة لردم الفجوات الاجتماعية واستقطاب فئة الشباب لمواجهة التحديات الراهنة.

وتشير المعطيات إلى أن الاستراتيجية الإيرانية الحالية تسعى لتصوير النزاع القائم كمعركة وجودية تستهدف الهوية والتاريخ الإيراني، وليس مجرد صراع سياسي عابر. وتهدف هذه البروباغندا إلى توحيد المكونات العرقية والاجتماعية المختلفة تحت راية واحدة، لمواجهة الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة.

ميدانياً، دخلت المواجهة مرحلة حرجة مع انتقال العمليات العسكرية لاستهداف البنية التحتية الحيوية، حيث طالت الضربات جسوراً وطرقاً استراتيجية تؤدي إلى العاصمة طهران. وذكرت مصادر أن هذه الهجمات تهدف بشكل أساسي إلى قطع خطوط الإمداد العسكري وشل حركة التنقل بين المحافظات الرئيسية في حال اندلاع مواجهة برية.

ولم تقتصر الاستهدافات على المنشآت العسكرية، بل شملت مواقع مدنية وعلمية داخل العاصمة، مما يشير إلى اتساع نطاق بنك الأهداف لدى القوى المهاجمة. وتتزامن هذه التطورات مع تهديدات صريحة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، توعد فيها بتدمير محطات توليد الكهرباء والمنشآت الحيوية في عمق الأراضي الإيرانية.

وفي إطار توزيع المهام، يتولى الحرس الثوري الإيراني إدارة العمليات الميدانية المباشرة والتصدي للتهديدات الخارجية على الحدود. وفي المقابل، أُنيطت بالقاعدة الشعبية والمنظمات المحلية مهمة الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع أي اضطرابات قد تستغلها أطراف خارجية لتأجيج الشارع في ظل التصعيد العسكري.

وتسود حالة من الترقب في الأوساط الدولية حيال مآلات هذا التصعيد، خاصة مع اتهام طهران لواشنطن وتل أبيب بالسعي لتحريك خلايا نائمة وتأجيج الاحتجاجات بالتزامن مع الضربات الجوية. وتبقى الخيارات مفتوحة على كافة الاحتمالات في ظل إصرار كافة الأطراف على مواقفها التصعيدية التي تهدد أمن المنطقة بأكملها.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

قانون الإعدام… فتيل الانفجار القادم في الضفة الغربية

لم يعد التشريع في دولة الاحتلال مجرد أداة لتنظيم الحياة العامة، بل تحوّل إلى سلاح مباشر يُستخدم لإعادة تعريف الصراع على أساس عنصري فجّ، حيث أقرّ الكنيست قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في خطوة تكشف بوضوح  طبيعة العدالة الزائفة في كيان مصطنع يضع القوانين على مقاسه، إذ لم يعد القانون سوى واجهة شكلية لنظام قائم على التمييز والإقصاء.

هذا القانون، الذي يقصر تطبيقه على من تصفهم المنظومة الإسرائيلية بأنهم ارتكبوا أفعالًا بدوافع "أيديولوجية أو قومية"، لا يخفي حقيقته، بل يفضحها؛ فهو موجّه حصريًا ضد الفلسطينيين، في ظل غياب أي نص مماثل يمكن أن يُطبّق على المستوطنين أو الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم موثقة بحق الفلسطينيين، بما في ذلك القتل العمد، هنا لا نتحدث عن خلل قانوني، بل عن بنية تشريعية تُصاغ بعناية لتكريس نظام تمييز عنصري مكتمل الأركان، تُمنح فيه الحياة لقومية، وتُسلب من أخرى.

الأخطر من ذلك أن هذا القانون لا يأتي في فراغ، بل في سياق سياسي وأمني شديد الاحتقان، تعيشه الضفة الغربية تحت وطأة حصار خانق، وتضييق اقتصادي متصاعد، واقتحامات يومية، واعتداءات متكررة من قبل المستوطنين المتطرفين الذين يعملون في كثير من الأحيان تحت حماية مباشرة أو غير مباشرة من قوات الاحتلال، في ظل هذا الواقع، يبدو القانون وكأنه فتيل الانفجارالقادم، او كأنه  صبّ للزيت على نار مشتعلة أصلًا، وليس إجراءً "ردعيًا" كما يدّعي مروّجوه.

إن منح المحاكم العسكرية صلاحية إصدار أحكام بالإعدام، استنادًا إلى توصيفات فضفاضة مثل "الدوافع القومية"، يفتح الباب واسعًا أمام استخدام القضاء كأداة انتقام سياسي، لا كميزان عدالة، فحين تكون الجهة التي تعتقل وتحاكم وتدين هي نفسها طرفًا في الصراع، فإن الحديث عن محاكمة عادلة يصبح بلا معنى، وحين يُضاف إلى ذلك خطاب رسمي ينكر وجود "إرهاب يهودي" ويصنّف الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، ضمن دائرة "الإرهاب"، فإننا أمام محاولة ممنهجة لنزع الإنسانية عن شعب بأكمله تمهيدًا لتبرير أقسى العقوبات بحقه.

هذا القانون لا يهدد فقط حياة الأسرى الفلسطينيين، بل يهدد ما تبقى من استقرار هش في الضفة الغربية، فهو يبعث برسالة واضحة مفادها أن المرحلة القادمة ستكون أكثر قسوة، وأن الخيارات أمام الفلسطينيين تضيق إلى حد الاختناق، وفي بيئة مشبعة بالغضب واليأس، حيث تتآكل الثقة بأي أفق سياسي أو قانوني، فإن مثل هذا التشريع قد يتحول إلى الشرارة التي تشعل انفجارًا واسعًا، لن تقتصر تداعياته على الضفة وحدها، بل قد تمتد إلى كامل المنطقة.

إن أخطر ما في هذا القانون ليس فقط نصوصه، بل الفلسفة التي يقف عليها: فلسفة ترى في القوة بديلاً عن العدالة، وفي الإعدام وسيلة لإدارة الصراع، وفي القانون أداة لإضفاء الشرعية على القتل والانتقام، وهذه المعادلة تاريخيًا، لم تنتج أمنًا، بل مزيدًا من العنف والانفجار.

في لحظة يغيب فيها التوازن، ويُستبدل القانون الدولي بقوانين القوة، يصبح السؤال الحقيقي: إلى أي حد يمكن لهذا النهج أن يستمر قبل أن ينفجر كل شيء؟

في ختام هذا المشهد القاتم، لا يبدو قانون إعدام الأسرى مجرد نص تشريعي عابر، بل إعلان صريح عن مرحلة جديدة تُدار فيها الحياة والموت بمنطق انتقامي، إنه قانون يختبر حدود الصبر الفلسطيني، ويدفع الواقع نحو الحافة، في وقت تتراكم فيه الضغوط حتى لم يعد في الأفق ما يخفف حدتها أو يحتوي تداعياتها، حين تُغلق أبواب العدالة، وتُشرعن العنصرية، وتُحوَّل المحاكم إلى منصات لإصدار أحكام بالموت على أساس الهوية، فإن السؤال لا يعود إن كان الانفجار قادمًا، بل متى، وكيف، وبأي كلفة، وفي لحظة كهذه، لا يكون الخطر محصورًا في مصير الأسرى وحدهم، بل يمتد ليطال مستقبل المنطقة بأسرها، حيث كل شرارة قد تتحول إلى حريق لا يمكن إخماده.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تتحول القوة إلى عبء

يمثل سلوك القوى العظمى في النظام الدولي أحد أهم المفاتيح التفسيرية لفهم تحولات بنية هذا النظام، إذ لا يُقاس موقع الدولة فقط بحجم قدراتها المادية، بل أيضًا بكيفية توظيف هذه القدرات، وأنماط استخدامها، وحدود فعاليتها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تطرح تجربة الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة إشكالية نظرية مركزية تتمحور حول ما إذا كان اللجوء المتزايد إلى الأحادية في استخدام القوة يعكس ذروة الهيمنة أم بداية تآكلها، خاصة في ظل تحولات بنيوية تشير إلى انتقال تدريجي نحو نظام دولي أكثر تعددية.

تنطلق الواقعية البنيوية كما صاغها كينيث والتز من افتراض أن بنية النظام الدولي، القائمة على الفوضى، تدفع الدول إلى تعظيم أمنها عبر مراكمة القوة، غير أن هذه القوة لا تُمارس في فراغ، بل ضمن حسابات دقيقة تتعلق بتوازن القوى وكلفة الاستخدام. ومن هذا المنطلق، تميل القوة المهيمنة إلى إدارة النظام عبر التحالفات، ليس بوصفها تعبيرًا عن الحاجة، بل كأداة لترشيد استخدام القوة وتقليل كلفتها وتعزيز شرعيتها. وقد تجسد هذا النمط بوضوح في حرب الخليج الثانية، حيث نجحت واشنطن في توظيف تحالف دولي واسع منح تدخلها غطاءً شرعيًا ووزع أعباءه، بما عزز موقعها كقائد للنظام الدولي (Waltz, 1979).

غير أن هذا النمط لم يستمر على وتيرة واحدة، إذ تشير الواقعية الهجومية لدى جون ميرشايمر إلى أن القوى العظمى، بحكم سعيها الدائم لتعظيم قوتها وضمان تفوقها، قد تنزلق نحو سلوكيات أحادية تعكس ثقة مفرطة بقدرتها على فرض النتائج، حتى في غياب دعم تحالفي واسع (Mearsheimer, 2001). وفي هذا السياق، يمكن فهم التحول الذي برز بوضوح في حرب العراق، حيث انتقلت الولايات المتحدة من نموذج القيادة التحالفية إلى نمط أقرب إلى الاندفاع الأحادي، وهو ما كشف عن مفارقة بنيوية تتمثل في أن السلوك الذي يهدف إلى ترسيخ الهيمنة قد يؤدي فعليًا إلى تقويضها، عبر استنزاف الموارد وإثارة ردود فعل موازنة.

وقد التقط بول كينيدي هذه المفارقة في مفهوم "فرط التمدد الإمبراطوري"، حيث تميل القوى المهيمنة إلى توسيع التزاماتها الخارجية بما يفوق قدرتها على الاستدامة، ما يؤدي إلى فجوة متزايدة بين الموارد والأعباء (Kennedy, 1987). وقد تجلت هذه الدينامية في التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان، حيث تحولت القوة العسكرية الساحقة إلى عبء استراتيجي طويل الأمد، أسهم في تآكل القدرة على فرض الإرادة السياسية.

غير أن التحولات الراهنة في البيئة الدولية تكشف عن مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التحدي مقتصرًا على كلفة التدخل، بل امتد ليشمل تآكل القدرة على حشد الحلفاء أنفسهم. ففي سياق التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبرز مؤشرات واضحة على حدود القدرة الأمريكية في تحويل التحالفات إلى أدوات فعالة في إدارة الصراع. إذ إن موقف حلف شمال الأطلسي، الذي يميل إلى النأي المؤسسي عن الانخراط المباشر، يعكس تباينًا متزايدًا في تقدير التهديدات داخل المعسكر الغربي، ويقوض افتراض التماسك التلقائي للتحالفات.

كما أن تحفظات بعض الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا،وفرنسا بشأن استخدام أراضيها وقواعدها العسكرية، تشير إلى تصدع في نمط الاصطفاف التقليدي، بينما يعكس التردد النسبي في موقف المملكة المتحدة تحولًا نوعيًا في حسابات أحد أكثر الحلفاء التصاقًا بالسياسة الأمريكية. وعلى المستوى الإقليمي، يكشف الموقف العام في دول الخليج عن نمط من "الرفض الضمني" للانخراط في مواجهة مفتوحة، رغم الارتباطات الأمنية العميقة مع واشنطن، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لمخاطر الانخراط في صراعات غير محسومة النتائج.

تكتسب هذه المؤشرات أهمية مضاعفة في ظل غياب الحسم السريع للصراع، وهو عنصر مركزي في تقييم فعالية استخدام القوة. فعدم القدرة على تحقيق أهداف استراتيجية خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة في مواجهة قوة إقليمية، يعيد إنتاج إشكالية فرط التمدد، حيث تتحول العمليات العسكرية إلى مصدر استنزاف بدلًا من أن تكون أداة لتعزيز الهيمنة. وفي هذا الإطار، لا يعود العمل الأحادي مجرد خيار استراتيجي، بل يصبح تعبيرًا عن تراجع القدرة على العمل الجماعي، وهو ما يشكل أحد أهم مؤشرات التحول في بنية النظام الدولي.

ومن منظور الليبرالية المؤسسية، كما لدى روبرت كيوهان وجون إيكنبيري (Ikenberry, 2001)، فإن المؤسسات والتحالفات لا تُقيد القوة بقدر ما تعزز من فعاليتها عبر إنتاج الشرعية وتقاسم الأعباء. وعليه، فإن التراجع عن العمل متعدد الأطراف لصالح الأحادية يعكس تآكلًا في القدرة على إنتاج هذه الشرعية، وهو ما يضعف استدامة النفوذ الأمريكي. أما من منظور البنائية، فإن هذا التحول يرتبط بتغير في إدراك الحلفاء لهوية الدور الأمريكي، حيث لم يعد يُنظر إليه بوصفه قائدًا للنظام، بل كفاعل يسعى لفرض رؤيته الخاصة، ما يعيد تشكيل أنماط التفاعل والاستجابة داخل النظام الدولي.

وفي المحصلة، يتضح أن العلاقة بين الأحادية وفائض القوة ليست حتمية، بل تتأثر بعدة متغيرات رئيسية تشمل الكلفة، والشرعية، وردود فعل القوى الأخرى، مع ضرورة إدراك الدور الحاسم للهوية والثقافة والدين في تشكيل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط. فالأحادية الأمريكية وفائض القوة الإسرائيلي، مهما بلغت قدراتهما العسكرية والتقنية، لا يمكن أن تفرض الهيمنة المطلقة على منطقة تتحدد فيها موازين القوة بشكل عميق عبر الأطر الهوياتية والثقافية والدينية. إن هذه الأبعاد ليست مجرد مقاومة سلبية، بل عناصر فعالة توجه وتقيّد قدرة أي مشروع استراتيجي على إعادة رسم الترتيبات الإقليمية، وتحدد نطاق نجاحه أو فشله. ومن ثم، فإن تجاهل البعد الهوياتي والثقافي والديني يحوّل فائض القوة من أداة محتملة للهيمنة إلى عامل لإضعاف النفوذ، ويعزز ديناميات التعددية وتعقيد مراكز التأثير في النظام الإقليمي والدولي، حيث تصبح القدرة على إدارة البيئة الاستراتيجية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمدى مراعاة هذه الأبعاد في التخطيط والتنفيذ.

* باحث في العلاقات الدولية

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

نرفضها انطلاقًا من قيم إنسانية وأخلاقية نؤمن بها .. لا لنصب المشانق للأسرى ولا لعقوبة الإعدام

الموقف الكنسي من عقوبة الإعدام هو موقف واضح لا لبس فيه، فالكنيسة ترفض عقوبة الإعدام بشكل مبدئي استنادًا إلى قيمنا الإيمانية والروحية والأخلاقية النبيلة.

وفي كثير من الدول الغربية أُلغيت هذه العقوبة بضغوط من الكنيسة، التي ترفض عقوبة الإعدام بشكل صارم وواضح وقوي.

لقد عبّرنا في أكثر من مناسبة عن رفضنا لعقوبة الإعدام انطلاقًا من إيماننا الراسخ بأن الله تعالى هو خالقنا، وهو سيد الحياة والموت، فهو الذي يعطينا الحياة وهو الذي يأخذها في الوقت الذي يشاء.

إن عقوبة الإعدام، ولأي سبب كان، لا يمكن تبريرها أو قبولها بأي شكل من الأشكال، وإنما تُعتبر تعديًا على الإرادة الإلهية.

إن القرار الذي اتُّخذ في الكنيست الإسرائيلي حول عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين إنما هو قرار مرفوض ومستنكر، كما وغيره من القرارات العنصرية التي تستهدف تحديدًا الفلسطينيين في كافة تفاصيل حياتهم.

واليوم، ومن خلال هذا القانون، يتم شرعنة عقوبة الإعدام، مع ضرورة التنويه أن هناك إعدامات تمت في أكثر من مكان في الضفة الغربية وفي القدس بحق الفلسطينيين لمجرد وجود اشتباه ما.

إن تشريع الإعدام في الكنيست الإسرائيلي يعطي الضوء الأخضر للمستوطنين في الضفة الغربية لكي يرفعوا سلاحهم ويوجهوا بنادقهم نحو الفلسطينيين المدنيين الآمنين في كثير من الأماكن والمواقع في الأراضي الفلسطينية .

طبعًا، لم تكن السلطات الاحتلالية بحاجة إلى هذا القانون لكي تمارس سياسة الإعدامات والاغتيالات، وما حدث في غزة خلال العامين المنصرمين إنما هو خير دليل على ذلك، إضافة إلى إعدامات واغتيالات أخرى في أكثر من مكان وموقع.

إنهم يظنون بأن هذا التشريع العنصري الذي يستهدف الفلسطينيين فقط سوف يجعلهم يستسلمون ويرضخون لسياسات الاحتلال وممارساته.

القضية الفلسطينية العادلة لن تتمكن أي جهة من تصفيتها، لا من خلال نصب المشانق ولا من خلال الإعدامات والاغتيالات والاعتقالات.

الطريق نحو السلام واحدة، وهي طريق الحق والعدالة وتحقيق أمنيات وتطلعات الشعب الفلسطيني، ولكن يبدو أن العنصريين الذين يتفننون في امتهانهم واستهدافهم للفلسطينيين لا يؤمنون بالسلام، بل يريدون استسلامهم وخضوعهم لإملاءاتهم وممارساتهم وسياساتهم.

نداؤنا نوجهه إلى كل الأحرار من أبناء أمتنا العربية، وإلى كل الأحرار في هذا العالم، من مختلف الأديان والأعراق، بضرورة الإعلان عن رفض هذا التشريع العنصري، والوقوف إلى جانب الفلسطينيين في محنتهم، والذين تُستباح دماؤهم في غزة وفي الضفة الغربية وفي أكثر من مكان.

هذا تشريع جديد لم نصدم منه ولم نتفاجأ، لأنه يعبّر عن العقلية الحاكمة في إسرائيل، وهي عقلية عنصرية إقصائية تتعامل مع الفلسطيني وكأنه غريب ودخيل في وطنه وفي أرضه المقدسة.

لا لمشانق الإعدامات بحق الأسرى وبحق أي إنسان، فموقفنا من مسألة الإعدام ليس موقفًا سياسيًا بل هو موقف أخلاقي وإنساني، وعلى العالم المتحضر الحر أن يتحرك من أجل إفشال هذا التشريع الخطير والعنصري، والذي يجب رفضه واستنكاره وعدم التردد في التعبير عن الرفض المبدئي لمثل هذا النوع من التشريعات و التي تستهدف شعبنا الفلسطيني و في كافة تفاصيل حياته.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:21 صباحًا - بتوقيت القدس

أمريكا بين كلفة الحرب وتراجع الهيمنة

لم يكن القرار الأمريكي بالانخراط في التصعيد الأخير قراراً عابراً أو معزولاً عن إدراك عميق بتداعياته، خصوصاً على صعيد الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة. فالولايات المتحدة، بما تمتلكه من مؤسسات وخبرات، تدرك جيداً أن أي توتر في منطقة الشرق الأوسط حتى في ظل شراكتها الإستراتيجية مع إسرائيل سينعكس مباشرة على أسواق النفط والغاز، وعلى الاستقرار الاقتصادي العالمي، بل وحتى على الداخل الأمريكي نفسه، الذي نشاهد مظاهره اليوم من خلال المظاهرات. ومع ذلك، أقدمت على هذا المسار، رغم تباعد بعض حلفائها وتصاعد أصوات داخلية رافضة للحرب ولسياساة الترامبية.


وهنا يبرز السؤال الأساسي، لماذا تتخذ واشنطن قراراً يبدو مكلفاً اقتصادياً وسياسياً على هيمنتها؟

الإجابة قد تكمن باعتقادي في أن منطق القرار الأمريكي لم يعد محكوماً فقط بحسابات الربح والخسارة الاقتصادية المباشرة، بل بمنظور أوسع يتعلق بإدارة موقعها في النظام الدولي. فالولايات المتحدة، التي قادت العالم وفق هيمنة القوة لعقود في ظل نظام أحادي القطبية، تجد نفسها اليوم أمام تحولات عميقة، مع صعود قوى كبرى مثل الصين وعودة روسيا إلى مسرح التأثير الدولي، إلى جانب تنامي أدوار قوى إقليمية قادرة على فرض معادلات جديدة كما هو الحال مع إيران.

في هذا السياق، يمكن فهم التصعيد الأمريكي باعتباره محاولة لإعادة تثبيت قواعد الردع، ومنع خصومها من توسيع هامش حركتهم وقوة ردعهم. فالمسألة لا تتعلق فقط برد فعل على حدث معين، بل بإرسال رسائل استراتيجية للعالم مفادها أن واشنطن لا تزال قادرة على التدخل من جهة وحماية إسرائيل من جهة ثانية، وأنها لن تسمح بإعادة تشكيل موازين القوى بعيداً عن إرادتها.

غير أن هذا السلوك يكشف في جوهره عن مفارقة لافتة، فالإفراط في استخدام القوة الغاشمة كما يحدث اليوم وفي هذه المرحلة تحديداً من وضوح قوة رد القوى الاخرى، لا يعكس بالضرورة ذروة الهيمنة، بل قد يكون تعبيراً عن قلق متزايد من تآكلها وتراجعها. فحين تضطر القوة العظمى إلى اللجوء المتكرر للأدوات العسكرية، رغم كلفتها العالية وعدم ضمان نتائجها، فإن ذلك يشير إلى تراجع فعالية أدواتها التقليدية الأخرى، سواء الاقتصادية أو السياسية أو حتى الرمزية.

لقد تغير العالم، لم تعد العقوبات وحدها كافية لإخضاع الدول، ولم تعد التحالفات الغربية متماسكة كما في السابق، بل إن بعض الحلفاء باتوا يتخذون مواقف أكثر استقلالية، كالدول الأوروبية وبعض دول الخليج، مدفوعين بحساباتهم الخاصة ومصالحهم الوطنية. كما أن الرأي العام العالمي أصبح أكثر تشككاً في السياسات الأمريكية، وأقل استعداداً لتقبل رواياتها دون مساءلة كما أسرائيل ايضا التي باتت تعاني العزلة على اثر جرائمها المتكررة.

أما داخلياً، فإن الانقسام السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة، وتزايد الأعباء الاقتصادية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تضغط على صانع القرار بالبيت الابيض، وتحد من قدرته على خوض صراعات طويلة أو مفتوحة. ومع ذلك، قد تدفع هذه التحديات نفسها بعض دوائر القرار إلى تبني سياسات أكثر تشددا خارجياً، في محاولة لتعويض التآكل الداخلي أو إعادة إنتاج صورة القوة.

من هنا، يمكن القول إن ما نشهده اليوم ليس نهاية او تراجعا كاملاً للهيمنة الأمريكية، بل مرحلة انتقالية معقدة، تحاول فيها واشنطن إدارة تراجع نسبي في قدرتها على التحكم المنفرد بالنظام الدولي. إنها لحظة تتداخل فيها الرغبة في الحفاظ على القيادة مع واقع جديد يفرض حدوداً لهذه القيادة المتغطرسة.

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط ارتفاع كلفة الحروب أو اضطراب أسواق الطاقة، بل احتمال أن تتحول السياسات القائمة على "منع التراجع" إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الدولي. فحين تصبح القوة أداة لإبطاء التحول التاريخي، بدلاً من التكيف معه فإن العالم بأسره يدخل في حالة من التوتر المفتوح.

في المحصلة، لا يبدو أن الولايات المتحدة تخوض هذه المواجهات من موقع القوة المطلقة، بل من موقع قوة قلقة، تدرك أن الزمن الذي كانت فيه اللاعب الوحيد المهيمن قد بدأ يتغير. وبين محاولة الحفاظ على الهيمنة، والاعتراف بحقائق التحول الدولي الجاري، تتشكل سياسات متناقضة، تدفع العالم نحو مزيد من عدم اليقين والاستقرار.

إنها، ببساطة، لحظة "إدارة التراجع " في محاولة لعدم السقوط الكامل، لا نهاية القوة، لكنها بالتأكيد نهاية زمن الهيمنة بلا منازع للولايات المتحدة وإسرائيل كحليف إستراتيجي لها.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: بين نفي وجود دولة إسرائيل وحق الوجود الفلسطيني

من الأهمية بمكان وزمان، أن نشير بأن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أصبح نافذا يوم 30/3/2026، يعتبر من وجهة نظر القانونيين بأنه من أكثر القوانين هشاشة وضعفا وهزالة من حيث الصياغة والمضمون في تاريخ دولة الاحتلال.

تناسى المشرع الإسرائيلي أن حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني وحق وجوده أزلي، وثبت هذا الحق بقرارات دولية صادرة عن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، وإنني لست في صدد تعداد تلك القرارات التي هي بالعشرات، لكن لا بد أن نتذكر ونُذكر الاحتلال دائما بقوله تعالى في الآية 46 من سورة الحج: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.

فالمتتبع للشؤون القانونية، يجد أن سريان القانون المذكور بعد القراءتين الثانية والثالثة في مجلس التشريع الإسرائيلي(الكنيست) في اليوم المشار إليه أعلاه، قد تضمن عددا من الإشكاليات لاسيما في مفهوم فرض عقوبة الإعدام لكل من يتسبب بوفاة انسان بهدف نفي دولة إسرائيل.

وبين هذا النص المشار إليه والنص القديم، الذي تضمن الاخير عبارة: "القتل بدافع قومي أو عنصري"، تنبه المشرع الإسرائيلي إلى واقع قد يفضي إلى إنزال تلك العقوبة على اليهودي الذي يرتكب جرائم قتل ضد الفلسطينيين بدوافع قومية، الامر الذي تم تعديل الصيغة بصيغة عنصرية، من أجل فرض هذه العقوبة على العربي فقط دون اليهودي بنص مكلل بالغموض والابهام.

ورغم هذا النص، سيبقى المجال قائما للتفسير امام القضاء الإسرائيلي، لأن القاضي سيقع عليه عبء كبير في الوصول إلى الركن المعنوي من اركان جريمة نفي دولة إسرائيل، فضلا عن ذلك أوقع هذا القانون العمل القضائي في حيرة، وزاد من الأعباء عليه بعد أن أُعطي القاضي الجزائي سلطة تقديرية في عدم تنفيذ حكم الإعدام ولو تمت إدانة المتهم.

وكأن المشرع الإسرائيلي، يريد أن يقول للقاضي الجزائي أنه من ضمن سلطتك القانونية تنفيذ هذا الحكم، ولك الخيار في توقيفه أي بعدم تنفيذه ضمن سجل خاص، وهذا الامر حكما سيربك القضاة المهنيين وممن يفكر في المستقبل لاسيما بعد التقاعد أو الاستقالة، لأن تنفيذه حتما سيحدد سيرته ومسيرته المهنية بعد ذلك، في ظل علم وقناعة جميع قضاة إسرائيل، بأن التشريع الوطني يجب ألا يخالف التشريعات الدولية، وفي ظل حساسية هذا التشريع على الصعيدين الداخلي والخارجي ضمن نطاق الرأي العالمي، مما سيزيد من تعقيد المشهد في دولة الاحتلال.

الامر الذي أرى من خلال هذا القانون - من وجهة نظري- تداخلا واضطرابا بين سلطات دولة الاحتلال، وكأنني أرى كذلك إلى أن حالة الارباك هذه، ستشل مفهوم الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، إما بقصد أو بجهل نتيجة وصول المتزمتين والمتطرفين من الإسرائيليين إلى سدة الحكم في دولة الاحتلال أمثال: بن غفير وسموتريتش ونسيم فاتوري أحد أصحاب مقدمي مشروع القانون المذكور، وهذا بحكم المؤكد نذير شؤم وبداية السقوط الأخلاقي السريع والوجودي لدولة إسرائيل، في ظل ادعائها وتمسكها بالقاعدة القانونية "العدل أساس الملك".

وبالتالي، وبعيدا عن مفهوم أركان وعناصر الجريمة، يؤكد خبراء القانون أن تفسيرات النص لبعض أعضاء الكنيست الذين أيدوا قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، بأن المقصود من النص المذكور أعلاه هم: القتلة (العرب) الذين يرتكبون أفعالهم بهدف الإضرار بوجود دولة إسرائيل، ورغم عدم تطابق تفسيرهم لطبيعة الصياغة التي تم إقرارها، لأن القانون لا يشمل حالات القتل بدافع الكراهية أو العنصرية بحد ذاتها، فضلا عن الحيرة القانونية لهذا التشريع بما يتصل في عدم تطبيقه على كامل أراضي الدولة، وهو أمر غير مفهوم أن يطبق القانون على جزء من الإقليم....؟

لذلك إذا كان في احتفال بعض أعضاء الكنيست في أروقة وأبهاء الكنيست، بتناول الشمبانيا نتيجة اصدار ذلك القانون نصرا مظفرا في اصدار قانون مخالف للتشريعات الدولية التي أُنشئت إسرائيل بموجبها، فأعتقد جازما ووفق قراءتي لاختصاصات محكمة العدل العليا الإسرائيلية، أن من شرب نخبه قد تعجل في ذلك لأن علقم القانون القائم على الانحطاط الأخلاقي والإنساني والمخالف للتشريعات الدولية لاسيما ميثاق الأمم المتحدة، سيزول على عتبات محكمة العدل العليا الإسرائيلية التي يطلق عليها "الباغاتز"، التي من ابرز اختصاصاتها النظر في الالتماسات المباشرة ضد قرارات الدولة ومراجعة مدى دستورية القوانين التي يسُنها الكنيست ومدى توافقها مع القوانين الأساس والتشريعات الدولية.

وفي الختام، سيكون القضاء الإسرائيلي على المحك، وقد يكون الفيصل في إيقاظ ضمير المشرع الإسرائيلي، وضربه بعصا العدل وفق تسميته الباغاتز، ومنع الانهيار الاخلاقي والإنساني في دولة تتغنى منذ عشرات السنوات بأنها الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط تتصف بالعدالة والمساواة والديمقراطية.

أم أننا سنرى العجب، وهل سيكون موقف القضاء فعلا قائما على الاستقلالية، وهل سنرى من شرب الشمبانيا في أبهاء الكنيست انتصر أم خاب ظنه، ليكون القانون المذكور حبرا على ورق وفي سلة مهملات التاريخ... إن غداً لناظره قريب.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تقول فلسطين لا: "من حافة الزنزانة إلى الشوارع"

في فلسطين، لا يُختزل الإضراب في الامتناع عن العمل، بل يتجاوزه إلى امتناعٍ عن الانكسار؛ لحظةٌ يقرّر فيها الإنسان أن يستردّ نفسه من عالمٍ يحاول تعريفه خارج إنسانيته.


وحين يُضرب شعبٌ عن تفاصيل يومه، عن خبزه وصوته وضجيج حياته، فإنه لا يمارس فعلاً احتجاجياً عابراً، بل يكتب نفسه من جديد في مواجهة المحو.

هو انقطاعٌ واعٍ عن العادي، عن ذلك التدفق اليومي، لكنّه يخفي في عمقه تكيّفاً قاسياً مع القهر؛ امتناعٌ عن القبول بأن يصبح الموت حكماً إدارياً، وأن تتحول الحياة إلى بندٍ في لائحة عقوبات.


حين يُضرب الشعب، لا يتوقف عن الحياة، بل يتوقف عن الشكل الذي فُرض عليه أن يعيشها به؛ كأنّه يقول: لن أكون النسخة التي تريدونها لي، حتى لو كلّفني ذلك أن أعلّق حضوري مؤقتاً في هذا العالم.

في هذا المعنى، الإضراب ليس فعلاً سياسياً فقط، بل تجربة وجودية كثيفة؛ مواجهة بين الإنسان وحدود احتماله، بين الكرامة والخوف، بين الحاجة إلى الخبز والحاجة إلى المعنى.

هو لحظة يُعاد فيها طرح السؤال الأكثر بداهة والأكثر خطورة: ماذا يعني أن نكون بشراً في عالمٍ يُعاد فيه تعريف الإنسان ككائن قابل للمحو؟ وحين يُطرح هذا السؤال جماعياً، يتحول الإضراب إلى مرآة كبرى يرى فيها الشعب نفسه—لا كما هو مضطر أن يكون، بل كما يجب أن يكون.


حين يُضرب الفلسطيني تضامناً مع الأسرى ورفضاً لقانون الإعدام، فإنّه لا يحتج فقط على احتمال الموت، بل على فكرة أن يصبح الموت إجراءً، وأن تتحول الحياة إلى بندٍ قانوني. هنا، لا يكون الإضراب صمتاً، بل لغة؛ ولا يكون فراغاً، بل امتلاءً كثيفاً بالمعنى. إنّه استعادةٌ لما سُرق من الكلمات: أن تعود العدالة عدالة، وأن يعود الإنسان إنساناً، لا ملفاً، ولا رقماً، ولا جسداً قابلاً للإلغاء.


في السجون، حيث يُعاد تشكيل الزمن على هيئة انتظار، تتكثف هذه الحقيقة أكثر.

هناك، في زنزانةٍ ضيقة، يجلس أسيرٌ على حافة سريره المعدني، يعدّ ليس الأيام فقط، بل احتمالاتها. ضوءٌ خافت يتسلل من نافذةٍ عالية، كأنّه تذكيرٌ بعيد بأن العالم ما زال موجوداً، لكنّه مؤجَّل. خطوات السجّان في الممر ليست مجرد صوت، بل إيقاعٌ ثقيل يُنظّم القلق. بابٌ يُفتح فجأة، نداءٌ باسمٍ ما، لحظة صمتٍ تتسع حتى تكاد تبتلع المكان. في تلك اللحظة، لا يكون السؤال: من سيُنتزع؟ بل: ماذا يعني أن يُنتزع الإنسان من حياته بهذه البساطة؟


في ساحة الفورة، حين يلتقي الأسرى لدقائق، تتكسر الجدران قليلاً. نظراتٌ سريعة، ابتساماتٌ مقتضبة، كلماتٌ تُقال على عجل كأنّها تُهرَّب من زمنٍ آخر. هناك، يُصنع المعنى من فتات اللحظات: سيجارةٌ تُقسم بين اثنين، كتابٌ يتنقل كأنّه حياة إضافية، حكايةٌ تُروى لتؤجل انهيار الصمت. وفي اللّيل، حين يثقل السكون، يصبح التفكير نفسه نوعاً من المقاومة؛ أن تتذكر، أن تتخيل، أن ترفض أن تكون مجرد حاضرٍ مُغلق.


قانون إعدام الأسرى، في هذا السياق، لا يضيف موتاً جديداً بقدر ما يحاول أن يمنح الموت شرعيةً نهائية. إنّه لا يستهدف الجسد فقط، بل يستهدف المعنى: أن يُقنع الجميع بأن هذه النهاية طبيعية، بل ضرورية. وهنا، يتحول الإضراب إلى فعلٍ مضاد للعدم؛ إلى تمردٍ على فكرة أنّ الحياة يمكن أن تُدار كملف، وأنّ النهاية يمكن أن تُكتب سلفاً.

لكنّ فلسطين لا تقف عند الحاضر وحده؛ فهي تحمل ذاكرتها كدليلٍ أخلاقي لا يسقط بالتقادم. وهنا، تتقاطع اللحظة الراهنة مع تاريخٍ لم ينقطع. حين أُعدم فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم، لم تكن حبال المشانق مجرد أدوات قتل، بل كانت محاولة لردع ذاكرة شعب كامل. لكن ما حدث كان العكس تماماً: تحوّل الموت إلى نشيد، والشنق إلى بداية رواية لا تنتهي. لم يمت الثلاثة في لحظة الإعدام، بل وُلدوا في وعي الفلسطينيين كرموز تتجدد كلما ظنّ المحتلون أنّ الحكاية انتهت.

بين مشانقهم وقوانين اليوم، يمتد خيطٌ واحد: إرادة إخضاع الحياة لتعريفٍ واحد، وإرادة الفلسطيني في كسر هذا التعريف. هناك، كان الجسد يُساق إلى الحبل؛ وهنا، يُساق المعنى إلى حافة التلاشي. وفي الحالتين، يولد الرد ذاته: أنّ الإنسان أكبر من نهايته، وأنّ الموت، مهما كان منظّماً، لا يستطيع أن يحتكر الحكاية.

الإضراب، في عمقه، ليس دفاعاً عن البقاء البيولوجي فقط، بل عن حق الحياة في أن تكون جديرة بالإنسان. هو رفضٌ لأن يُدفع الفلسطيني إلى خيارين قاسيين: موتٌ سريع، أو حياةٌ بطيئة تحت الإلغاء.

في الإضراب، يُفتح أفقٌ ثالث: أن تعيش وأنت تقاوم تعريفك، أن تظل حاضراً رغم محاولات المحو، أن تحوّل الامتناع ذاته إلى فعلٍ يربك آلةً كاملة.

وفي الخارج، حين تصمت المدن، لا يكون الصمت غياباً، بل مشاركة. أبوابٌ مغلقة، شوارع أقل ازدحاماً، محالٌ لا تفتح—لكن خلف هذا السكون، ينبض معنى كثيف: أنّ الشعب، ولو للحظة، قرر أن يعيش على إيقاع الأسرى، أن يعيد ترتيب يومه وفق وجعهم، أن يقول لهم: لستم وحدكم في هذا الزمن الثقيل.

الإضراب أيضاً مرآةٌ للداخل الفلسطيني: امتحانٌ لمعنى الجمعي، لسؤالٍ قديم يتجدد—هل نبقى شعباً حين يُختبر معنى الشعب؟ هل نرى في الأسير امتدادنا، أم نتركه ليواجه وحده آلةً لا ترى فيه إلا رقماً؟

 في هذا الامتحان، لا تُقاس الإجابة بالشعارات، بل بالفعل: بالفعل الذي يختار أن لا يكون عادياً في زمنٍ صار فيه العادي شكلاً من أشكال القبول.

وهكذا، يتكشف الإضراب بوصفه أكثر من احتجاج: إنّه إعادة صياغة للعلاقة بين الإنسان ومعناه. وقوفٌ على حافة العدم، لا للسقوط، بل لمنع العدم من أن يصبح قدراً. لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يموت الإنسان، بل أن يموت معنى أن يكون إنساناً.

في فلسطين، حيث يُدفع الإنسان دائماً إلى هذه الحافة، يصبح الإضراب ضرورةً أخلاقية قبل أن يكون خياراً سياسياً؛ ضرورة أن يقول الشعب "لا" في وجه قانونٍ يريد أن يجعل الموت طبيعياً، وأن يجعل الحياة استثناءً.

فلسطين، في هذا الفعل، لا تستجدي عدلاً؛ هي تعلن، بصمتٍ عالٍ، أنّ كرامتها ليست قابلة للتفاوض، وأنّ الأسير، مهما أُحيط بالجدران، يظل أوسع من سجنه، لأنّ وراءه شعباً يعرف أنّ الحرية لا تُقاس بما يُمنح، بل بما يُنتزع من قلب الاستحالة.

وهكذا، يصبح الإضراب صلاةً جماعية بلا كلمات، طقساً يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومعناه—حيث تتجدد فلسطين لا كجغرافيا فقط، بل كفكرة: فكرة أنّ الإنسان، مهما ضاق عليه العالم، يظل قادراً على أن يقول "لا"… وأن يجعل من هذه الـ"لا" حياةً كاملة.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:17 صباحًا - بتوقيت القدس

دراما ترمب اليومية


بتنا مع دهاليز تصريحات ترمب خارج كل سيناريو، بل خارج كل التوقعات والتحليلات؛ فبينما نتمسك بسيناريو معين مع أول الصباح من خلال تغريدة الرئيس ترمب، يتبعها بعشرات التغريدات خلال النهار، والتي تتعارض مع ما كان قد تحدث به، ثم عند المساء يخرج بتغريدات الوعيد والتهديد. وهكذا دخلنا الشهر الثاني من الحرب، ونحن نتابع انتصارات ترمب التي يعلن عنها، وهو يخبرنا بما حققته الحرب، ثم يتبعها بالتهديد والوعيد والإنذار بمزيد من التدمير وبضربات أقوى. ويبدو أنه من العبث أن تتابع تلك التغريدات؛ فلا يتوقف ترمب عن تصريحاته المتعارضة والمتضادة في ظل مواصلة الحرب والقصف المتبادل، ووسط حالة الاشتباك الإقليمي، وعدم وضوح الرؤية التي يزيدها ترمب ضبابية بين الفينة والأخرى.

ترمب الذي يغرد فوق السرب وتحت السرب وحتى خلف السرب، لكنه لا يغرد قط مع السرب؛ ففي كل تغريدة رشقة من السخرية والتهكم، كما يفعل مع بعض الرؤساء والشركاء أو مع بعض الخصوم. فهو الرجل غير المتوقع، حتى إنه يتعمد ذلك مع الإعلاميين والصحفيين، كما فعل قبل يومين مع تلك الصحفية التي غازلها بعبارات الجمال والدلال بدلًا من أن يجيبها على سؤالها، وكعادته فإنه يجرب التهرب من الأسئلة بوسائل الاستعلاء التي يتبعها.

يقال إن الرجال في السبعين من العمر يركزون ويزدادون وقارًا وتهذيبًا، أما ترمب فهو في نهاية العقد السابع من العمر، يرقص ويتهكم ويغازل علانية من دون حياء، ويكذب ويدلس، وعلى ما يبدو فإن من قضى شبابه في جزيرة أبستين لا يمكن أن يتغير، بل يدمن الأفعال والأفكار ويعتاد الصفات.

التناقض الكبير أحيانًا في التغريدات اليومية التي يدلي بها الرئيس ترمب، قد تعبر عن حالة عدم الاستقرار الشخصي والنفسي، والمبالغة في التصريحات التي لا داعي لها، كما أنها نمط غير معتاد في رؤساء البيت الأبيض ورؤساء الدول، حيث تصريحاتهم قرارات وسياسات وأفكار يبنى عليها، بيد أن ترمب المختلف في كل شيء يربك المتلقي في تغريداته، ويربك المتابع والمحلل والمهتم، ويزيد من حالة الفوضى وسط واقع ملتهب وظروف شديدة الحساسية، ومنطقة برمتها تعيش تحت وقع الحرب القاسية، ذات الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكل ما يترتب عليها من تبعات في الحاضر القريب أو في المستقبل.

بين تغريدة وأخرى تتواصل فصول الحرب وسط ارتفاع وتيرة التهديدات، وعدم القدرة على الحسم السريع كما كان يتوقع ترمب، الذي على ما يبدو تم خداعه حين استمع للآراء التي قالت له بأنها ستكون حربًا سريعة وخاطفة، تخطف بعدها أنظار العالم، بيد أنها لم تكن كذلك وقد دخلت شهرها الثاني بنفس الوتيرة تتصاعد في نوعية الأهداف والأسلحة المستخدمة، وتنذر بمآلات صعبة.

فلسطين

الجمعة 03 أبريل 2026 11:16 صباحًا - بتوقيت القدس

التهجير في سلوان: محاولة لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا

حاتم عبد القادر: ما يجري في "بطن الهوى" تطهير عرقي للسيطرة عليه وإقامة بؤرة استيطانية مترابطة في إطار مخطط لتغيير الطابعين الديموغرافي والجغرافي

المطران عطا الله حنا: الفلسطيني ليس ضيفًا في القدس ولا جالية عابرة بل صاحب الأرض والحق الأصيل فيها وهي العاصمة الروحية والوطنية للشعب الفلسطيني

رتيبة النتشة: توظيف مكثف لـ"مستوطنات الإغلاق" داخل أحياء القدس الشرقية لمنع التوسع الديموغرافي الفلسطيني وعلى العالم التحرك لوقف هذه الانتهاكات

فخري أبو دياب: إغلاق "الأقصى" والبلدة القديمة بذريعة الحرب لا علاقة له بحماية السكان بل فرصة لتمرير مخططات استيطانية وتسريع تهويد القدس

مازن الجعبري: ما يحدث أكثر من مجرد أحكام قضائية أو إخلاء بيوت فهو سياسة ممنهجة لطرد المقدسيين وهدم بيوتهم وتسليمها للمستوطنين

مدحت ديبة: إرهاب قانوني تواطأ فيه مَن يُسمّى "القيّم العام" على الأملاك في دولة الاحتلال مع الجمعيات الاستيطانية وشخصيات مرتبطة بها

خاص بـ القدس-

هجَّرَت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الأربعاء الماضي، نحو 65 مقدسياً يسكنون 11 منزلًا في حي بطن الهوى ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك، بهدف السيطرة على هذه المنازل لصالح الجمعيات الاستطيانية. وبينما يواجه الحي وأهله حملة تهجير قسري إسرائيلية غير مسبوقة، يرى مسؤولون ورجال دين ومختصون في أحاديث لـ "القدس" أن سلطات الاحتلال تستغل ظروف الحرب التي أضرمت نيرانها في المنطقة لفرض وقائع استيطانية وتهويدية جديدة على مدينة القدس، يُصار معها إلى تغير هوية المدينة العربية الفلسطينية الإسلامية المسيحية، على نحو يُعطِّل أي مسار سياسي مستقبلي قد يفضي إلى اعتبار المدينة المقدسة عاصمة لدولة فلسطين.

فما هي الآليات التي توظفها سلطات الاحتلال لتنفيذ مخططاتها الإحلالية الاستيطانية في القدس؟ وما هو دور الجمعيات الاستيطانية وما يسمى "القيِّم العام" على الأملاك و"مستوطنات الإغلاق" في هذا المخطط؟



تواطؤ واضح من محاكم الاحتلال

 

أدان أمين عام الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات حاتم عبد القادر قيام المستوطنين بتهجير عائلات فلسطينية في حي "بطن الهوى" في بلدة سلوان في القدس المحتلة، تعود ملكيتهما لعائلتي البصبوص والرجبي، في انتهاك صارخ للقانون الدولي واعتداء سافر على الوجود الفلسطيني في مدينة القدس.

وأكد عبد القادر أن ما يجري في حي بطن الهوى هو تطهير عرقي تقوده الجمعيات الاستيطانية للسيطرة على مساحات واسعة من منازل وأراضي الحي وإقامة بؤرة استيطانية مترابطة لتتصل مع مستوطنات رأس العامود شرقاً ووادي حلوة غرباً، وذلك في إطار مخطط خطير يهدف الى تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للمدينة المقدسة وتعزيز قبضة الاحتلال على محيط المسجد الأقصى.

ويشير عبد القادر الى أن استيلاء المستوطنين على المنازل الفلسطينية يتم بتواطؤ واضح من محاكم الاحتلال التي توفر الغطاء القانوني الزائف لهذه الجرائم فيما توفر شرطة الاحتلال الغطاء الأمني، وهو ما يشكل جريمة تطهير عرقي مكتملة الأركان تهدف الى تفريغ مدينة القدس من سكانها الأصليين وإحلال المستوطنين مكانهم.

وحذَّرَ عبد القادر من خطورة استمرار هذه الانتهاكات التي تمثل تصعيداً في استهداف الوجود الفلسطيني في مدينة القدس، ودعا المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة الى تحمل مسؤوليتهم والتحرك لوقف هذه الانتهاكات وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني.

كما دعا عبد القادر أبناء الشعب الفلسطيني عامة، والمقدسيين خاصة، الى التكاتف والتضامن مع أهالي حي بطن الهوى وتعزيز صمودهم في وجه مخططات التهجير القسري.



محاولات لجعل الفلسطينيين ضيوفاً في مدينتهم


ويؤكد رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، المطران عطا الله حنا، أن ما يحدث في مدينة القدس يُعد جريمة مروعة بحق الإنسانية، ويشير إلى أنه يشمل استهدافًا للمقدسات والأحياء الفلسطينية، ومحاولة ممنهجة لمحاصرة الحضور الفلسطيني وتهميشه وإضعافه.

ويوضح أن ما يجري في بلدة سلوان، كما في غيرها من الأحياء المقدسية، يندرج ضمن سياسة تستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة، وأن هناك محاولات لدفع الفلسطينيين ليصبحوا أقلية أو جالية أو حتى ضيوفًا في مدينتهم.

وشدد المطران حنا على أن الفلسطيني ليس ضيفًا في القدس، ولا جالية عابرة، بل هو صاحب الأرض والحق الأصيل فيها، مؤكداً أن القدس تمثل العاصمة الروحية والوطنية للشعب الفلسطيني، وعلى حق الفلسطينيين في العيش بحرية وكرامة في مدينتهم المقدسة، وممارسة حياتهم الطبيعية دون تضييق أو استهداف.



تهجير جماعي ونقل قسري للسكان


ترى الناشطة السياسية والمجتمعية رتيبة النتشة أن إخلاء 11 شقة لعائلة الرجبي في حي بطن الهوى ببلدة سلوان، إضافة إلى منزلين لعائلة البصبوص بالتزامن، يأتي ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى تغيير الأمر الواقع في مدينة القدس، وصولًا إلى السيطرة الكاملة عليها.

وتضيف النتشة أنه، وعند الحديث عن سلوان، باعتبارها التجمع السكاني الأكبر والأقرب إلى البلدة القديمة في القدس، فإن هذا المخطط الاستيطاني الاستعماري يتسارع منذ تولّي الحكومة الحالية عام 2023 وحتى اليوم، في محاولة لقلب الميزان الديموغرافي في المدينة.

وتوضح النتشة أن ذلك يتم من خلال توسيع وتعزيز ما يُسمّى بمستوطنات الإغلاق، وهي عبارة عن زرع بؤر استيطانية داخل أحياء القدس الشرقية، بهدف منع التوسع الديموغرافي الفلسطيني من جهة، وتغيير هذا الميزان من جهة أخرى، إضافة إلى فرض وقائع استيطانية جديدة وتهويد المدينة.

وتشير إلى أن هذا التهجير الجماعي والنقل القسري للسكان يُعد مخالفا لكافة الأعراف والقوانين الدولية، إلا أن إسرائيل، تستغل انشغال العالم بالحرب في قطاع غزة، ومن ثم بالحرب الإقليمية التي أشعلتها في إيران والمنطقة، لتسريع مخططاتها الاستيطانية وفرض واقع جديد في القدس.

وتشدد النتشة على ضرورة وجود تحرك دولي كبير لوقف هذه الانتهاكات المستمرة والمتصاعدة بحق الفلسطينيين، والتي تهدف إلى تغيير الأمر الواقع بشكل يصعب تداركه أو إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً.



الظروف الإقليمية.. فرصة ذهبية لتغيير الواقع في القدس


يؤكد الباحث في شؤون القدس فخري أبو دياب أن تهجير العائلات في بطن الهوى، جنوب المسجد الأقصى، وفي بلدة سلوان، يُعدّ جزءاً من سياسة ممنهجة لتفريغ المنطقة وتصفيتها من الوجود العربي، خاصة في هذه المنطقة المتاخمة والقريبة من المسجد الأقصى والبلدة القديمة.

ويوضح أبو دياب أن الاحتلال يسعى إلى تغيير التركيبة السكانية لصالح المستوطنين، من خلال فرض واقع استيطاني جديد.

ويشير إلى أنه يستخدم الجمعيات الاستيطانية كواجهة وذراع لتنفيذ مخططاته التي تستهدف الوجود العربي، عبر التهجير والسيطرة على الممتلكات وطرد السكان.

ويضيف الباحث أبو دياب أن الاحتلال يستغل الظروف الإقليمية والحروب الجارية، وتسليط الأضواء عليها، لصرف الأنظار عن ما يجري في القدس، وتمرير مخططاته الرامية إلى تغيير الواقع الديموغرافي لصالح المستوطنين.

ويشير أن بطن الهوى بات من أكثر المناطق استهدافًا، إلى جانب حي البستان، في إطار سعي الاحتلال لإقامة مشروع استيطاني ضخم يربط بين هذه المناطق والمستوطنات المحيطة، مثل مدينة داوود المقامة على أراضي الفلسطينيين في وادي حلوة، وصولاً إلى مستوطنات رأس العمود، ومحيط جبل الزيتون، ومنه إلى شمال البلدة القديمة في منطقة الشيخ جراح.

ويوضح أن هذه المشاريع تهدف إلى إحكام الطوق الاستيطاني حول البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك، ضمن ما يُعرف بمشروع "الحوض التاريخي"، الممتد من الشيخ جراح شمالاً إلى سلوان جنوباً، حيث تحظى سلوان بالنصيب الأكبر من هذه المخططات، وأن الاحتلال يستغل الفرصة الذهبية في ظل انشغال العالم بالحروب، لتنفيذ هذه المشاريع بوتيرة متسارعة، في وقت يروج فيه لإجراءات الإغلاق بحجة الحفاظ على سلامة الجمهور، بما في ذلك إغلاق البلدة القديمة والمسجد الأقصى.

ويشدد أبو دياب على أن هذه الممارسات تكشف عن نوايا سياسية وأيديولوجية، لا علاقة لها بحماية السكان، بل تهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض، وأن ما يجري في سلوان، وخاصة في بطن الهوى، ليس معزولاً عما يحدث في المسجد الأقصى من إجراءات إغلاق وتقييد.

ويؤكد أبو دياب في ختام حديثه على أن تهويد المسجد الأقصى يمر عبر تهويد محيطه، وعلى رأسه سلوان، من خلال طرد السكان والاستيلاء على المنازل والممتلكات، وترك العائلات دون مأوى، في محاولة لتغيير الواقع بشكل جذري.



عشرات العائلات تحت خطر الهدم الفوري


يقول الكاتب المختص بالشأن الاسرائيلي مازن الجعبري انه في حلقة جديدة من سياسة الترحيل الممنهجة التي تتبعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة، صدر حكم قضائي بإخلاء 11 شقة سكنية فلسطينية في حي بطن الهوى بسلوان، لصالح جمعية "عطيرت كوهنيم" الاستيطانية.

ويرى أن هذا الحكم ليس حدثاً معزولاً، بل يأتي في سياق سلسلة طويلة من الإجراءات التي تهدف إلى ترحيل الفلسطينيين من بيوتهم، في مسعى واضح لتغيير التركيبة السكانية للمدينة المقدسة.

ويشير الجعبري إلى أن قضية بطن الهوى تعكس نمطاً متكرراً من الاستهداف المنظم للأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة، حيث تُستخدم المزاعم التاريخية والملكية المزعومة لصالح الجمعيات الاستيطانية كذريعة لطرد العائلات الفلسطينية التي تسكن بيوتها منذ عقود. ففي بطن الهوى وحدها، تواجه حوالي 84 عائلة فلسطينية خطر الترحيل القسري، في مشهد يتكرر في أحياء عديدة.

ويؤكد الكاتب الجعبري أن ما يحدث في بطن الهوى ليس سوى جزءاً من مخطط شامل يستهدف القدس. ويقول في حي البستان في سلوان، لا تزال عشرات العائلات تحت خطر الهدم الفوري، بعد أن هدمت بلدية الاحتلال أكثر من 35 مبنىً سكنياً في وقت سابق، وتواجه عشرات العائلات الأخرى مصيراً مماثلاً، ما يضع مئات العائلات في حالة ترقب وخوف دائمين.

ويضيف الجعبري أنه في الشيخ جراح، لا يزال مصير العائلات المقدسية معلقاً، بعد أن رفضت المحكمة المركزية استئناف أربع عائلات وأيدت قرار إخلائها. أما في قرية قلنديا شمال القدس، فقد وزعت سلطات الاحتلال مؤخراً إخطارات بهدم 7 مبانٍ سكنية، مما يهدد عشرات الفلسطينيين بالإخلاء القسري.

ويوضح ان هذه الإجراءات المتسارعة تاتي في ظل استغلال سلطات الاحتلال للظروف الراهنة، والانشغال الإقليمي والدولي بالحرب المشتعلة، لتمرير سياسات الترحيل القسري وهدم البيوت في القدس، متخذة من حالة الانشغال العام غطاءً لتنفيذ مخططاتها الاستيطانية بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.

ويرى الجعبري أن هذه السياسات المتزامنة والمتواصلة تشكل نمطاً واضحاً من سياسة الترحيل القسري التي تتبعها إسرائيل في القدس المحتلة، بهدف خلق واقع ديموغرافي جديد، يحد من الوجود الفلسطيني في المدينة، ويفرغها من سكانها الأصليين لصالح المشروع الاستيطاني.

ويشير أن ما يجري في القدس هو أكثر من مجرد أحكام قضائية أو إخلاء بيوت؛ إنه سياسة ممنهجة تهدف إلى طرد الفلسطينيين من مدينتهم، وهدم بيوتهم، وتسليمها للمستوطنين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، وتحديداً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان في الأراضي المحتلة.

ويؤكد الجعبري في ختام حديثه إن الصمت الدولي والتقاعس عن محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها، يشجع على استمرار هذه السياسات.

ويشدد على أنه آن الأوان للمجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته، وأن يتخذ خطوات عملية لوقف سياسة الترحيل القسري في القدس، قبل أن تفقد المدينة المقدسة هويتها العربية والإسلامية والمسيحية الفلسطينية إلى الأبد.


إرهاب قانوني وشرعنة جرائم حرب بحق المقدسيين


يقول المحامي المقدسي مدحت ديبة إن ما قامت به السلطات الإسرائيلية من تنفيذ قرارات إخلاء بحق 13 منزلاً في حي بطن الهوى في بلدة سلوان، يأتي تنفيذاً لقرارات محاكم الاحتلال التي صدرت بناءً على دعاوى قدمتها جمعيات استيطانية ضد السكان الأصليين، بادعاء ملكية الأرض.

ويضيف ديبة أن ما يجري يُعد إرهاباً قانونياً، تواطأ فيه القيّم العام على الأملاك في دولة الاحتلال مع الجمعيات الاستيطانية، ومنها "عطيرت كوهنيم" و"إلعاد" و"ريغافيم"، إلى جانب شخصيات محسوبة على القيّم العام ومرتبطة بهذه الجمعيات.

ويوضح المحامي ديبة أن القيّم العام قام بتفويض هذه الأراضي وتسجيلها باسم "وقف "بن بنستي "، الذي مُنح الضوء الأخضر لتقديم عشرات الدعاوى ضد السكان.

ويشير إلى أن ما يحدث يمثل عملية "ترانسفير" غير مبررة وغير قانونية، وقرارات تهدف إلى تشريع وشرعنة جرائم حرب بحق المقدسيين، وتحديداً سكان سلوان.

ويؤكد ديبة أن هناك حرباً معلنة على أهالي سلوان بهدف تفريغ المنطقة وإحلال المستوطنين مكانهم، بما يعرقل أي اتفاق سياسي مستقبلي، قد تكون فيه القدس عاصمة لدولة فلسطين.

ويختتم ديبة بالقول "إن الهدف من هذه الإجراءات، التي تعتمد على القوة والاحتيال عبر دعاوى كاذبة، هو تعطيل أي مسار سياسي قد يفضي إلى اعتبار القدس عاصمة لفلسطين".



أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:15 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يتّسع الفضاء وتضيق القراءة في راهن الندوات الأدبيّة

حين تتكاثر المنابر وتتّسع دوائر الحضور، لا يعود السّؤال عن عدد المشاركين أو امتداد الجغرافيا، بقدر ما يصبح الرّهان الحقيقيّ على جودة ما يُقال، وعلى المعايير التي تضبط هذا الاتساع وتحفظ للقراءة معناها، بوصفها فعلًا تحليليّا أو نقديّا واعيا لا مجرّد تفاعل عابر.

في المشهد الثّقافيّ عمومًا، والفلسطينيّ على وجه الخصوص، لم تكن النّدوات الأدبيّة مجرّد لقاءات عابرة، بل شكّلت على امتداد عقود إحدى الرّكائز الحيّة التي أسهمت في صوغ الوعي الأدبيّ وتعميق الحوار حول النّصّ. وكانت منابر مثل (ندوة اليوم السّابع) مثالاً لافتًا على هذا الدور بما تحمله من تاريخ يتجاوز الثلاثة عقود، وبما أتاحته من فضاء تفاعليّ جمع بين الكتّاب والنقّاد والقرّاء في سياق ثقافي ظلّ حيويّا رغم التّحولات.

ومع الانتقال في السّنوات الأخيرة إلى الفضاء الرقميّ اتّسعت دائرة المشاركة على نحو غير مسبوق، لتتجاوز الجغرافيا المحليّة نحو أفق عربيّ ودوليّ، وهو تحوّل لا يمكن إنكار أثره في إثراء التفاعل وتبادل التجارب. غير أنّ هذا الاتّساع على أهمّيّته حمل معه في الوقت ذاته جملة من التّحدّيات التي تستدعي التوقّف عندها بروح من التأمّل المسؤول، لا من باب الاعتراض بل من باب الحرص على استدامة الأثر وصيانة المصداقيّة التي راكمتها هذه المنابر عبر الزمن. ولعلّ من أبرز هذه التّحدّيات ما يتّصل بوضوح المعايير في اختيار الأعمال وترتيبها ضمن البرامج، إذ يُلحظ أحيانًا نوع من التفاوت في أولويّات الطّرح، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول آليات التّنظيم ومدى اتّساقها، خاصّة لدى الكتّاب الذين ينظرون إلى هذه المنصات بوصفها فضاءً ينبغي أن تحكمه قواعد شفافة تضمن جودة الطّرح وتكافؤ الفرص وتكريس الثّقة.

وإذا انتقلنا إلى صلب التجربة النقديّة ذاتها، فإنّ الحاجة تبدو ماسّة إلى استعادة أدوات القراءة التحليليّة بوصفها مدخلا أساسيّا لفهم النّصّ، لا الاكتفاء بالانطباعات العابرة. فالاقتراب من العمل الأدبيّ كما تشير تقاليد النقد الحديثة يبدأ من عتباته الأولى: العنوان، والغلاف، والإهداء، ولا يُختزل في تلخيص العمل، ولا ينتهي عند تتبّع بنيته السرديّة ومستواه اللغويّ، وتشكّل شخصيّاته ومسار حبكته، بل يمتدّ إلى ثيمات العمل ومساءلة صوته السرديّ والمسار ونهاياته المفتوحة أو المغلقة وغيرها حول العمل الذي يناقش.

وليس المقصود هنا أن يتحوّل كلّ قارئ إلى ناقد بالمعنى الأكاديميّ بقدر ما هو دعوة إلى حدّ أدنى من الوعي المنهجيّ الذي يحول دون انزلاق القراءة إلى طابع انطباعيّ محض، قد تداخله المجاملة أو تتسلّل إليه معايير غير معلنة.

ولا ينفصل عن ذلك سؤال النقد البنّاء بوصفه أداة للارتقاء بالنصّ لا وسيلة للتقليل منه، فالنّقد في جوهره فعلُ بناء، أو كما يُقال مجازًا: هو الإمساك بالمعول على نحو يُعين على التشييد لا على الهدم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ مقاربة نقديّة أو تحليليّة تتّسم بالاتّساق فلا تُقبل في نصوص ما تُرفض في أخرى، ولا تتباين المعايير تبعًا للأسماء أو العلاقات، بل تستند إلى رؤية واضحة تحترم النصّ أولًا ثمّ كاتبه ثمّ القارئ الذي يتابع هذا الحراك الثقافيّ بوصفه جزءًا من وعيه العامّ.

إنّ إثارة هذه الملاحظات تنطلق من إحساس عميق بالانتماء إلى هذا الفضاء، ومن إيمان راسخ بأنّ الحفاظ على إرثه لا يتحقّق إلا عبر مراجعة دائمة تواكب التحوّلات دون أن تُفرّط في الأسس التي قام عليها، وبما يضمن بقاءه فاعلًا ومؤثرًا في تشكيل الذائقة الأدبيّة.

يبقى الأمل أن تستعيد هذه النّدوات زخمها النوعيّ، وأن تظلّ مساحة عادلة وعميقة ومُلهمة لكلّ من يكتب، باعتبارها مختبراً حيّاً للقراءة الجادّة والحوار المسؤول، وفضاءً يُنصت للنصّ بقدر ما يُنصت لصاحبه ما يضمن الارتقاء بالمشهد الأدبي وتعزيز حضوره.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:14 صباحًا - بتوقيت القدس

في كراهية الحرب

الحَربُ هي الحَربُ! وأكْرَهُ مَن سَوَّغها..

 الحربُ؛ رمادٌ يحتلُّ الأنهارْ.

الحربُ نهاياتٌ لا شمسَ لها،

مخْمَصةٌ ستبيعُ الحُرّةُ فيها ثديَيْها،

والحامِلُ طِفليْها،

وتبيعُ الزرقاءُ، إذا لمحتْ أشجاراً تمشي، عينَيْها..

ستبيعُ الحربُ خواتمَ جَدَّتِها، ويدَيْهَا،

وتُعرّي فَخْذَيْها.

الحربُ مجنزرةٌ تَسْحقُ سربَ حمامٍ يهدلُ في الإنجيلِ،

وتهْرسُ هالاتِ العذراء..

الحربُ فظاعاتٌ تحتلّ الفردوسَ، ولا تخلعُ نَعلَيْها.

الحربُ معاركُ تأخذُكَ الشَفرةُ، فيها، مِن حَدَّيْها.

ويصيرُ الكونُ..بلا أقمارْ.

الحربُ بداياتُ الأشرارِ،

 الحربُ نهاياتُ الأقدارِ.

الحربُ دكاكينُ الشُطّارِ،

 ولعبةُ قيصرَ حين يشاءُ،

ورقعةُ كسرى في الأَمْصارِ.

الحربُ مُقامرةٌ وغباءْ.

الحربُ مدائنُ تُمحى..

وقضاةُ المحكمةِ، شُهودُ الزّورِ،

 بقاعاتِ الميزانِ يصبُّون الويلَ،

لنكبرَ في قاعاتِ الصمتِ..

ولا مَن ينطقُ..

والحربُ المقلاةُ على لهبٍ، يغلي فيها الزيتُ،

فينصهرُ الناسُ، تسوحُ الأعضاءُ وتطفو..

يا ربَّ الحربِ! تعالَ اشربْ بشراً ذابوا.

يا ربَّ الخوفِ! لقد بلغَ الأطفالُ الهَرمَ..وشَابوا.

يا ربَّ الهَدْمِ! هنا كان المبنى والأهلُ..فَغابوا.

ياربَّ الجوعِ! لقد حلموا بالخبزِ، ولابوا.

ياربَّ الأمْنِ! البلدةُ كانت آمنةً تسرحُ طيّبةً

في البحرِ، وطابوا.

ما ذَنْبُ القريةِ؟ هل تحرقُها إنْ صدَّت عنها الطاعونَ،

وألقتْ بقيودِ النّخّاسين..فَخابوا؟

 الحربُ حناجرُنا المشروخةُ،

لكنّ الشاشاتِ ضبابْ!

الحربُ سرابْ.

الحربُ شياطينُ الأَنواءِ.

الحربُ نزوحٌ إنْ ظلّوا أحياءً..

وهزيعٌ لا يتلوهُ نَهارْ.

الحربُ تعاويذُ الحرباء، ومَأتمُ فاطمة الزهراء.

الحربُ أكاذيبٌ كبرى، وجنائزُ  تترى دون عَزاءْ.

الحربُ الخيبةُ، لا رابحَ فيها..

بل أقبحُ ما اقترفَ التُجّار.

الحربُ مُرافَعةُ الفُجّار.

الحربُ الأحلامُ المقتولةُ بالسَهمِ الوثنيِّ،

وتُظْهِرُ أسوأَ ما في الخَلْقِ،

وتَحْرقُ ألبانَ الأثداء.

الحربُ تفاصيلٌ خَرقاء.

الحربُ صليبٌ لنبيٍّ أُجْهِضَ قبلَ الوَضعِ،

عبيدٌ وإماءٌ، في سوقِ المُتعةِ واللّعْنةِ،

مطحنةٌ للرّوحِ، وشبّاكٌ مهتوكٌ للرّيحِ..

الحربُ سكاكينُ التأويلِ، وآيُ الكارهِ للأَغيار.

الحربُ بلاءُ الخاسرِ، وثراءُ الفاجرِ، وسِفاحُ القاصرِ،

ونشيدُ الثائرِ؛ مَن يدفعُ أثمانَ الصفقةِ، وهو بريءٌ!

والحربُ العَارُ الأُمَميّ،

وعَجزُ  الكاهنِ والحُوذيّ،

الحربُ الوَهْمُ الكاملُ، وندوبٌ لا تبرأُ..

والحربُ، وما أدراكَ! تدابيرٌ للوَرْشةِ

وهي تهدّمُ آخرَ ما اجترحَ التاريخُ..

وما مِن شَفَةٍ ستحيطُ بأَهوالِ الصُورةِ،

فهي خرابٌ مكتملُ الأصْفار.

الحربُ دمار.

 * **

 ومَن قالَ بأنّي اخترتُ الموتَ وفاجعةَ الأقدار؟

أتيتُ لأحيا، لا لأموت.

جئتُ لأغرسَ قلبيَ حَنُّوناً لربيعِ الساحلِ،

 لا أنْ يحملَه التابوت.

ولدتُ لأبقى إنساناً حُرّاً،

لا أن أُصبحَ ملهاةً لقنابلَ، تَسَّاقطُ..

فَتَنوءُ مدارسُ وبيوت.

أتيتُ ولا أبغي أن أُصبحَ بطلاً وقتيلاً،

وجريحاً يَدْفُقُ بالياقوت.

أريدُ لأنْ أَصعدَ سُنبلةً للمَلَكوتِ،

وأكبرَ في أعشاشِ الطيرِ العائدِ في الأسحارِ،

وأشربَ عُنقودَ الناسوتِ،

وأرقصَ في أفراحِ الغارِ،

وأبكيَ في أثوابِ التوتِ،

وأنثرَ ماساً للتيّارِ،

وسِحراً في شَفةِ الماروت..

أُريدُ حياةً تشبهُ أُغنيةَ البحّارِ،

 فلا أكفانَ ولا سجّانَ ولا طاغوتَ ولا رَهبوت..

ولم أذهبْ للحربِ، ولكنّ الغيلانَ أرادت روحي،

 فنهضتُ لأحميَ قلبيَ والأسوار.

 أنا الجذرُ الصاعدُ في نَسغِ الأوجاعِ،

 وريحُ حنينِ النّايِ الخافِقِ في الأضلاعِ،

أنا عَرْشُ البحرِ، وبستانُ الميلادِ،

ومَهدُ القبْلةِ، وسلامُ النّخلةِ والنوّار..

أنا مَن يحلمُ بالوردةِ، وهي تدور على الأبوابِ،

ليبدأَ ميقاتُ الأشجار.

أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:13 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تصبح المسؤولية فعلاً.. أمان الطالب والمعلم أولاً

في زمنٍ استثنائيٍّ تُحاصر فيه الحياة بأسئلة المصير، وتضيق فيه المسافات بين القرار ونتائجه، لم يعد الموقف التربوي ترفاً إدارياً أو خياراً قابلاً للأخذ والرد، بل غدا اختباراً حقيقياً لجوهر المسؤولية الإنسانية. وفي هذا السياق، يبرز قرار وزارة التربية والتعليم لا بوصفه إجراءً تنظيمياً عابراً، بل كفعلٍ أخلاقيٍّ واعٍ، ينحاز بوضوح للحياة، ويضع سلامة الطالب والمعلم في صدارة الأولويات، حيث لا مجال للمغامرة، ولا مساحة للخطأ.

إننا أمام لحظةٍ تُقاس فيها القرارات بقدرتها على الحماية قبل الإقناع، وعلى صون الأرواح قبل إرضاء التوقعات. فالمعلم في فلسفة التربية ليس مجرد ناقلٍ للمعرفة، بل هو حامل رسالة، وصانع وعي، وحارس قيم. والطالب ليس رقماً في كشوف الحضور، بل هو مشروع إنسان، وامتداد وطن، ونبض مستقبل. ومن هنا، فإن الحفاظ على حياتهما ليس خياراً، بل واجبٌ وطنيٌّ وأخلاقيٌّ لا يحتمل التأجيل أو التردد.

قد يرى البعض في هذا القرار خروجاً عن المألوف، أو انحرافاً عن النمط التقليدي للتعليم، غير أن القراءة العميقة تكشف أنه انحيازٌ شجاع للحياة، واستجابةٌ واعية لظرفٍ لا يُقاس بالمعايير المعتادة. ففي أزمنة الاستقرار، قد نختلف حول الوسائل، أما في أزمنة الخطر، فإن الأولوية تُحسم لصالح البقاء، ومنه تنبثق كل الخيارات الأخرى.

وفي قلب هذا التحول، يتصدر التعليم عن بُعد المشهد، لا كبديلٍ اضطراريٍّ مؤقت، بل كخيارٍ استراتيجي يعيد تشكيل الوعي التربوي، ويفتح آفاقاً جديدة لمفهوم التعلم. لقد أثبت هذا النمط قدرته على الصمود أمام الأزمات، وعلى كسر قيود الجغرافيا، وتجاوز عوائق الواقع القاسي، ليمنح العملية التعليمية فرصة الاستمرار في أكثر اللحظات تعقيداً.

إن التعليم الإلكتروني ليس مجرد شاشةٍ تُعرض عليها الدروس، بل هو بيئة تعليمية متكاملة، تتطلب إعادة تعريف أدوار جميع الأطراف. فالمعلم لم يعد ملقناً، بل ميسراً ومصمماً للتجربة التعليمية، والطالب لم يعد متلقياً سلبياً، بل شريكاً فاعلاً  في بناء معرفته، أما الأسرة، فقد أصبحت ركيزة أساسية في دعم هذا النموذج، واحتواء أبنائها، ومساندة المعلم في أداء رسالته.

وفي هذا السياق، تتعاظم مسؤولية الأهل، إذ لم يعد دورهم يقتصر على المتابعة الشكلية، بل باتوا شركاء حقيقيين في العملية التعليمية، يهيئون البيئة المناسبة، ويحتوون أبناءهم نفسياً وتربوياً، ويزرعون فيهم الصبر والانضباط، في ظل ظروفٍ قد تُثقل كاهلهم وتربك إيقاع حياتهم. وهنا، يتجلى الوعي المجتمعي كعاملٍ حاسم في نجاح التجربة أو تعثرها.

ولا يمكن إغفال التحدي الأكبر الذي يواجه التعليم عن بُعد، وهو الحفاظ على البعد الإنساني في فضاءٍ رقميٍّ قد يبدو بارداً في ظاهره. فالتربية ليست محتوى يُنقل فقط، بل علاقة تُبنى، وقيم تُغرس، وتفاعلٌ حيٌّ يُشكّل شخصية المتعلم. ومن هنا، فإن نجاح هذا النمط مرهون بقدرتنا على فهم التعليم الرقمي، وجعل الشاشات نوافذ تواصل لا جدران عزلة.

أما ما يُعرف بالفاقد التعليمي، فلا ينبغي النظر إليه كخسارةٍ نهائية، بل كفرصةٍ لإعادة البناء، وإعادة التفكير في طرائق التعليم، ومضامينه، وأدواته. فكل أزمة تحمل في طياتها بذور التجديد، وكل تحدٍّ يفتح باباً لإعادة التشكيل. إن معالجة هذا الفاقد تتطلب رؤية مرنة، وتقويماً واقعياً يتناسب مع الظروف، ويُراعي الفروق الفردية، ويُعيد التوازن للعملية التعليمية دون إثقال كاهل الطالب أو المعلم.

وفي هذا الإطار، يتجلى المنهاج لا كوثيقة جامدة، بل ككائنٍ حيٍّ يتشكل من خلال التفاعل اليومي بين المعلم والطالب، ويتكيف مع السياق، ويستجيب للواقع. كما يصبح التقويم أداةً داعمة للتعلم، لا وسيلةً للعقاب أو الإقصاء، بل معياراً مرناً يُنصف الجهد، ويُقدّر الظروف، ويُعزز الدافعية.

إن التجربة التعليمية في فلسطين، بما تحمله من خصوصيةٍ وتحديات، تقدم نموذجاً فريداً في الصمود والتكامل، حيث يتشابك التعليم مع الهوية، ويتداخل مع الواقع، ويُشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات التجهيل والتهميش. وهنا، لا يكون التعليم مجرد حق، بل فعل مقاومة، ورسالة بقاء، وأداة بناء.

ومن هذا المنطلق، فإن التعليم عن بُعد يجب ألا يُفهم كبديلٍ دائم أو قطيعة مع التعليم الوجاهي، بل كجزءٍ من نظامٍ مدمج، يوازن بين الاستمرارية والتفاعل الإنساني، ويجمع بين التقنية والروح، ليُنتج نموذجاً تربوياً أكثر مرونة وعمقاً.

وفي المحصلة، فإن النهضة التعليمية الحقيقية لا تقوم فقط على الأدوات، بل على سيادة القرار الوطني، وشراكة المجتمع، والإيمان العميق بأن الإنسان هو محور كل عملية تربوية. فحين نضع الطالب والمعلم في قلب القرار، ونحمي حياتهما، ونصون كرامتهما، فإننا لا نحمي الحاضر فقط، بل نبني المستقبل.

إننا في ظرفٍ استثنائي، نعم… لكننا نمتلك وعياً قادراً على تحويل الألم إلى أمل، والتحدي إلى فرصة. وما نحتاجه اليوم ليس الجدل، بل الصبر، وليس النقد، بل المشاركة، وليس الخوف، بل الثقة. فالأوطان التي تُحسن إدارة أزماتها، هي وحدها التي تكتب تاريخها بوعي، وتصنع مستقبلها بإرادة.

وفي معادلة الحياة والموت… يبقى القرار الصائب هو ذاك الذي يحمي الإنسان أولاً… ثم يُعلّم.