فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 4:57 مساءً - بتوقيت القدس

على غرار نموذج غزة.. الاحتلال يفرض 'خطاً أصفر' أمنياً في جنوب لبنان

كشف جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم السبت، عن استحداث ما وصفه بـ 'الخط الأصفر' الفاصل في عمق الأراضي اللبنانية الجنوبية. وتعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها تداول هذا المصطلح رسمياً في البيانات العسكرية الإسرائيلية المتعلقة بالجبهة الشمالية، مما يشير إلى توجه لفرض واقع ميداني جديد يتجاوز الحدود المعترف بها دولياً.

وأوضحت مصادر ميدانية أن هذا الخط يمثل حدوداً وهمية رسمها الاحتلال جنوب نهر الليطاني، لتكون بمثابة منطقة عازلة تفصل بين قواته المتوغلة والمناطق المدنية اللبنانية. ويحاكي هذا الإجراء النموذج الذي طبقه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، حيث استُخدم 'الخط الأصفر' هناك لتحديد مناطق السيطرة العسكرية التي بلغت أكثر من نصف مساحة القطاع.

ورصدت تقارير إعلامية تبايناً لافتاً في الخطاب الإسرائيلي الموجه للداخل والخارج؛ حيث استخدم البيان الصادر باللغة العبرية مصطلح 'الخط الأصفر' بوضوح، بينما استبدله في النسخة العربية بمصطلح 'الخط الأزرق'. ويرى مراقبون أن هذا التناقض يهدف إلى تضليل الرأي العام الدولي مع التأكيد للمجتمع الإسرائيلي على تثبيت مناطق نفوذ أمنية داخل لبنان.

وفي تفاصيل التحركات الميدانية، أعلن جيش الاحتلال تنفيذ سلسلة من الغارات الجوية والقصف المدفعي خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية لدعم قواته البرية. وادعى الاحتلال أن هذه العمليات استهدفت أفراداً حاولوا الاقتراب من 'الخط الأصفر' الجديد، معتبراً ذلك انتهاكاً لتفاهمات وقف إطلاق النار التي أُعلنت مؤخراً.

وجاء في بيان رسمي لجيش الاحتلال أن القوات العاملة جنوب الخط الأصفر رصدت تحركات وصفتها بـ 'الإرهابية' من جهة الشمال، مما شكل تهديداً مباشراً للجنود. وأضاف البيان أن الجيش مخول بالتحرك العسكري ضد أي تهديدات محتملة، مؤكداً أن عمليات 'الدفاع وتحييد المخاطر' لا تخضع لقيود زمنية أو جغرافية خلال فترة التهدئة.

من جانبه، شدد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن تل أبيب لا تنوي الانسحاب من المناطق التي احتلتها في الجنوب اللبناني خلال العدوان الأخير. وأكد كاتس في تصريحات صحفية أن السيطرة الأمنية ستستمر لضمان عدم عودة التهديدات إلى الحدود الشمالية، وهو ما يفسر الإعلان عن الخطوط الأمنية الجديدة.

وتأتي هذه التطورات في وقت دخل فيه اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ برعاية أمريكية، حيث أعلن الرئيس دونالد ترمب عن هدنة لمدة عشرة أيام. وكان ترمب قد صرح عبر منصته 'تروث سوشال' بأن الولايات المتحدة لن تسمح بمزيد من القصف على لبنان، مؤكداً أن الوقت قد حان لإنهاء المواجهات العسكرية.

وعلى الصعيد اللبناني، أبدى الرئيس جوزيف عون استعداد الدولة للقيام بكل ما يلزم لتأمين انسحاب جيش الاحتلال وخلاص البلاد من آثار العدوان. وأكد عون في خطاب مصور أن المفاوضات الجارية تهدف إلى استعادة السيادة الوطنية، مشدداً على أن الحوار لا يعني الضعف بل هو وسيلة لحماية المدنيين.

ورغم إعلان التهدئة، وثقت مصادر رسمية لبنانية وقوع عدة خروقات إسرائيلية في اليوم الأول للاتفاق، شملت عمليات قصف وتفجير في قرى حدودية. وأسفرت هذه الاعتداءات عن ارتقاء شهيد وإصابة عدد من المواطنين والمسعفين، مما يضع الاتفاق الهش أمام اختبارات حقيقية في ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر.

ويعيد 'الخط الأصفر' إلى الأذهان استراتيجية 'المناطق العازلة' التي تفرضها إسرائيل في غزة منذ أكتوبر الماضي، حيث يتم عزل مساحات واسعة من الأراضي تحت ذريعة الأمن. ويخشى الجانب اللبناني من أن يتحول هذا الخط الافتراضي إلى واقع دائم يعيق عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم في الجنوب.

وبحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الجهات الصحية في لبنان، فقد خلف العدوان الإسرائيلي منذ مطلع مارس الماضي أكثر من 2294 شهيداً وآلاف الجرحى. كما تسبب القصف المكثف والعمليات البرية في نزوح أكثر من مليون شخص، يعيش معظمهم في ظروف إنسانية صعبة بانتظار استقرار الأوضاع الميدانية.

ختاماً، يرى محللون أن إصرار إسرائيل على استخدام مصطلحات عسكرية خاصة مثل 'الخط الأصفر' يعكس رغبتها في إعادة صياغة القواعد الأمنية على الحدود. ومع استمرار الخروقات الميدانية، يبقى التساؤل قائماً حول قدرة الضمانات الدولية على لجم التحركات الإسرائيلية ومنع تحويل جنوب لبنان إلى منطقة استنزاف دائم.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 4:57 مساءً - بتوقيت القدس

اجتماع رباعي في أنطاليا يضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان لبحث أزمات المنطقة

احتضنت ولاية أنطاليا التركية، اليوم السبت، اجتماعاً دبلوماسياً رفيع المستوى ضم وزراء خارجية كل من تركيا ومصر وباكستان والمملكة العربية السعودية. ويأتي هذا اللقاء، الذي استضافه الوزير التركي هاكان فيدان، كخطوة ثالثة ضمن مسار تشاوري مكثف يجمع الدول الأربع لتعزيز التنسيق المشترك تجاه القضايا الملتهبة في الشرق الأوسط.

وأفادت مصادر دبلوماسية بأن المباحثات جرت على هامش فعاليات منتدى أنطاليا الدبلوماسي في نسخته الخامسة، حيث ركز الوزراء على تفعيل مبدأ 'الملكية الإقليمية' في حل النزاعات. ويسعى هذا التوجه إلى تغليب الحلول النابعة من دول المنطقة لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية المتزايدة، بعيداً عن التدخلات الدولية التقليدية التي قد تزيد من تعقيد المشهد.

وتصدرت أجندة الاجتماع الرباعي ملفات حساسة، أبرزها حالة التصعيد العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر. وناقش الوزراء سبل احتواء هذه التوترات ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، مؤكدين على ضرورة إيجاد قنوات حوار فعالة تضمن استقرار الممرات المائية والأمن الإقليمي للدول المشاركة.

ويعد هذا اللقاء استكمالاً لسلسلة من التحركات الدبلوماسية التي بدأت في العاصمة السعودية الرياض منتصف مارس الماضي، والتي شهدت حينها اجتماعاً موسعاً لعدد من الدول العربية والإقليمية. وقد أعقب ذلك لقاءات ثنائية ورباعية في كل من إسلام آباد وأنطاليا، مما يعكس رغبة حقيقية لدى هذه العواصم في بناء كتلة دبلوماسية قادرة على التأثير في مسار الأحداث الجارية.

وفي سياق متصل، كان نواب وزراء خارجية الدول الأربع قد عقدوا اجتماعاً تحضيرياً في العاصمة الباكستانية في الرابع عشر من أبريل الجاري، لوضع الخطوط العريضة للملفات التي طُرحت اليوم. وتعكس هذه اللقاءات المتواترة في ظرف زمني وجيز حجم القلق الإقليمي من تدهور الأوضاع الأمنية، والسعي الحثيث لبلورة رؤية موحدة تجاه الأزمات التي تعصف بالمنطقة.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 4:42 مساءً - بتوقيت القدس

وزير الخارجية التركي: إسرائيل تستخدم 'الأمن' ذريعة لضم الأراضي وتوسيع احتلالها

أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن السياسات الإسرائيلية الراهنة لا تهدف إلى تحقيق الأمن كما تروج حكومة الاحتلال، بل تسعى بشكل أساسي إلى قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية. وأوضح فيدان خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي بنسخته الخامسة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتخذ من الهواجس الأمنية غطاءً شرعياً لتنفيذ مخططات استيطانية وتوسعية بعيدة المدى.

وأشار رئيس الدبلوماسية التركية إلى أن هذه السياسة التوسعية لا تقتصر على قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية فحسب، بل تمتد لتشمل أطماعاً في أراضٍ داخل لبنان وسوريا. وشدد على أن استمرار هذا النهج الاحتلالي يمثل عائقاً رئيساً أمام استقرار المنطقة، داعياً إلى ضرورة وقفه بشكل فوري لضمان العيش بسلام دائم يعتمد على احترام السيادة الوطنية للدول والاعتراف بحدودها الرسمية.

واعتبر فيدان أن محاولات إسرائيل المستمرة للاستيلاء على الأراضي تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي ومشكلة إقليمية كبرى تتطلب تكاتفاً دولياً. ولفت إلى أن الدعم اللامحدود الذي تتلقاه تل أبيب من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية يساهم في تعقيد المشهد السياسي والميداني، ويدفع سلطات الاحتلال إلى التمادي في انتهاك القوانين الدولية دون خشية من المحاسبة.

وفي سياق متصل، انتقد الوزير التركي عجز الاتحاد الأوروبي عن صياغة موقف مؤسسي موحد وحازم تجاه الممارسات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن القوة الأوروبية لم تُستخدم بفعالية للحد من هذه الأنشطة. ومع ذلك، رأى فيدان أن هناك بوادر صحوة داخل القارة العجوز، حيث بدأت بعض الدول تنأى بنفسها عن السياسات الإسرائيلية الخاطئة، خاصة بعد تداعيات حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

وعلى الصعيد الإقليمي، ذكر فيدان أن دول المنطقة تمر بمرحلة من اليقظة الجديدة، حيث باتت تدرك بشكل أوضح أن إسرائيل تمثل تهديداً استراتيجياً للأمن الجماعي في الشرق الأوسط. وأكد أن هذا الإدراك المتزايد يتطلب تنسيقاً أعمق لمواجهة التحديات التي يفرضها الاحتلال، والعمل على حماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في أرضه ودولته المستقلة.

واتهم وزير الخارجية التركي دولة الاحتلال بالتنصل من التزاماتها الدولية، مؤكداً أنها لم تفِ بمتطلبات المرحلة الأولى من خطة السلام المقترحة، لا سيما في الجوانب المتعلقة بالملف الإنساني. وأوضح أن العرقلة الإسرائيلية المتعمدة حالت دون وصول الإمدادات الضرورية للسكان المحاصرين، مما فاقم من حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها المدنيون في الأراضي المحتلة.

واختتم فيدان تصريحاته بالدعوة إلى ممارسة ضغوط دولية حقيقية للسماح بإدخال كميات أكبر من المساعدات الطبية والإغاثية إلى قطاع غزة بشكل عاجل. كما شدد على أهمية تمكين اللجنة التقنية الفلسطينية من بدء مهامها داخل القطاع للإشراف على العمليات الإنسانية، معتبراً أن كسر الحصار وإغاثة الشعب الفلسطيني يمثلان أولوية قصوى لا تقبل التأجيل في ظل الظروف الراهنة.

صحة

السّبت 18 أبريل 2026 3:58 مساءً - بتوقيت القدس

ترهل الجلد: الأسباب والحلول الطبية الحديثة بعيداً عن الجراحة التقليدية

يعد ترهل الجلد من التحديات الجمالية والصحية التي تواجه الكثيرين مع التقدم في السن، حيث تفقد البشرة تماسكها ومرونتها تدريجياً. وتنتج هذه الحالة بشكل رئيسي عن نقص بروتينات الكولاجين والإيلاستين، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل فقدان الوزن السريع أو التعرض المفرط لأشعة الشمس الضارة.

أوضح الدكتور عامر علي محسن، استشاري الأمراض الجلدية والتجميل أن فهم آلية ترهل الجلد يمكن تبسيطه عبر تشبيهه بـ 'الخيمة'. ففي هذا النموذج، يمثل الإيلاستين الحبال التي تثبت القماش، بينما يمثل الجلد القماش نفسه، وأي ضعف في هذه الحبال يؤدي مباشرة إلى ارتخاء المظهر العام وتدليه.

أشار محسن في تصريحات إعلامية إلى أن هناك فرقاً جوهرياً بين التجاعيد والترهلات من الناحية التشريحية والعلاجية. فالتجاعيد هي انكسارات سطحية في 'قماش' الجلد يمكن تحسينها عبر الكريمات الموضعية، بينما الترهل يمثل مشكلة أعمق تتعلق بتموضع الأنسجة وحجمها.

تظهر الترهلات بوضوح في مناطق معينة مثل الوجه والرقبة والذراعين، وغالباً ما تؤدي إلى ما يعرف بـ 'رقبة الديك الرومي'. ويعود ذلك إلى طبيعة حركة الجلد في هذه المناطق وتأثرها بتغيرات الوزن، حيث لا يعود الجلد بسهولة إلى وضعه السابق بعد تمدده الكبير.

تشير الدراسات الطبية إلى أن النساء أكثر عرضة لترهل الجلد مقارنة بالرجال لأسباب بيولوجية وهرمونية متعددة. وتلعب سماكة البشرة دوراً حاسماً في ذلك، إذ إن بشرة المرأة تكون عادة أرق، مما يجعلها أكثر حساسية للتغيرات البيئية وأسرع تأثراً بعوامل الشيخوخة.

تعتبر الوقاية حجر الزاوية في الحفاظ على شباب البشرة، وتبدأ من اتباع نظام غذائي متوازن يدعم بناء الأنسجة. كما ينصح الأطباء بتنظيم التعرض لأشعة الشمس ليكون في الأوقات الآمنة، وتحديداً قبل التاسعة صباحاً أو بعد الثالثة عصراً، لتجنب الأشعة فوق البنفسجية الحارقة.

فيما يخص العلاجات الحديثة، برزت تقنية 'مايكرو كورينج' كبديل فعال للعمليات الجراحية التقليدية لشد الجلد. تعتمد هذه التقنية على إزالة خزعات مجهرية دقيقة جداً من الجلد، مما يحفز عملية الالتئام الطبيعي ويقلص مساحة الجلد المترهل دون الحاجة لغرز جراحية.

تتميز تقنية 'مايكرو كورينج' بقدرتها على الوصول إلى عمق يصل إلى 4 مليمترات تحت سطح الجلد، وهو ضعف العمق الذي تصل إليه معظم أجهزة الليزر التقليدية. هذا العمق يسمح بمعالجة الترهلات الشديدة والندوب القديمة بفعالية أكبر وأمان تام للمريض.

من المزايا الكبرى لهذه التقنية الحديثة أنها لا تتطلب تخديراً كاملاً أو فترات نقاهة طويلة كما هو الحال في الجراحة. وتعتمد سرعة النتائج على قدرة الجلد الطبيعية على الالتئام، مما يجعلها خياراً مفضلاً لمن يبحثون عن نتائج طبيعية ومستدامة.

أكدت المصادر الطبية أن نحو 90% من الذين خضعوا لهذه التقنية لاحظوا تحسناً ملموساً منذ الجلسة الأولى. ومع ذلك، يوصي الخبراء عادة بإجراء جلستين للحصول على أفضل النتائج، مع ضرورة وجود فاصل زمني يصل إلى ثلاثة أشهر بين الجلسة والأخرى.

لا تقتصر فوائد التقنيات الحديثة على شد الجلد المترهل فحسب، بل تمتد لتشمل تحسين ملمس البشرة وعلاج آثار الإصابات. ويساهم هذا التطور التقني في تقليل الاعتماد على المشرط الجراحي، مما يقلل من المخاطر والمضاعفات المرتبطة بالعمليات الكبرى.

يبقى الالتزام بنمط حياة صحي واستشارة المختصين عند ظهور أولى علامات الارتخاء هو الضمان الأفضل للحفاظ على نضارة الجلد. فالتدخل المبكر باستخدام التقنيات غير الجراحية يمنع تفاقم الترهل ويحافظ على ملامح الوجه الطبيعية لفترات أطول.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 3:57 مساءً - بتوقيت القدس

انقسام سياسي في لبنان حول 'المفاوضات المباشرة' وقماطي يهاجم توجهات الرئاسة

عقد الرئيس اللبناني جوزيف عون اجتماعاً مع رئيس الحكومة نواف سلام، يوم السبت، لبحث التطورات الميدانية والسياسية في البلاد. وتركز اللقاء على تقييم مرحلة ما بعد إعلان وقف إطلاق النار والخطوات اللازمة لتثبيت الاستقرار في المناطق المتضررة.

أفادت مصادر رسمية بأن الاجتماع تناول بشكل أساسي 'الجهوزية اللبنانية للمفاوضات' المرتقبة مع الاحتلال الإسرائيلي. وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه الدولة اللبنانية لترتيب أوراقها الدبلوماسية لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة.

أعرب رئيس الحكومة نواف سلام عن أمله في أن يتمكن النازحون من العودة الآمنة إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن. وأكد أن الأجهزة الحكومية تعمل بجد لتسهيل هذه العودة عبر ترميم الجسور الحيوية وفتح الطرق التي دمرها القصف.

شدد سلام على أن الأولوية الحالية هي تأمين المستلزمات الأساسية في المناطق التي باتت العودة إليها ممكنة. وأوضح أن الدولة تضع كافة إمكانياتها لإعادة الحياة إلى طبيعتها في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت.

يأتي هذا التحرك الرسمي بعد خطاب ألقاه الرئيس عون، أشار فيه إلى أن لبنان يقف على أعتاب مرحلة جديدة تهدف للوصول إلى اتفاقات دائمة. واعتبر عون أن التفاوض المباشر لا يمثل ضعفاً أو تنازلاً، بل هو مسار لحماية السيادة الوطنية.

في المقابل، جاء رد فعل حزب الله حاداً تجاه هذه التوجهات الرسمية، حيث عبر عن رفضه القاطع لمبدأ التفاوض المباشر مع الاحتلال. واعتبرت قيادات في الحزب أن هذه الخطوات تتناقض مع ثوابت المقاومة والمعادلات الميدانية التي فرضتها الحرب.

وصف محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله، المفاوضات التي تسعى إليها الدولة بأنها 'فاشلة ومستسلمة'. وأكد في مؤتمر صحافي من الضاحية الجنوبية أن الحزب غير معني بهذه المسارات التي وصفها بالضعيفة.

اتهم قماطي الدولة اللبنانية بـ'التخاذل'، مشدداً على أن المقاومة هي التي ترسم القرارات والمعادلات على الأرض. وأضاف أن أي تنسيق مع الدولة يجب أن يحفظ السيادة الوطنية بعيداً عن منطق الاستسلام الذي يروج له البعض.

انتقد قماطي خطاب الرئيس عون الأخير، واصفاً مضمونه بـ'الصادم' للمقاومة وجمهورها. كما عتب على الرئاسة اللبنانية لتجاهلها دور إيران في التوصل إلى التفاهمات الحالية التي أدت لوقف إطلاق النار.

ميدانياً، يسود هدوء حذر في مختلف المناطق اللبنانية مع دخول الهدنة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يومها الثاني. ورغم توقف الغارات، إلا أن القلق لا يزال يساور الكثير من النازحين حول ديمومة هذا الاتفاق.

شهدت الطرق المؤدية إلى جنوب لبنان ازدحاماً خانقاً مع محاولة آلاف العائلات العودة لتفقد ممتلكاتهم. وتعمل فرق الجيش اللبناني على إزالة الأنقاض وفتح المسارات المغلقة لتسهيل حركة المرور الكثيفة.

في ضاحية بيروت الجنوبية، بدأت بعض العائلات بالعودة التدريجية لانتشال ما تبقى من أمتعتهم من تحت الركام. ومع ذلك، لا تزال أحياء كاملة شبه خالية بسبب الدمار الهائل وتخوف السكان من تجدد الأعمال العدائية.

نقلت مصادر ميدانية عن نازحين قولهم إنهم يفضلون التريث قبل العودة النهائية بانتظار تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم. وتعكس هذه المخاوف حالة عدم اليقين التي تسيطر على الشارع اللبناني رغم توقف القصف.

يذكر أن العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في مطلع مارس الماضي قد خلف خسائر بشرية ومادية جسيمة. حيث تشير الإحصاءات إلى استشهاد نحو 2300 شخص ونزوح أكثر من مليون لبناني من قراهم ومدنهم.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 3:27 مساءً - بتوقيت القدس

مؤسسة حقوقية تلاحق جندياً إسرائيلياً أمريكياً في سريلانكا بتهم جرائم حرب في غزة

أعلنت مؤسسة هند رجب الحقوقية الدولية عن تقديم شكوى جنائية رسمية إلى السلطات القضائية في سريلانكا ضد جندي إسرائيلي يحمل الجنسية الأمريكية، يتواجد حالياً على أراضيها. وتتهم الشكوى الجندي بالمشاركة في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي خلال خدمته العسكرية في قطاع غزة، مما يضع السلطات السريلانكية أمام مسؤولية قانونية دولية.

وأفادت مصادر بأن الجندي المستهدف يدعى 'جيك'، وكان قد تطوع للخدمة في صفوف الجيش الإسرائيلي فور اندلاع الحرب في الثامن من أكتوبر عام 2023. وقد خدم الجندي ضمن السرية 'د' التابعة للكتيبة 603 هندسة قتالية، وهي جزء من اللواء السابع الذي نفذ عمليات عسكرية واسعة النطاق في مناطق مختلفة من القطاع المحاصر.

وتستند الشكوى المقدمة إلى مجموعة من الأدلة والوثائق التي تثبت تورط الكتيبة التي خدم فيها الجندي في عمليات تدمير ممنهجة للمناطق المدنية. وشملت هذه العمليات هدم مبانٍ سكنية ومساجد ومنشآت صناعية، بالإضافة إلى تجريف أراضٍ زراعية واسعة، وهي أفعال تتجاوز المهام الهندسية العسكرية التقليدية لتصل إلى حد جرائم الحرب.

وأكدت المؤسسة الحقوقية أنها وثقت تورط الجندي بشكل مباشر في حادثة هدم واحدة على الأقل بمدينة خانيونس جنوبي القطاع خلال شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 2025. كما رصدت المؤسسة منشورات وصوراً شاركها الجندي عبر حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهره بوضوح داخل مناطق العمليات في خانيونس ورفح.

وشددت الشكوى على أن المنشآت التي تم استهدافها بالهدم لم تكن تشكل أهدافاً عسكرية وقت تدميرها، بل كانت جزءاً من سياسة تهدف إلى فرض السيطرة وتسهيل عمليات التهجير القسري للسكان. وتعتبر هذه الملاحقة القانونية تطوراً نوعياً، كونها المرة الأولى التي تلاحق فيها المؤسسة مواطناً أمريكياً بتهم جرائم حرب خارج الولايات المتحدة.

يُذكر أن مؤسسة هند رجب، التي تتخذ من العاصمة البلجيكية بروكسل مقراً لها، قد كثفت جهودها القانونية خلال العامين الماضيين لملاحقة مرتكبي الجرائم في غزة. وقد قدمت المؤسسة حتى الآن عشرات الشكاوى في نحو 17 دولة مختلفة، مستهدفة قادة وجنوداً في جيش الاحتلال الإسرائيلي بناءً على مبدأ الولاية القضائية الدولية.

وهذه ليست المرة الأولى التي تلاحق فيها المؤسسة جنوداً إسرائيليين في سريلانكا، حيث شهد عام 2024 تقديم شكوى مماثلة ضد سائح إسرائيلي كان قد خدم في غزة. وفي تلك الواقعة، غادر السائح البلاد على وجه السرعة بعد تلقيه تحذيرات من مسؤولين إسرائيليين لتجنب الاعتقال أو المساءلة القانونية من قبل السلطات المحلية.

وتحمل المؤسسة اسم الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي استشهدت في حادثة مأساوية مع عائلتها برصاص الاحتلال في مدينة غزة مطلع عام 2024. وقد تأسست هذه المنظمة الحقوقية لتكون صوتاً للضحايا وأداة لملاحقة الجناة وضمان عدم إفلاتهم من العقاب في المحافل القانونية الدولية عبر العالم.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 3:27 مساءً - بتوقيت القدس

لافروف يدعو واشنطن لحوار اقتصادي وأمريكا تمدد إعفاءات النفط الروسي

أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال مشاركته في قمة دبلوماسية بمدينة أنطاليا التركية أن موسكو ترى ضرورة البدء في حوار جاد مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وأوضح لافروف أن هذه الخطوة تأتي لاستكشاف رؤية واشنطن للتعاون المالي والتجاري، رغم اعترافه بوجود فجوات وخلافات عميقة لا تزال قائمة في الملفات السياسية والأمنية.

وفي سياق تقييمه للأوضاع الدولية، أشار لافروف إلى أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يمر بمرحلة صعبة ولا يعيش أفضل حالاته في الوقت الراهن. وأكد الوزير الروسي أن بلاده تلتزم بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للحلف، مشدداً على أن موسكو تركز على تحقيق انفراجة دبلوماسية مع إدارة الرئيس دونالد ترمب عبر بوابة المصالح الاقتصادية المشتركة.

بالتوازي مع هذه التصريحات، اتخذت الإدارة الأمريكية خطوة مفاجئة بإصدار إعفاء من العقوبات لمدة شهر كامل يسمح ببيع وتداول النفط الروسي الموجود حالياً في عرض البحر. ويهدف هذا القرار، الذي أصدرته وزارة الخزانة، إلى كبح جماح الارتفاع المتصاعد في أسعار الطاقة العالمية وتأمين استقرار الأسواق في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط.

ويأتي هذا الترخيص الجديد ليمدد العمل بتخفيف العقوبات الذي كان من المفترض أن ينتهي في الحادي عشر من أبريل الجاري، حيث سيسمح بشراء الشحنات التي تم تحميلها حتى منتصف شهر مايو المقبل. وقد أثار القرار حالة من الجدل في الأوساط السياسية، كونه جاء بعد يومين فقط من تصريحات لوزير الخزانة سكوت بيسنت أكد فيها نية واشنطن عدم تمديد أي استثناءات لموسكو.

وكان بيسنت قد صرح للصحافيين بأن الإدارة الأمريكية لا تعتزم منح تسهيلات إضافية للنفط الروسي أو الإيراني، اللذين تأثرا بالعقوبات المفروضة نتيجة النزاعات العسكرية الجارية. وأوضح أن الإعفاءات السابقة كانت تهدف فقط لامتصاص الصدمة التي أصابت أسواق الطاقة العالمية جراء المواجهات العسكرية المباشرة التي انخرطت فيها أطراف دولية وإقليمية ضد إيران.

من جانبها، ترى أطراف أوروبية أن هذه الإعفاءات قد تعرقل المساعي الدولية الرامية لتجفيف منابع التمويل الروسية وتقليص العائدات النفطية التي تعتمد عليها موسكو في عملياتها العسكرية. واعتبر مراقبون أن التراجع الأمريكي عن التشدد في العقوبات يعكس ضغوطاً داخلية مرتبطة بأسعار الوقود وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكي قبل فترات سياسية حاسمة.

وفي هذا الصدد، شدد وزير المالية الفرنسي رولان لوسكور، عقب اجتماعات مجموعة السبع في واشنطن، على ضرورة ضمان عدم تحقيق روسيا لأي مكاسب اقتصادية من الأزمات المشتعلة في الشرق الأوسط. وحذر لوسكور من أن تتحول أوكرانيا إلى ضحية ثانوية أو 'ضرر جانبي' نتيجة التحولات في السياسات النفطية أو التفاهمات الاقتصادية الطارئة بين القوى الكبرى.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 2:57 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة الخبز في غزة تتفاقم: طوابير طويلة ونقص حاد في الدقيق يهدد بمجاعة وشيكة

تشهد مناطق قطاع غزة اصطفاف آلاف الفلسطينيين في طوابير طويلة لساعات ممتدة أمام المخابز القليلة المتبقية، بحثاً عن كميات محدودة من الخبز الذي صار يمثل شريان الحياة الوحيد لعائلات أنهكها النزوح المتكرر. وتأتي هذه الأزمة المتصاعدة نتيجة النقص الحاد في كميات الدقيق التي تسمح سلطات الاحتلال بدخولها عبر المعابر، بالإضافة إلى الشح الكبير في الوقود اللازم لتشغيل المخابز.

وأفادت مصادر محلية بأن الأزمة تعمقت بشكل ملحوظ عقب قرار 'المطبخ المركزي العالمي' وقف دعمه للدقيق، حيث كان يوفر للقطاع ما بين 20 إلى 30 طناً بشكل يومي. كما قام برنامج الأغذية العالمي بتقليص حصصه الموردة من 300 طن إلى 200 طن يومياً، مما خلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب في ظل اعتماد الغالبية العظمى من السكان على الخبز المدعوم.

ويعتمد معظم الفلسطينيين منذ بدء حرب الإبادة على الخبز الذي توفره المؤسسات الإغاثية الدولية، حيث تباع الربطة زنة 2.5 كيلوغرام بنحو 3 شواكل فقط. وفي المقابل، يصل سعر الكمية ذاتها من الخبز غير المدعوم في الأسواق إلى ما بين 8 و10 شواكل، وهو مبلغ يفوق القدرة الشرائية لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها.

ووصف مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية 'أوتشا' الظروف المعيشية في القطاع بأنها 'مزرية'، مشيراً إلى أن معظم العائلات باتت تعتمد كلياً على المساعدات الشحيحة. وأكدت التقارير الأممية ارتفاعاً مفاجئاً في أسعار السلع الأساسية منذ مطلع مارس الماضي، حيث قفز سعر كيس الدقيق زنة 25 كيلوغراماً من 30 شيكلاً إلى نحو 75 شيكلاً نتيجة ندرة الإمدادات.

من جانبه، أوضح إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي أن تدهور الأمن الغذائي هو نتاج مباشر للقيود الإسرائيلية المشددة على المعابر التجارية والإنسانية. وأشار إلى أن الاحتلال يتعمد تقنين دخول المواد الأساسية لزيادة الضغط المعيشي على السكان، مما أدى إلى عجز المخابز عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات المواطنين اليومية.

وتشير إحصائيات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 1.6 مليون شخص في غزة، أي ما يعادل 77% من السكان، يواجهون مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتضم هذه الفئة المتضررة أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف سيدة حامل ومرضع، مما ينذر بكارثة صحية طويلة الأمد إذا لم يتم تدارك الموقف وتوفير الغذاء اللازم.

وفي شهادة ميدانية، يقول النازح إبراهيم قنديل إنه يضطر لقطع مسافات طويلة يومياً من خيمته في منطقة الرمال للحصول على ربطة خبز واحدة لا تكفي أفراد أسرته التسعة. وأكد قنديل أن الحصول على الخبز بات يتطلب صبراً ومعاناة تفوق طاقة البشر، خاصة مع انعدام السيولة النقدية التي تحول دون قدرة الناس على شراء احتياجاتهم الأساسية.

وحذر قنديل من أن استمرار هذا الوضع ينذر بمجاعة حقيقية تفتك بالنازحين، واصفاً الجوع بأنه 'أشد وطأة من القصف والحرب'. وتعكس هذه الكلمات حالة اليأس التي تسيطر على الشارع الفلسطيني في غزة، حيث أصبح تأمين رغيف الخبز هو الشغل الشاغل للأباء والأمهات وسط غياب البدائل الغذائية الأخرى.

وبحسب المعطيات الرسمية، يحتاج قطاع غزة يومياً إلى نحو 450 طناً من الدقيق لتلبية احتياجات السكان، بينما لا تتوفر حالياً سوى كميات لا تتجاوز 200 طن. هذا العجز الكبير أدى إلى توقف عدد كبير من المخابز عن العمل، واقتصار الإنتاج على عدد محدود جداً لا يغطي سوى جزء يسير من الطلب المتزايد.

وتعمل حالياً نحو 30 مخبزة فقط في عموم القطاع، تنتج قرابة 133 ألف ربطة خبز يومياً، يتم توزيع جزء منها مجاناً والباقي يباع عبر نقاط بيع مدعومة. وحذر المكتب الإعلامي الحكومي من احتمال انهيار ما تبقى من هذه المنظومة الهشة في حال استمر منع دخول الوقود وقطع إمدادات الدقيق من قبل المؤسسات الدولية.

وشدد الثوابتة على ضرورة وجود تحرك دولي عاجل لضمان تدفق المساعدات الغذائية بما يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية في القطاع. وطالب بإلزام الاحتلال بالتفاهمات الإنسانية التي تقضي بإدخال الشاحنات دون عوائق، محذراً من أن سياسة التجويع الممنهجة ستؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا بعيداً عن آلة الحرب العسكرية.

وعلى الرغم من وجود اتفاقات سابقة نصت على إدخال 600 شاحنة يومياً، إلا أن المصادر تؤكد أن إسرائيل لم تلتزم بهذه التفاهمات إطلاقاً. ولم تتجاوز كمية المساعدات التي سمح بدخولها منذ أكتوبر الماضي نسبة 38% مما كان يدخل القطاع قبل بدء العدوان، مما فاقم العجز في كافة القطاعات الحيوية.

وتأتي هذه الأزمة في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية التي خلفت دماراً هائلاً طال 90% من البنية التحتية المدنية في قطاع غزة. وقد أدت العمليات العسكرية المستمرة والحصار المشدد إلى شلل تام في الحياة الاقتصادية، مما جعل السكان يعتمدون بشكل كلي على ما تجود به قوافل الإغاثة الدولية المحدودة.

ختاماً، يبقى رغيف الخبز في غزة رمزاً للصمود والمعاناة في آن واحد، حيث يصارع الفلسطينيون للبقاء على قيد الحياة في ظل ظروف غير إنسانية. وتستمر المناشدات المحلية والدولية لفتح المعابر بشكل كامل وإنهاء الحصار، لإنقاذ ملايين الأرواح من خطر المجاعة الذي بات يطرق أبواب كل خيمة ومنزل في القطاع.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 2:57 مساءً - بتوقيت القدس

إيران تعيد إغلاق مضيق هرمز وتعلن 'السيطرة الصارمة' رداً على الحصار الأمريكي

أعلنت السلطات الإيرانية، اليوم السبت، عن استعادة السيطرة العسكرية الكاملة والصارمة على مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر أهمية لتجارة الطاقة عالمياً. وجاء هذا القرار تراجعاً عن خطوة سابقة بفتح الممر، وذلك رداً على ما وصفته طهران باستمرار الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على موانئها.

وأوضح مقر 'خاتم الأنبياء'، الذي يمثل غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية أن طهران كانت قد أبدت حسن نية بالسماح لعدد محدود من الناقلات بالمرور. إلا أن البيان أكد أن الجانب الأمريكي واصل ممارسة ما وصفه بـ 'القرصنة والنهب' تحت غطاء الحصار، مما استدعى إعادة فرض القيود المشددة على الملاحة.

وفي أول تصريح له منذ توليه منصبه، حذر المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي من أن القوات البحرية في بلاده على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تحرك معادٍ. وأكد خامنئي عبر منصات التواصل الاجتماعي أن المقاتلين الإيرانيين مستعدون لإلحاق هزائم جديدة بالأعداء، مشدداً على أن البحرية لن تتهاون في حماية السيادة الإيرانية.

ميدانياً، أفادت مصادر في قطاع الأمن البحري بتعرض سفينتين تجاريتين على الأقل لإطلاق نار أثناء محاولتهما عبور المضيق الاستراتيجي. وأشارت التقارير إلى أن الهجمات وقعت في وقت كانت فيه التوترات تبلغ ذروتها عقب الإعلان الإيراني عن إغلاق الممر المائي أمام الملاحة الدولية غير المصرح بها.

من جهتها، ذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت بلاغاً عن تعرض ناقلة نفط لإطلاق نار مباشر من قبل زورقين مسلحين يعتقد انتماؤهما للحرس الثوري. وأوضحت الهيئة أن الحادث وقع على بعد 20 ميلاً بحرياً شمال شرقي سلطنة عمان، حيث بادر المسلحون بإطلاق النار دون أي تحذير لاسلكي مسبق.

وعلى الجانب الآخر، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحصار البحري المفروض على إيران سيبقى سارياً بالكامل ولن يتم رفعه إلا باتفاق شامل. وربط ترامب رفع القيود بضرورة توصل طهران إلى اتفاق جديد يتناول برنامجها النووي وسلوكها الإقليمي، ملوحاً بخيار القصف الجوي في حال عدم الامتثال.

وفيما يخص الهدنة المؤقتة، أشار ترامب إلى احتمالية عدم تمديد وقف إطلاق النار الذي كان مقرراً لتسهيل المفاوضات بين الطرفين. واعتبر الرئيس الأمريكي أن إيران لا تزال تحت الحصار الفعلي، وأن القوات الأمريكية مستعدة للتحرك عسكرياً مجدداً إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في تحقيق الأهداف الواشنطنية.

وزارة الخارجية الإيرانية من جانبها وصفت الحصار الأمريكي بأنه انتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم لمدة أسبوعين. وقال المتحدث باسم الوزارة إسماعيل بقائي إن طهران سترد بشكل مناسب على أي اعتراض للسفن الآتية من موانئها، معتبراً التحركات الأمريكية تقويضاً لفرص السلام.

وتشير بيانات القيادة المركزية الأمريكية إلى أن القوات البحرية أصدرت أوامر لـ 21 سفينة تجارية بالعودة وعدم إكمال مسارها منذ بدء الحصار. وتعكس هذه الأرقام حجم التضييق الاقتصادي والعسكري الذي تمارسه واشنطن للضغط على النظام الإيراني في ملفات شائكة تتصدرها القضية النووية.

وفي تطور منفصل، أعلنت هيئة الطيران المدني الإيرانية عن إعادة فتح أجزاء من المجال الجوي للبلاد أمام الرحلات الدولية والداخلية. وأوضح البيان أن الجزء الشرقي بات متاحاً للملاحة الجوية الدولية، بينما يتم العمل على استئناف الرحلات الداخلية تدريجياً بعد استكمال الترتيبات الأمنية اللازمة.

وكانت إيران قد أغلقت مجالها الجوي بالكامل في أواخر فبراير الماضي عقب اندلاع مواجهات عسكرية واسعة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل. ويأتي الفتح الجزئي للمجال الجوي كمحاولة لتخفيف الضغط الداخلي وتسهيل بعض العمليات اللوجستية في ظل الحصار البحري الخانق المفروض على البلاد.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تعثرت الجولة الأولى من المفاوضات الرامية لوقف الحرب. وتسعى أطراف دولية لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة الحوار قبل انتهاء مدة الهدنة المؤقتة التي بدأت في الثامن من أبريل الجاري.

وتمر المنطقة بظروف أمنية بالغة التعقيد منذ بدء العمليات العسكرية في 28 فبراير، حيث تسببت المواجهات في شلل جزئي لحركة التجارة. ويعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خمس إنتاج العالم من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، مما يجعل إغلاقه تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي.

ويرى مراقبون أن التصعيد الأخير في مضيق هرمز يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة. فبينما تتمسك واشنطن بسياسة الضغوط القصوى، تظهر طهران استعداداً للمخاطرة بإغلاق أهم الممرات المائية للرد على ما تصفه بالعدوان الاقتصادي والعسكري.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 2:12 مساءً - بتوقيت القدس

فيدان: إسرائيل تتذرع بالأمن لتوسيع احتلالها في المنطقة وتصدير 'أوهام' للعالم

شن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هجوماً حاداً على السياسات الإسرائيلية الراهنة، متهماً تل أبيب باستغلال النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط كغطاء لتنفيذ مخططات توسعية واحتلال مساحات إضافية من الأراضي. وأوضح فيدان خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي أن الهدف الحقيقي لحكومة بنيامين نتنياهو ليس توفير الأمن لمواطنيها كما تدعي، بل السيطرة الجغرافية المستمرة.

وأشار الوزير التركي إلى أن الأطماع الإسرائيلية لم تعد تقتصر على الأراضي الفلسطينية المحتلة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، بل امتدت لتشمل محاولات بسط النفوذ والسيطرة على مناطق في لبنان وسوريا. واعتبر أن هذا السلوك يمثل احتلالاً وتوسعاً ممنهجاً يجب على المجتمع الدولي التحرك الفوري لوقفه قبل تفاقم الأوضاع بشكل لا يمكن السيطرة عليه.

وفي سياق حديثه، لفت فيدان إلى أن إسرائيل نجحت في 'زرع وهم' لدى الرأي العام العالمي عبر تصوير عملياتها العسكرية على أنها إجراءات دفاعية ضرورية لحماية أمنها القومي. وأكد أن الحقيقة تكمن في رغبة جامحة لضم الأراضي، مشدداً على أن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر القوة، بل من خلال احترام سيادة الدول الأخرى وحريتها في المنطقة.

وشدد رئيس الدبلوماسية التركية على أن السبيل الوحيد لتعايش إسرائيل بسلام في المحيط الإقليمي هو التوقف عن استخدام القوة العسكرية ضد جيرانها والسماح لشعوب المنطقة بالتمتع بالأمن والاستقرار. وأضاف أن استمرار العقلية التوسعية سيؤدي حتماً إلى مزيد من الصراعات التي لن تجلب الأمن لأي طرف، بل ستزيد من حالة العداء والكراهية.

وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية، كشف فيدان عن سلسلة من المباحثات المكثفة التي أجراها على هامش المنتدى مع وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان. وتركزت هذه اللقاءات على تنسيق المواقف العربية والإسلامية تجاه الحرب المستعرة في المنطقة، وبحث سبل الضغط الدولي لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق المدنيين والأراضي العربية.

ودعا الوزير التركي دول المنطقة إلى ضرورة توحيد الصفوف والتعامل بنضج سياسي مع الأزمات الراهنة، مؤكداً أن المسؤولية تقع على عاتق القوى الإقليمية لحل مشاكلها ذاتياً. وأشار إلى أن التنسيق المشترك هو السلاح الأقوى لمواجهة التحديات التي تفرضها السياسات الإسرائيلية التي وصفها بأنها الوحيدة في المنطقة التي تسعى لتحقيق مكاسب ترابية.

وفيما يخص الملف الأوكراني، أوضح فيدان أن التصعيد الأخير في الشرق الأوسط أدى إلى تراجع الاهتمام الدولي بالحرب الروسية الأوكرانية وتهميش الجهود الدبلوماسية التي كانت تقودها أنقرة. وحذر من أن بقاء هذا النزاع مفتوحاً دون حل سياسي قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع في القارة الأوروبية بمجرد هدوء التوترات في المنطقة العربية.

وتطرق التقرير إلى جذور التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن الخلافات تعمقت بشكل كبير بسبب العدوان الأخير على غزة والتباين الواضح في الرؤى تجاه الملف السوري. وتعد هذه التصريحات امتداداً لموقف تركي حازم يرفض السياسات اليمينية المتطرفة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية في التعامل مع الملفات الإقليمية.

يُذكر أن العلاقات بين أنقرة وتل أبيب كانت قد شهدت نقطة تحول دراماتيكية في عام 2010 عقب الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية الذي كان يحمل مساعدات إنسانية لغزة. تلك الحادثة التي أسفرت عن سقوط ضحايا أتراك لا تزال تلقي بظلالها على المشهد السياسي، حيث تصر تركيا على ربط أي تحسن في العلاقات بوقف الممارسات الاحتلالية ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 1:42 مساءً - بتوقيت القدس

خطة 'بولس' لتقاسم السلطة في ليبيا: مقاربة الصفقات وتحديات الواقع

تتسم المقاربة الأمريكية الحالية للنزاع الليبي بالانسجام مع توجهات الإدارة الجمهورية في واشنطن، حيث يبرز أسلوب الرئيس دونالد ترامب في تغليب لغة الصفقات على المسارات الديمقراطية التقليدية. تهدف هذه السياسة إلى البحث عن أقصر الطرق للتعامل مع القوى المسيطرة على الأرض، طالما أنها لا تشكل تهديداً مباشراً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة.

يقود هذه التحركات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، الذي كثف من لقاءاته مع نقاط الثقل السياسي في ليبيا، متمثلة في حكومة الوحدة الوطنية بالغرب والقيادة العامة في الشرق. وقد شملت هذه التحركات جولات دبلوماسية في عواصم كبرى مثل روما وباريس وواشنطن، بهدف صياغة مخرج للأزمة الليبية يتجاوز الجمود الراهن.

تشير المعلومات المسربة حول هذه الخطة إلى مقترح يقضي بتقاسم السلطة وفق الهيكل التنفيذي الحالي، بحيث يتولى صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، بينما يستمر عبد الحميد الدبيبة في منصبه رئيساً للحكومة. ورغم عدم صدور تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية، إلا أن ردود الفعل السياسية تعزز فرضية وجود هذا المقترح قيد التداول الجدي.

أحد المؤشرات القوية التي تدعم فرضية الاتفاق هو التوافق الأخير على توحيد الإنفاق التنموي بين حكومتي الشرق والغرب، وهو ما يراه مراقبون خطوة تمهيدية لخطة بولس. ويبدو أن الطرفين المعنيين مباشرة بالخطة يدعمان هذا التوجه الاقتصادي كمدخل لتثبيت التفاهمات السياسية الأوسع التي يتم التحضير لها خلف الكواليس.

في المقابل، برزت أصوات معارضة لهذه التفاهمات، حيث عبر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي عن تحفظه الواضح على ما وصفها بـ 'الصفقات' التي تغلب المصالح الضيقة. ويرى المنفي أن أي تسوية يجب أن تخدم المسار الانتخابي الشامل بدلاً من تكريس سلطة الأمر الواقع عبر محاصصات سياسية جديدة.

من جانبه، أعلن المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة رفضه لأي تسوية سياسية تخرج عن الإطار الدستوري الحاكم والاتفاق السياسي الليبي. ويُفسر موقف المجلس المتماهي مع حكومة الوحدة في طرابلس على أنه محاولة لرفض 'الصفقة' دون الدخول في صدام مباشر مع الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي.

يعتقد بعض المحللين أن التباين في المواقف داخل معسكر الغرب الليبي قد يكون مجرد 'بالون اختبار' لقياس مدى قبول الشارع والقوى السياسية لهذه الخطة. فبينما يلتزم الدبيبة الصمت، تخرج المكونات الرديفة للتعبير عن الرفض، مما يمنح الحكومة هامشاً للمناورة السياسية أمام الضغوط الدولية المتزايدة.

تعتمد جدية خطة بولس على مدى الدعم الذي ستحظى به من البيت الأبيض بصفة رسمية، حيث لا تزال المقاربة توصف بأنها اجتهاد ضمن محددات عامة. ولن يصبح هذا المسار واقعاً مفروضاً إلا في حال مصادقة الرئيس ترامب عليه بشكل نهائي، مما سيحولها من مقترح دبلوماسي إلى سياسة أمريكية ملزمة.

على الصعيد العسكري، يظهر المشهد تعقيداً إضافياً، إذ إن أغلب القوى الأمنية في الغرب الليبي لا تتبنى موقفاً عدائياً جذرياً تجاه القيادة العامة في الشرق. هذا التداخل قد يسهل تمرير الخطة إذا ما تحولت إلى خيار دولي مدعوم، رغم المعارضة السياسية المعلنة من بعض الأطراف في طرابلس.

في الشرق الليبي، لا يبدو الموقف موحداً بالكامل تجاه مقترحات بولس، حيث ظهرت تحفظات من قبل خالد وبلقاسم حفتر على بعض جوانب الاتفاق. فقد أبدى خالد حفتر موقفاً غير موارب في تقييم الخطة، بينما ركز بلقاسم تحفظاته على الشق الاقتصادي المتعلق بتوزيع الموارد والإنفاق التنموي.

إن تمرير مثل هذا الاتفاق يعني بالضرورة تمديداً غير محدد للمسار الديمقراطي وتأجيلاً طويلاً للانتخابات الوطنية التي ينتظرها الليبيون. ويخشى مراقبون أن يؤدي ذلك إلى تكريس احتكار السلطة من قبل القوى الفاعلة حالياً، مما يغلق الباب أمام أي تغيير سلمي وتداولي للسلطة في المستقبل القريب.

تثار تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه المقاربة ستنهي معاناة الشعب الليبي أم أنها مجرد ترحيل للأزمات وتسكين للنزاع المسلح. فالمحرك الأساسي لهذه الصفقات، بحسب تقارير دولية، غالباً ما يكون تحقيق مصالح خاصة وضمان استقرار هش يخدم القوى الإقليمية والدولية أكثر من المواطن الليبي.

يرى خبراء أن خطة بولس تنسجم مع الخط العام الأمريكي الهادف لتفكيك النزاع عبر مسارات أمنية واقتصادية متوازية سبقت الطرح السياسي الحالي. ومع ذلك، فإن غياب الرؤية الشاملة للحل الجذري قد يجعل من هذا الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع على النفوذ والموارد.

يبقى المشهد الليبي معلقاً بين طموحات الفاعلين المحليين في البقاء بالسلطة وبين الرغبة الأمريكية في إغلاق الملف بأي ثمن سياسي. وفي حال تحولت خطة بولس إلى قرار رسمي من البيت الأبيض، فإن الخارطة السياسية الليبية ستشهد مخاضاً عسيراً قد يعيد تشكيل التحالفات في الشرق والغرب على حد سواء.

اسرائيليات

السّبت 18 أبريل 2026 12:59 مساءً - بتوقيت القدس

تشاؤم إسرائيلي حيال اتفاقات السلام مع لبنان: استعادة لتجربة 1983 وشروط لإصلاح الجيش

تتصاعد في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية حالة من الترقب المشوب بالحذر مع تزايد التقارير الأمريكية حول مفاوضات مباشرة وشيكة بين لبنان ودولة الاحتلال. ويستحضر المحللون الإسرائيليون في هذا السياق تجربة عام 1983 المريرة، حين وُقعت اتفاقية سلام لم ترَ النور فعلياً، مما يثير تساؤلات جوهرية حول نضوج الظروف الراهنة لإبرام تسوية مستدامة.

اعتبر المستشرق وخبير شؤون الشرق الأوسط، حاييم غولوفنيتسيتس أن انطلاق المفاوضات المباشرة في واشنطن، والتي أفضت إلى وقف إطلاق نار محدود، يمثل حدثاً تاريخياً بحد ذاته. وأشار في تحليل نشرته صحافة الاحتلال إلى أن هذا التحول هو نتاج مباشر للتغيرات الجذرية التي عصفت بالمنطقة ولبنان منذ أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023.

استذكر المحلل الإسرائيلي انهيار الدولة اللبنانية في أعقاب الحرب الأهلية عام 1975، وكيف أدى ذلك الصراع إلى صعود القوى الشيعية وتأسيس حزب الله لاحقاً. وأوضح أن تلك الحقبة شهدت تغلغلاً سورياً ونشاطاً مكثفاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، مما جعل لبنان ساحة مفتوحة للتدخلات العسكرية والسياسية الإقليمية والدولية.

تطرق التحليل إلى اتفاقية مايو 1983 التي وُقعت في عهد أمين الجميل وبدعم من الاحتلال، مؤكداً أنها ظلت حبراً على ورق حتى أُلغيت رسمياً. ويرى الخبراء أن الفشل التاريخي في تنفيذ تلك الاتفاقية يعود إلى غياب الإجماع الداخلي اللبناني وسطوة القوى المسلحة التي كانت ترفض أي تقارب مع الجانب الإسرائيلي.

أحدثت حرب السابع من أكتوبر 2023 تحولاً دراماتيكياً في الجبهة الشمالية، حيث انخرط حزب الله في صراع استنزاف طويل أدى لخسائر فادحة في صفوف قياداته. ويرى مراقبون أن اغتيال الأمين العام للحزب وتدمير أجزاء واسعة من بنيته التحتية العسكرية وضع الحزب في مأزق استراتيجي غير مسبوق أمام جمهوره والداخل اللبناني.

يشير التحليل الإسرائيلي إلى أن اتفاق الطائف لعام 1989، الذي وضع حداً للحرب الأهلية، تضمن ثغرة كبرى بالسماح لحزب الله بالاحتفاظ بسلاحه تحت مسمى المقاومة. هذا الاستثناء مكن الحزب من فرض إرادته السياسية لاحقاً، كما حدث في أيار 2008 عندما سيطر عسكرياً على بيروت رداً على محاولات تقليص نفوذه في المطار وشبكة الاتصالات.

يرى غولوفنيتسيتس أن شعار 'جيش وشعب ومقاومة' يواجه اليوم تحدياً مصيرياً في ظل الدمار الهائل الذي لحق بالجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية. فالرأي العام اللبناني، وحتى داخل البيئة الشيعية، بدأ يتساءل عن جدوى الاستمرار في مواجهة مفتوحة أدت إلى نزوح مئات الآلاف وتدمير مقومات الحياة الأساسية.

تتبع سلطات الاحتلال حالياً استراتيجية تهدف إلى توسيع المنطقة العازلة في الجنوب اللبناني عبر تدمير ممنهج للبنية التحتية في القرى الحدودية. وتستهدف هذه السياسة منع عودة النازحين في المدى القريب، وفرض واقع ميداني جديد يضغط على الحكومة اللبنانية للقبول بشروط أمنية أكثر صرامة في أي اتفاق مستقبلي.

يؤكد المحللون الإسرائيليون أن الواقع الديموغرافي والسياسي في لبنان قد تغير عما كان عليه في الثمانينيات، حيث تراجع النفوذ السوري وتغيرت موازين القوى المسيحية. ومع ذلك، يظل العائق الأكبر أمام أي استقرار هو ضعف مؤسسات الدولة اللبنانية وعجزها عن بسط سيادتها الكاملة على كافة الأراضي، خاصة في المناطق الحدودية.

تعتبر الدوائر الإسرائيلية أن الجيش اللبناني، رغم كونه مؤسسة تحظى بتأييد شعبي، إلا أن أداءه الميداني يظل متواضعاً وغير قادر على مواجهة نفوذ حزب الله. وتستدل هذه الدوائر بإخفاق الجيش في تنفيذ القرارات الدولية السابقة، وعلى رأسها القرار 1701، الذي فشل في منع الحزب من تعزيز ترسانته العسكرية جنوب الليطاني.

يقترح التحليل الإسرائيلي ضرورة إجراء إصلاح جذري وشامل للجيش اللبناني كشرط أساسي لنجاح أي اتفاق سلام أو تهدئة طويلة الأمد. ويتضمن هذا المقترح نقل مسؤولية إعادة بناء الجيش وتدريبه إلى الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، لضمان استقلاليته عن التأثيرات الحزبية والإقليمية الموالية لإيران.

تشدد الرؤية الإسرائيلية على ضرورة 'تطهير' صفوف الجيش اللبناني من العناصر الموالية لحزب الله على كافة المستويات القيادية والخدمية. وبدون هذه الخطوة، ترى مصادر إسرائيلية أن أي سلاح أو دعم يقدم للجيش قد ينتهي به المطاف كأداة بيد الحزب، مما يفرغ أي اتفاق أمني من مضمونه الحقيقي.

يعاني حزب الله في الوقت الراهن من أزمات مالية ومعنوية حادة نتيجة الحصار المالي والضربات العسكرية المتلاحقة التي استهدفت خطوط إمداده. ورغم هذه الانكسارات، لا يزال الحزب يراهن على قدرته على التعافي والتمسك بمواقفه السياسية، مستنداً إلى ما تبقى من ترسانته الصاروخية ودعم طهران المستمر.

في الختام، تخلص القراءة الإسرائيلية إلى أن توقيع اتفاق جديد مع لبنان دون ضمانات تنفيذية صارمة سيكون تكراراً للفشل التاريخي. فالمسألة لا تتعلق بالنصوص القانونية، بل بالقدرة على تغيير الواقع على الأرض، وهو ما يتطلب إرادة دولية وإقليمية حازمة لإعادة صياغة التوازنات داخل الدولة اللبنانية بعيداً عن سطوة السلاح غير الشرعي.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 12:21 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يعيق وصول عشرات الطلبة لمدارسهم في جبل المكبر عبر حاجز "الشياح"

القدس - "القدس" دوت كوم - أحمد جلاجل - منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم، عشرات الطلبة من سكان بلدة جبل المكبر بالقدس المحتلة من اجتياز حاجز "الشياح" العسكري، مما حال دون وصولهم إلى مقاعدهم الدراسية.

وأفاد الدكتور فراس شقيرات، أحد سكان المنطقة، بأن جنود الاحتلال المتمركزين على الحاجز الفاصل بين السواحرة الغربية والشرقية منعوا الطلبة من العبور، بذريعة عدم تسجيل أسمائهم في قيود الحاجز. 

من جانبهم، وجه أهالي الطلبة نداءً عاجلاً للمؤسسات الحقوقية والجهات المسؤولية للتدخل الفوري لإنهاء هذه المعاناة وضمان حق أطفالهم في التعليم دون قيود عسكرية.



فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 12:13 مساءً - بتوقيت القدس

اليونيسف تعلّق عملياتها في غزة عقب استشهاد سائقين برصاص الاحتلال

أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) رسمياً عن تعليق كافة أنشطة المتعاقدين معها في قطاع غزة، وذلك في أعقاب جريمة استهداف ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وأوضحت المنظمة أن جنود الاحتلال أطلقوا النار بشكل مباشر على سائقي شاحنتين كانا في مهمة إنسانية لتوصيل مياه الشرب للسكان في المناطق الشمالية من القطاع، مما أدى إلى استشهادهما على الفور.

وشددت المنظمة الدولية في بيانها الصادر يوم السبت على ضرورة إجراء تحقيق فوري وشفاف في ملابسات هذا الاعتداء، مؤكدة على وجوب ضمان المساءلة الكاملة لمرتكبي الجرائم ضد الطواقم الإغاثية. كما أعربت اليونيسف عن استنكارها الشديد لاستهداف البنية التحتية المدنية ومرافق المياه التي تعد شريان الحياة الوحيد المتبقي لمئات الآلاف من المدنيين المحاصرين.

ووفقاً للتفاصيل الميدانية، فإن الحادثة وقعت يوم الجمعة أثناء عملية اعتيادية لنقل المياه عند محطة صهاريج منطقة المنصورة في حي الشجاعية. وتعتبر هذه المحطة المرفق الوحيد الذي لا يزال يعمل لتزويد مدينة غزة بالمياه عبر خط إمداد 'ميكوروت'، مما يجعل توقف العمل فيها تهديداً مباشراً للأمن المائي في المنطقة الشمالية التي تعاني أصلاً من دمار واسع.

وتأتي هذه الجريمة في سياق سلسلة من الخروقات اليومية التي يرتكبها جيش الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار المعمول به منذ العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025. وتسببت هذه الاعتداءات المتكررة في تفاقم الأزمة الإنسانية، خاصة مع تعمد الاحتلال قصف آبار المياه ومحطات التحلية خلال سنوات الحرب الماضية، مما جعل الحصول على قطرة ماء نظيفة تحدياً يومياً شاقاً.

وفي سياق متصل، كشفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة عن أرقام صادمة تتعلق بضحايا العدوان، حيث وثقت استشهاد أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة حتى نهاية العام المنصرم. وأشار التقرير الأممي إلى أن هذا الرقم يعكس واقعاً مأساوياً تسقط فيه نحو 47 ضحية من النساء يومياً، مما يستوجب تدخلاً دولياً حازماً لفرض احترام القانون الدولي الإنساني.

من جانبها، أفادت مصادر طبية في وزارة الصحة بأن حصيلة خروقات الاحتلال لاتفاق الهدنة الأخير قد ارتفعت لتصل إلى 766 شهيداً وأكثر من ألفي جريح. وتظهر هذه الإحصائيات استمرار الاستهداف الممنهج للمدنيين رغم التفاهمات الدولية، في محاولة لتقويض أي استقرار نسبي قد يشهده القطاع المنكوب بعد سنوات من القصف المتواصل.

يُذكر أن إجمالي ضحايا حرب الإبادة الجماعية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 قد تجاوز 72 ألف شهيد و172 ألف جريح، في حصيلة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. وقد أدت هذه الحرب إلى تدمير ما يقارب 90% من البنية التحتية والمنشآت الحيوية في قطاع غزة، مما جعل المنطقة تواجه كارثة بيئية وصحية شاملة تتطلب عقوداً من إعادة الإعمار.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 12:13 مساءً - بتوقيت القدس

كتابات عبرية ورصاص كثيف.. مشاهد توثق ضراوة المعارك في بلدة دبين جنوب لبنان

مع سريان اتفاق وقف إطلاق النار وعودة النازحين تدريجياً إلى مناطقهم، بدأت تتكشف ملامح المواجهات الضارية التي شهدتها بلدة دبين التابعة لقضاء مرجعيون في الجنوب اللبناني. وأفادت مصادر ميدانية بأن الأيام الأخيرة التي سبقت التهدئة شهدت محاولات إسرائيلية حثيثة للتقدم نحو البلدة، انطلاقاً من محور مدينة الخيام الذي كان مركزاً للعمليات العسكرية منذ الأسابيع الأولى للحرب.

ورصدت كاميرات التوثيق الميداني داخل أحد المنازل في دبين آثاراً واضحة للاشتباكات، حيث غطت بقايا الرصاص الأرضيات بكثافة، فيما تركت القوات المتسللة كتابات باللغة العبرية على الجدران. وتؤكد هذه الشواهد وصول قوة مشاة إسرائيلية إلى عمق معين داخل الموقع قبل أن تندلع مواجهات مباشرة أجبرتها على التراجع ومنعتها من تثبيت نقاط تمركز دائمة.

وبحسب شهادات الأهالي الذين عاينوا منازلهم، فإن القوة الإسرائيلية وصلت إلى نقاط محددة في أطراف البلدة لكنها عجزت عن التوسع أكثر نتيجة المقاومة الشرسة التي واجهتها. وأشار السكان إلى أن الدمار الذي طال الأبنية والممتلكات واسع جداً، إلا أنهم شددوا على أن إرادة البناء لا تزال قائمة طالما أن الأرض بقيت محمية من الاحتلال.

وتركزت أعنف الاشتباكات عند مدخل البلدة الرئيسي، حيث تركت الأسلحة المتنوعة ثقوباً وحفراً كبيرة في الجدران والطرقات، ناتجة عن القصف العنيف والمواجهات من مسافات قريبة. وأوضحت التقارير أن القوة المتسللة كانت تتألف من وحدات مشاة حاولت التسلل خلسة دون الاستعانة بالدبابات أو الآليات الثقيلة في المرحلة الأولى من الهجوم.

وتعتبر بلدة دبين من النقاط الجغرافية القليلة التي شهدت عملية توغل أعقبها انسحاب إسرائيلي سريع تحت ضغط النيران، وهو ما يميزها عن مناطق أخرى لم تشهد محاولات اختراق مماثلة. وقد استمرت المعارك في محيطها لساعات طويلة، خاصة في الليلة التي سبقت الإعلان الرسمي عن وقف العمليات القتالية، مما عكس الأهمية الاستراتيجية للموقع.

ولتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية من محيط دبين، شن الطيران الحربي سلسلة غارات مكثفة تجاوزت سبع غارات جوية، ترافقاً مع قصف مدفعي عنيف شكل غطاءً نارياً للمشاة المنسحبين. هذا القصف المكثف تسبب في مضاعفة حجم الدمار في البنية التحتية والمنازل السكنية، مما جعل عودة الحياة الطبيعية تتطلب جهوداً كبيرة من البلدية والجهات المعنية.

وفي الوقت الراهن، بدأت عائلات محدودة بالعودة لتفقد ما تبقى من ممتلكاتها وسط ركام المنازل، بينما تباشر الآليات التابعة للبلدية العمل على فتح الطرقات الحيوية التي أغلقت بفعل الركام المتساقط. وتكتسب دبين أهمية خاصة لقربها من مدينة الخيام والحدود، مما جعلها نقطة ارتكاز في الصراع الأخير الذي شهده الجنوب اللبناني.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:59 صباحًا - بتوقيت القدس

ما بعد المضيق إلا الفرج

انتهى حصارُ المضيق، وفتح أمام حركة السفن والتجارةِ الدولية، وعاد إلى سابق عهده في العمل. لحظةٌ ليست عابرة، خاصةً للرئيس الأمريكي الذي اعتبرها انتصارًا له ولسياساته في التفاوض والحرب، وسرعان ما انهال بتغريداته كعادته. لحظةٌ فارقةٌ لحركة التجارة الدولية التي شهدت انتكاساتٍ حادة خلال فترة إغلاق المضيق، وهذا سيخفف من الآثار التي ألقت بظلالها على اقتصاديات الدول، والشعوب التي عانت من ارتفاعاتٍ باهظةٍ في الأسعار، ومن شح في الواردات والصادرات.

رفعت إيران حصارها عن المضيق، وبهذا تكون صفحةُ هرمز قد طُويت، وعادت الرياح تجري كما تشتهي السفن، وعادت حركة الملاحة والتجارة إلى سابق عهدها. ووفق ما خرجت به بعض التصريحات، فإن الأمر متعلق بوقف الحرب على لبنان، الأمر الذي نفاه ترامب. وسواء صدق ترامب أم كذب، فإن المهم في ذلك تلك المؤشرات حول تقدم المفاوضات، وتضاؤل فرص تجدد الحرب.

مع فتح مضيق هرمز، تكون المفاوضات مع إيران تسير في الطريق إلى الاتفاق على كل نقاط الخلاف، وليس الأمر ببعيدٍ عما يحدث في لبنان، وسيكون له الأثر البالغ في نجاح المفاوضات، ولجم نتنياهو من قبل ترامب، الذي أعلن صراحةً أنه لا قصف ولا حرب على لبنان، محذرًا نتنياهو من عدم الالتزام بذلك.

ما بعد المضيق عودةٌ لترتيبات المنطقة المتعلقة بملفات لبنان وغزة وسوريا. المفاوضات مع لبنان وقد بدأت بشكلها المباشر، والتفاوض على نزع سلاح حماس وما يحدث في القاهرة، والتفاوض على المناطق الحدودية مع نظام الشرع في سوريا، وكل هذا ينصب نحو شرق أوسط جديد، وفق ما تراه الإدارة الأمريكية التي تصول وتجول كما يحلو لها، بعد أن انتهت من الملف الإيراني، وبدأت التفاهم معه بشأن الملف النووي وقضايا أخرى، من بينها أذرع إيران في المنطقة العربية.

وقفُ الحرب قطع الطريق أمام نتنياهو الذي كان يريد لهذه الحرب ألا تنتهي، وأن تبقى مشتعلة على عدة جبهات، بيد أن وقفها أسقط أحلامه وبدَّد آماله، فسيد البيت الأبيض الآن له آمالٌ أخرى وأهدافٌ يحققها، وما على نتنياهو إلَّا الانصياع لتعليمات ترامب وعدم الخروج عنها، ولو كانت تضر بنسبة التأييد التي ستنخفض وسيذهب إلى الانتخابات القادمة بشعبية أقل، فهو يعلم أن شعبيته ترتفع إذا بقيت الحروب مشتعلة، وتنخفض إذا توقفت الحرب.

الأيام القادمة ستكشف عما أسفرت عنه عمليات التفاوض، وما هي النتائج التي سوف تثمر عنها لكل طرف، وأمام هذا كله، فإن وقف الحرب الحاصل هو المهم، وأن لا تعود وتتجدد مرة أخرى، فالعالم ضجر الحروب، وعانت شعوب المنطقة بما يكفي، وآن الأوان لفتح الآفاق أمام الاستقرار والهدوء لبناء ما دمرته هذه الحروب.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:57 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تعيد الرقمنة برمجة أبنائنا.. وتفهمهم الخوارزميات أكثر مما نفعل

في البيت ذاته، وعلى الطاولة نفسها، يجلس الأب وابنه، لكنهما لا يعيشان اللحظة نفسها. الأب يرى شاشة، والابن يرى عالماً كاملاً يتشكل خصيصاً له. تمرير بسيط بالإصبع، وفيديو قصير، ثم آخر، ثم آخر… وفي الخلفية، هناك نظام صامت لا ينام، لا يمل، ولا يسأل أسئلة تقليدية. فقط يراقب، يتعلم، ويعيد التشكيل.

المشكلة ليست في أن الخوارزمية تفهم، بل في أنها تفهم بطريقة لا نجيدها نحن. هي لا تسأل الطفل ماذا يحب، بل تراقب ماذا يتوقف عنده، ماذا يعيد مشاهدته، متى يمل، ومتى ينجذب. بينما نحن ما زلنا ننتظر إجابة لفظية على سؤال قد لا يعرف الطفل نفسه كيف يجيب عنه. نحن نبحث عن الوضوح، وهي تعمل داخل الغموض، وهذا ما يجعلها أقرب.

في هذا التفاوت، تتشكل فجوة لا ننتبه لها. ليست فجوة جيل، بل فجوة فهم. الأب يظن أنه يعرف ابنه لأنه يراه يومياً، لكن الخوارزمية تعرف تفاصيل لا تُقال. تعرف ما يثير فضوله، ما يخيفه، ما يضحكه، وما يجعله يبقى. ومع الوقت، تتحول هذه المعرفة إلى تأثير، والتأثير إلى توجيه غير مرئي.

هنا تبدأ الأسئلة التي لا تُطرح عادة. من يصنع الذوق؟ من يحدد الاهتمام؟ من يرسم ملامح المستقبل؟ عندما يصبح المحتوى هو المعلم الأول، والخوارزمية هي من تختار هذا المحتوى، فإننا لا نتحدث فقط عن ترفيه، بل عن إعادة تشكيل وعي كامل. وهذا يحدث بينما نظن أننا ما زلنا المسيطرين.

الأخطر ليس أن أبناءنا يتأثرون، بل أننا نتأخر في ملاحظة هذا التأثير. القرارات الصغيرة التي تُبنى على هذا الفهم الناقص تتراكم. اختيار تخصص، بناء اهتمامات، تشكيل علاقات… كلها تتأثر بما يُعرض، لا بما يُناقش. لأن ما يُعرض مصمم بدقة، وما يُناقش غالباً عشوائي أو متأخر.

في العلاقات الشخصية، يظهر هذا التحول بشكل أكثر هدوءاً. يقل الحوار، ويزيد الافتراض. الأب يعتقد أن ابنه “طبيعي”، لأن لا مشاكل واضحة، بينما الابن يعيش عالماً داخلياً لا يُشارك به. ليس لأنه لا يريد، بل لأنه وجد من “يفهمه” بدون أن يشرح. وهذا الفهم السريع يصبح بديلاً عن العلاقة، لا إضافة لها.

لسنا أمام صراع بين إنسان وآلة، بل أمام إعادة تعريف لدور الإنسان نفسه. لم يعد كافياً أن نكون حاضرين جسدياً، ولا حتى مهتمين شكلياً. المطلوب أصبح أعمق: أن نعود لنتعلم كيف نلاحظ. كيف نفهم الإشارات الصغيرة. كيف نقرأ ما لا يُقال. لأن الخوارزمية لا تنتظر أن نتطور، هي تتقدم كل لحظة.

الغموض الحقيقي في هذا المشهد ليس تقنياً، بل إنساني. نحن لا نعرف بالضبط متى بدأنا نفقد هذه القدرة، ولا متى أصبحت العلاقة تحتاج إلى “إعادة ضبط”. لكن المؤكد أن الاستمرار بنفس الطريقة سيجعل الفجوة أوسع، والتأثير الخارجي أقوى.

ربما الحل لا يبدأ بإبعاد الأبناء عن الشاشات كما يعتقد البعض، بل بالاقتراب منهم بطريقة مختلفة. ليس عبر الأسئلة المباشرة، بل عبر مشاركة التجربة نفسها. أن ترى ما يرونه، أن تفهم لماذا يتوقفون عند فيديو معين، أن تلاحظ ما الذي يجذبهم دون أن تحكم عليه فوراً. لأن الفهم لا يأتي من السيطرة، بل من القرب الحقيقي.

في النهاية، الخوارزمية لن تتوقف عن التطور، وهذا ليس خياراً يمكننا تغييره. لكن ما يمكن تغييره هو موقعنا في هذه المعادلة. إما أن نبقى متفرجين على علاقة تُعاد صياغتها أمامنا، أو أن نعيد بناء هذه العلاقة على أساس فهم أعمق وأكثر صدقاً. السؤال لم يعد من يفهم أبناءنا أكثر، بل من يختار أن يحاول فعلاً.

* باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:56 صباحًا - بتوقيت القدس

الدايت الرقمي… الحمية في زمن الذكاء الاصطناعي

مع إطلالة كل صيف، لا نلوم أنفسنا فقط على ما اقترفناه من عادات غذائية غير محسوبة في شهور الشتاء ولياليه، بل ندخل في صراع داخلي كيف يمكننا اصلاح ما كان وبسرعة  ودون جهد، ونبدأ نفكر ماذا سنأكل… وكيف سنعيد التوازن لأجسادنا وهو مشهد موسمي متكررعلى الدوام، وهنا يتقدم الذكاء الاصطناعي بأدواته وتطبيقاته ليعرض لنا خدماته وكأنه المارد المخلص لكل أزماتنا ومنها الوزن الزائد، لا بديلاً عن الإرادة، بل انعكاس تقني يهذب سلوكنا اليومي ويعيد صياغته بلغة الأرقام والتحليل.

في زمن التكتنولوجيا والذكاد الاصطناعي باتتت الحمميات الغذائية (الدايت) أكثر وأكبر من كونها جداول ونصائح عامة، بل تحولت إلى تجارب شخصية تشخيصية  دقيقة ، تقودها تطبيقات وأدوات ذكية تفهمك بقدر ما تُغذّيك، فتطبيقات مثل(MyFitnessPal) لم تعد فقط تعدّ السعرات، بل تبني نمطًا غذائيًا متكاملًا بناءً على نشاطك اليومي، ونوعية طعامك، وحتى لحظات ضعفك، وفي ذات السياق، يقدم (Noom) مقاربة مختلفة، حيث لا يكتفي بتقديم ما يجب أن تأكله، بل يحاول فهم “لماذا” تأكله، مستندا إلى تحليل سلوك المستخدم وتقديم إرشادات نفسية خفيفة تلامس العادات العميقة.

أما تطبيق Yazio، فيذهب باتجاه الدمج بين الصيام المتقطع والتخطيط الغذائي، مع واجهات بسيطة تُشعرك أن النظام ليس عقوبة، بل أسلوب حياة قابل للاستمرار، وفي زاوية أخرى، ظهرت أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور، حيث يمكنك ببساطة تصوير وجبتك، ليقوم التطبيق بتقدير مكوناتها وقيمتها الغذائية خلال ثوانٍ، وهي قفزة تعكس كيف يمكن للتكنولوجيا أن تختصر المسافة بين النية والفعل.

لكن، وسط هذا الزخم التقني، يبقى السؤال الأهم: هل تكفي التطبيقات؟

الإجابة ببساطة: لا.

فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من دقة، لا يستطيع أن يرفض قطعة الحلوى عنك، ولا أن يدفعك لمغادرة السرير نحو التمرين، هو لا يشعر بالكسل، ولا يختبر الإغراء، ولا يعيش صراع “اليوم فقط”. هنا تحديدا، تتجلى الفجوة بين الأداة والإنسان.

التكنولوجيا، في أفضل حالاتها، تُنظّم، تُذكّر، تُحلل… لكنها لا تقرر. القرار يبقى إنسانيًا خالصًا، نابعًا من إرادة حقيقية وعزيمة تُترجم إلى سلوك يومي. ولهذا، فإن من ينجح في رحلته الصحية ليس من يمتلك أفضل تطبيق، بل من يمتلك القدرة على الالتزام، حتى في غياب الإشعارات.

قد تمنحك هذه التطبيقات خططًا مثالية، ورسومًا بيانية مشجعة، وتوقعات دقيقة لمسار وزنك، لكنها لا تستطيع أن تمنحك “السبب” الذي يدفعك للاستمرار. هذا السبب قد يكون صحة أفضل، أو ثقة أعلى، أو حتى صورة تحب أن ترى نفسك فيها… وهو ما لا يُبرمج.

في النهاية، يبدو الذكاء الاصطناعي في عالم الدايت كمدرب صامت: يراقب، يقترح، ويصحح… لكنه لا يركض بدلاً منا، ومع كل صيف جديد، قد تتغير الأدوات، وتتطور الخوارزميات، لكن الحقيقة تبقى ثابتة: الإرادة ليست خياراً تقنيًا، بل قرار يومي، والعزيمة لا تُحمّل من متجر التطبيقات.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:55 صباحًا - بتوقيت القدس

سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود (4): بشار، حين يهزم الحاجز بنغمة

قبسات

في محاضر الجنود، لا مكان للصوت. كلُّ شيءٍ هناك يُقاس: الزمنُ بوحداته، الأجسادُ بمرورها، المكانُ بإحداثياته، وعددُ العابرين الذين نجحوا أو أُعيدوا.

يُكتب: "تمّ ضبط الحركة"، ولا يُكتب: كان ثمّة طفلٌ يعزف… فيرتبك الليل. الحقيقة، في هذا الفضاء تحديدًا، لا تقيم فيما يُدوَّن، بل فيما يتسرّب منه.

كلُّ ما لا يمكن ضبطه -النغمة، الارتجاف، المعنى- يُترك خارج النص، كأنّه لم يحدث. لكن ما يُستبعد من اللغة الرسمية، هو بالضبط ما يعيد تعريف الواقع.

على طرف الحاجز العسكري عند مدخل قرية المغير، شمال شرق رام الله، حيث تُختصر الجغرافيا في نقطة تفتيش، ويُعاد تعريف الإنسان بوصفه "مرورًا محتملًا" أو "خطرًا محتملًا"، جلس بشّار صالح أبو عليا، ابن الثامنة.

لم يكن عابرًا، ولم يكن ينتظر عبورًا. كان يفعل شيئًا أكثر إرباكًا من العبور نفسه: كان يُنتج معنى. المشهد، كما لا تحبّه التقارير، بسيطٌ حدَّ القسوة: نارٌ صغيرة تُقاوم البرد، ترابٌ مُنهك، أقدامٌ واقفة، وطفلٌ يحتضن عوده كأنّه يحتضن خلاصًا شخصيًا.

وخلف هذا كله، واقعٌ ثقيل: تنكيلٌ بالعابرين، اعتداءات، اعتقالات، ومركباتٌ تُكسَّر… كأنّ النجاة من يدٍ لا تعني النجاة من أخرى- جيش الاحتلال ومستوطنوه.

في تلك اللحظة، لم يكن المكان مجرد حاجزٍ عسكري، بل كان صدراً ضيقاً يحاول أن يبتلع طفولته دون أن ينجح. كان البرد أقسى من وصفه، والقلوب حوله متعبة كأنها تمشي فوق زجاجٍ غير مرئي، ومع ذلك، وسط هذا الثقل كله، خرج اللحن كأنّه يرفض الانكسار، كأنّه يقول للعالم بصوتٍ خافت لكنّه ثابت: أنا لستُ وحدي… ولن أكون مجرد صمت.

في الصورة التي لا تُرفق بمحاضر الجنود، يبتسم بشّار. ابتسامة لا تنتمي إلى جهلٍ بما يحدث، بل إلى معرفةٍ أعمق: أنّ الإنسان، حتى في أقسى اللحظات، يستطيع أن يختار موقعه من العالم. ليس كضحيةٍ صامتة، بل كصوت.

بشّار، الطالب في مدرسة أصدقاء الكفيل في البيرة، ليس مجرد طفلٍ يتعلّم العود.

إنه طفلٌ يعيد تعريف الحواس. ففي عالمٍ أخذت فيه الشبكيّة من عينيه بعض الضوء، لم ينطفئ الإدراك؛ بل أعاد تشكيل نفسه. نتعلّم بريل، لا بوصفه تقنية بديلة، بل بوصفه فلسفةً أخرى للرؤية: أن تُصغي بأصابعك، أن تتحسّس المعنى، أن ترى ما لا يُرى.

ولذلك، حين يعزف، لا تبدو أصابعه وكأنها تُنتج صوتًا فقط، بل كأنها تقرأ العالم… ثم تعيد كتابته نغمة.

في محاضرهم، المرضُ حالة. وفي حكايته، هو تمرينٌ على البصيرة. رحلته العلاجية بين الضفة والأردن ومستشفيات الداخل لا تُختصر في ملفاتٍ طبية، بل في مقدار ما تعلّمه طفلٌ صغير عن الصبر. لكن الصبر هنا ليس تحمّلًا فقط، بل إعادة تشكيل للعالم: أن تعيش رغم القلق، أن تتعلّم رغم الألم، أن تحلم رغم هشاشة الجسد. اهتمامه بالتاريخ، بالقضايا، بما يحدث حوله، ليس ترفًا معرفيًا، بل محاولة مبكرة لفهم العالم الذي وُضع فيه.

وكأنّه يدرك، بحدسه، أن المعرفة ليست هروبًا من الواقع، بل طريقة لمواجهته. يحلم أن يصنع محتوى هادفًا على يوتيوب. وفي مكانٍ كهذا، لا يكون الحلم تفصيلًا، بل فعلًا مقاومًا: أن يكون لك صوت، في عالمٍ يُراد لك فيه أن تكون صامتًا.

في الفلسفة، تحاول السلطة دائمًا تحويل الإنسان إلى ما يمكن قياسه: رقم، ملف، حالة.

وهذا ما يفعله الحاجز: يعيد تعريف الكائن بوصفه "إجراءً". لكن ما لا يستطيع احتواءه، هو ما لا يُقاس. أن يجلس طفلٌ في هذا الموضع بالذات، ويقرّر ألا يكون موضوعًا للإجراء، بل ذاتًا للفعل.

بشّار لم يُلغِ الحاجز. لكنه، بطريقةٍ أدق، ألغى معناه الأحادي.  فالحاجز، في تعريفه الرسمي، أداة فصل. أما في حضوره، فقد صار فضاءً لاحتمالٍ آخر: مكانًا يمكن أن يحدث فيه عزف.

وهذا التحوّل، وإن بدا طفيفًا، هو في جوهره إعادة تعريف لماهية المكان نفسه. النار الصغيرة بجانبه كانت تُبقي الجسد دافئًا، أما هو، فكان يُبقي المعنى حيًا. ثمّة فرقٌ عميق بين أن تبقى حيًا، وأن تُبقي للحياة معناها.

الأول غريزة، والثاني موقف. ولذلك، لم يكن يعزف ليملأ الوقت، بل ليعيد تعريفه. فالانتظار، حين يُلامسه اللحن، لا يعود فراغًا بل احتمالًا. والبرد، حين تخترقه نغمة، لا يعود قسوةً خالصة بل تجربة قابلة للتحمّل. حتى الخوف… كان يتباطأ قليلًا، كأنّه يصغي.

ما لا يُكتب في محاضر الجنود، أن طفلًا بعوده الصغير استطاع أن يخلق دائرةً غير مرئية من الدفء، دفءٌ لا تصنعه النار وحدها، بل الإحساس بأن هناك من يقول: "نحن هنا… ولسنا مجرد أرقام".  في تلك اللحظة، لم يكن بشّار مجرد طفل. كان اقتراحًا فلسفيًا. أنّ الإنسان، حتى وهو محاصر، قادرٌ على إنتاج معنى يتجاوز محاصرته.

وليس في العزف ذاته ما يُربك، بل فيما يفترضه: أن الحرية، وإن ضاقت، لا تنعدم.

وأنّ المعنى، وإن حوصِر، لا يُلغى.

في المحاضر، لا تُكتب الأحلام. لكنّها، على نحو آخر، أكثر ما يُهدد منطق الحواجز. لأنّ الحاجز فكرة: فصل، منع، سيطرة.

أما الحلم… فهو تجاوز. وبين الفكرة والحلم، جلس بشّار… وعزف. ليس لأنّه لا يرى القيد، بل لأنه يرى ما بعده. ليس لأنّه لا يشعر بالخوف، بل لأنّه قرر ألا يمنحه السيادة.

في النهاية، لا يبقى من المشهد إلا أثره: طفلٌ يضحك، يحتضن عوده، نارٌ صغيرة، ليلٌ كثيف، وعالمٌ كامل يحاول أن يُثقله… فلا ينجح. ذلك هو ما لا يُكتب. أنّ الحواجز لا تفشل فقط حين تُزال، بل حين تعجز عن احتكار تعريف الواقع. وأنّ طفلًا، يتعلّم أن يرى بأطراف أصابعه، يمكنه—بهدوءٍ عميق— أن يُعلّم العالم… كيف يرى.

ذلك هو بشّار. ليس استثناءً، بل دليلًا: أنّ في هذه الأرض، دائمًا، ما لا يمكن تقييده، ولا تدوينه، ولا حتى فهمه بالكامل… إلا إذا أُصغي إليه…كأغنية.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

نابلس.. مدينة تكتب بالحب وتحرس بالذاكرة

نابلس ليست مجرد مدينة تذكر في كتب الجغرافيا والتاريخ بل هي حكاية ممتدة في الزمن، تعبق برائحة التاريخ وتنبض بحياة الحاضر كأنها القلب الذي يضخ في شرايين فلسطين روح الصمود والهوية. عند الدخول إلى أزقتها القديمة، تشعر أن الحجارة تتكلم، وأن لكل زاوية قصة، ولكل باب ذاكرة، وأن التاريخ هنا ليس ماضياً منتهياً، بل حاضر يتجدد في تفاصيل الحياة اليومية.

منذ العصور  القديمة ومرورا بالحضارات ووصولا إلى الزمن المعاصر، ظلت نابلس شاهدة على تحولات كبرى، لكنها لم تفقد روحها،  بقيت مدينة العلم والتجارة، وموئل الحرفيين، ومقصد الطلبة ومركزاً ثقافياً يحتضن الفكر والأدب والشعر كانت الحكايات في أسواقها القديمة تختلط الأصوات والروائح؛ رائحة الصابون النابلسي، وعبق الكنافة، وصوت الباعة الذين ينسجون بلغة بسيطة مشهداً اجتماعياً يعكس عمق الترابط الإنساني.

لقد، كانت نابلس مصدر إلهام للشعراء والكتّاب في بعدها الادبي الذين رأوا فيها صورة للوطن بكل ما فيه من جمال وألم،  مدينة تكتب بالحبر وتحكى بالكلمات كما تحفظ في الوجدان لتتحول إلى رمزٍ للثبات  لتقاطع فيها الحكايات الشخصية مع السردية الوطنية الفلسطينية فيتجلى الإنسان الفلسطيني في أبهى صوره: صابرا، مبدعا، ومتمسكا بجذوره .

أن ما يميز نابلس نسيجها  الاجتماعي المتماسك تتجسد القيم الأصيلة من تكافل وتراحم وانتماء. العائلة فيها ليست مجرد إطار اجتماعي بل مدرسة للقيم، ومصدر للأمان، وركيزة للاستقرار وفيها يتعلم الأبناء معنى الاحترام، وأهمية العمل، وقيمة العلم، فتتشكل وشكلت شخصية متوازنة تجمع بين الأصالة والانفتاح.

كانت وما زالت نابلس منبرا عاليا للحضور الوطني كانت دائماً في قلب الأحداث، حاضرة وفي كل مراحل النضال تقدم أبناءها دفاعا عن الأرض والكرامة. لم تكن يوماً مدينة على هامش القضية بل كانت في صميمها تعبر عن وجدان الشعب الفلسطيني وتطلعاته وفي كل مرة حاولت الظروف أن تثقل كاهلها كانت تنهض من جديد، كأنها تقول إن الحياة هنا أقوى من كل التحديات.

تمتلك نابلس جمالا سياحيا خاصا تجمع بين الطبيعة والتاريخ؛ من جبلي عيبال وجرزيم اللذين يحتضنانها، إلى البلدة القديمة التي تعد متحفا مفتوحا، وصولاً إلى ينابيعها وأسواقها ومآذنها وكنائسها، إنها مدينة تروي حكاية حضارة، وتمنح زائرها تجربة إنسانية عميقة تتجاوز مجرد المشاهدة إلى الإحساس والانتماء.

  كانت وما زالت نابلس دائماً منارة علم، تحتضن المدارس والجامعات، وتخرج الأجيال التي تسهم في بناء المجتمع وتطويره فالتعليم فيها ليس مجرد تحصيل معرفي بل رسالة، ووسيلة للنهوض، وأداة للحفاظ على الهوية في وجه محاولات الطمس والتغييب.

وفي كل ذلك، تظل نابلس مثالاً حياً للتوازن بين القيم والحداثة؛ فهي مدينة تحافظ على تراثها دون أن تنغلق، وتنفتح على العالم دون أن تفقد ذاتها فيها يتجاور القديم والجديد  ويتكامل الماضي مع الحاضر، لتقدم نموذجاً فريداً لمدينة تعرف كيف تكون أصيلة ومعاصرة في آن واحد.

هكذا كانت وتبقى نابلس، عبق التاريخ وقلب فلسطين النابض، مدينة تعلم قبل أن ترى، وتحس قبل أن توصف، وتبقى في الذاكرة كما تبقى في القلب، شاهدة على أن الوطن ليس مجرد مكان، بل هو روح تسكن الإنسان ولا تفارقه.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 11:53 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة المنسية: مواكب الشهداء لا تتوقف والتجويع يعود من جديد

د. سعيد شاهين: انشغال المجتمع الدولي بالحرب على إيران يخدم استراتيجية إسرائيلية لتمرير أهداف أمنية وعسكرية وديموغرافية بالأراضي الفلسطينية

أكرم عطا الله: مظاهر تفشي المجاعة وإدخال مواد دون غيرها وانتشار الأمراض وتزايد القوارض تكشف آلية ممنهجة للتحكم تفاصيل الحياة اليومية

د. أسامة عبد الله: إسرائيل لم تعد تخوض حرباً عسكرية فقط بل تعمل لإعادة تشكيل شروط الحياة داخل غزة باستنزاف طويل يقوم على إنهاك المجتمع

محمد جودة: غياب مجلس السلام يعكس خللاً بنيوياً في النظام الدولي وغزة لم تعد أزمة إنسانية طارئة بل عملية إعادة هندسة قسرية لمجتمع كامل

د. رهام عودة: إنقاذ القطاع لا يتحقق دون تعزيز صمود السكان والتوصل إلى حل سياسي بضمانات دولية يفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل

سري سمور: هناك تراجع واضح بأدوار الوساطة الإقليمية والدولية مع احتمال تغير خريطة التدخلات السياسية ما يترك فراغاً دبلوماسياً بالملف الفلسطيني

رام الله - خاص بـ "القدس"-

 رغم استمرار الهدنة بين واشنطن وطهران، يستمر تراجع حضور قطاع غزة في المشهد الدولي، مع أن الواقع داخل القطاع يزداد قسوة يوماً بعد يوم، فالحرب مستمرة وتحولت إلى مأساة ممتدة يعيشها الأهالي وسط تراجع الاهتمام السياسي العالمي، وتعمق الأزمة الإنسانية، بالتوازي مع انشغال العالم بملفات أخرى أبعدت معاناة الفلسطينيين في القطاع عن مركز الاهتمام والضغط الدولي.

ويشير كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، إلى أنه مع استمرار القصف والحصار، تتكشف ملامح أزمة إنسانية أكثر تعقيداً من مجرد نقص في الغذاء أو الدواء، فالحياة اليومية في غزة باتت محكومة بانهيار الخدمات الأساسية، وتفشي الأمراض، وارتفاع معدلات النزوح، في ظل بيئة منهكة لم تعد قادرة على احتمال مزيد من التدهور.

ويرون أن ما يجري لم يعد يقتصر على نتائج الحرب، بل أصبح واقعاً يعيد تشكيل ظروف الحياة داخل القطاع بصورة تضغط على السكان وتضعف قدرتهم على البقاء، وكل ذلك في سياق الضغط عليهم لجعل الحياة شبه مستحيلة، بينما غاب "مجلس السلام" عن مسؤولياته، مؤكدين أن الأوضاع باتت بحاجة لضغط متجدد من أجل إنقاذ القطاع وأهله.



إخفاق سياسي وأخلاقي وقانوني غير مسبوق


يرى أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د. سعيد شاهين، أن تغييب قطاع غزة عن صدارة الاهتمام الدولي في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتبعاتها يعكس فشلاً سياسياً وأخلاقياً وقانونياً غير مسبوق، رغم أن غزة كانت في صدارة الأحداث بعد "طوفانها وإبادتها" التي أعادت تحريك المياه الراكدة في المشهد الدولي.

ويوضح شاهين أن هذا التهميش من قبل أطراف عربية ودولية يصب في مصلحة الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، ويدعم سياسات الإدارة الأمريكية التي انشغلت بملفات وصراعات إقليمية أخرى، بما في ذلك التصعيد مع إيران ودول عربية، نتيجة استمرار غياب حلول جذرية للقضية الفلسطينية، وهو ما ساهم في إنتاج حالة عدم استقرار ممتدة في المنطقة منذ عقود.


جريمة إضافية بالتنصل من التزامات وقف إطلاق النار


ويؤكد شاهين أن تجاهل ما يجري في غزة يشكل جريمة إضافية تُضاف إلى سجل الانتهاكات المرتكبة بحق القطاع، مشيراً إلى أن ذلك يتزامن مع تنصل الإدارة الأمريكية والأطراف الموقعة على اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ المتعلق بغزة، من بينها ما ارتبط بترتيبات ما بعد صفقات تبادل الأسرى، وتشكيل ما يسمى "مجلس السلام"، الذي لم يحقق، أي تقدم ملموس في تحسين أوضاع السكان أو وقف الانتهاكات.

ويشير شاهين إلى أن انشغال المجتمع الدولي بالتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يخدم استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى تمرير أهداف أمنية وعسكرية وديموغرافية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، من خلال سياسات التجويع والحصار والقتل، وسط صمت عربي ودولي وانكفاء سياسي عن الملف الفلسطيني لصالح أزمات أخرى في المنطقة.

ويعتبر شاهين أن استمرار التعنت الإسرائيلي وتجاهل القانون الدولي وتوسع العمليات العسكرية في غزة والضفة ولبنان وإيران، يعكس تماهي بعض القوى الدولية مع مشاريع تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع على أساس القوة والدم بما يؤدي إلى تقويض الوجود الفلسطيني تدريجياً.


استهداف غزة ونتائج الحرب على إيران


وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية لغزة، يرى شاهين تصاعد وتيرة الاعتداءات في غزة لا يمكن فصلها عن نتائج الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، موضحاً أن فرض هذه القوى لشروطها قد يقود إلى سيناريو أكثر سوداوية يتمثل في تصعيد عسكري جديد في غزة تحت ذريعة نزع سلاح الفصائل، بما يشمل عمليات واسعة قد تترافق مع مجازر ونزوح وتهجير، بالتوازي مع تسريع خطوات الضم في الضفة الغربية.

أما في حال فشل هذا المسار، يرجّح شاهين احتمال بروز سيناريو مختلف يتمثل في تراجع حكومة نتنياهو عن بعض سياساتها تحت ضغط التوازنات الداخلية والدولية، بما قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة أو مؤتمر دولي لإعادة إحياء مسار التسوية، بهدف تحسين صورة إسرائيل دولياً وإعادة ضبط الصراع ضمن إطار سياسي أقل تصعيداً.


إسرائيل وإدارة الأزمة وتعميقها


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن ما يجري في قطاع غزة لم يعد يمكن تفسيره باعتباره نتيجة طبيعية للحرب أو انعكاساً للفوضى الإنسانية، بل هو سياسة إسرائيلية مقصودة تقوم على إدارة الأزمة وتعميقها بصورة متعمدة، بهدف إبقاء القطاع في حالة انهيار دائم تمنع عودة الحياة الطبيعية وتضعف قدرة الفلسطينيين على الصمود داخل أرضهم.

ويوضح عطا الله أن مظاهر تفشي المجاعة وانتشار الأمراض وتزايد القوارض في مناطق واسعة من القطاع لا تعكس فقط التدهور الإنساني، وإنما تكشف عن آلية ممنهجة للتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للسكان، مشيراً إلى أن الاحتلال يسمح بإدخال أصناف يصفها بأنها غير ضرورية مثل الشوكولاتة والحلوى، في وقت يتم فيه منع مواد أساسية يمكن أن تسهم في الحد من التدهور البيئي والصحي داخل القطاع، بما في ذلك المواد التي يمكن أن تساعد في مكافحة القوارض وتحسين الظروف المعيشية.

ويؤكد عطا الله أن الهدف من هذه السياسة هو الإبقاء على الدمار ومنع أي فرصة لاستعادة المجتمع الفلسطيني توازنه الداخلي، لأن عودة الحياة إلى غزة تعني تعزيز بقاء السكان وإفشال أي مخطط يستهدف تفريغ القطاع من سكانه.


الأوضاع مفتوحة على عدة احتمالات


وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يرى عطا الله أن الأوضاع في غزة تبقى مفتوحة على عدة احتمالات، أولها دخول لجنة لإدارة القطاع مقابل تسليم حركة حماس سلاحها، بما يتيح لإسرائيل فرض سيطرة أشمل على تفاصيل المشهد الداخلي.

أما السيناريو الثاني، وفق عطا الله، فيتمثل في رفض تسليم السلاح، بما قد يقود إلى توسيع العمليات العسكرية باتجاه المناطق الغربية التي يتجمع فيها المدنيون.

ويشير عطا الله إلى أن هناك سيناريو ثالثاً يبرز تدريجياً، يتمثل في الإبقاء على الوضع القائم، وهو الخيار الأكثر راحة لإسرائيل، لأنه يحافظ على غزة كمنطقة مدمرة وغير قابلة للحياة، بما ينسجم مع مشروع الهجرة القسرية، بالتوازي مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على نحو 60 في المئة من مساحة القطاع، وهو واقع ينسجم مع حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن "حدود جديدة" تسعى إسرائيل إلى تكريسها بصورة دائمة.


غزة تُترك في فراغ سياسي وأخلاقي خطير


يحذّر الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله من أن ما يعيشه قطاع غزة لم يعد يُختزل في كونه أزمة إنسانية طارئة، بل بات يمثل انهياراً واسعاً في منظومة الحماية الدولية، في ظل تراجع الاهتمام السياسي الدولي بالقطاع وانشغال القوى الإقليمية والدولية بترتيبات أمنية أوسع تتعلق بالمنطقة، الأمر الذي جعل غزة تتراجع إلى هامش الأولويات رغم تفاقم الكارثة داخلها.

وبحسب عبد الله، فإن المشهد اليومي في القطاع، بما يحمله من تشييع مستمر للشهداء، ونزوح قسري متكرر، وانهيار تدريجي في المستشفيات، وانتشار متزايد للأمراض، يعكس أن غزة تُترك في فراغ سياسي وأخلاقي خطير، مشيراً إلى أن "النسيان السياسي" لا يقل خطورة عن العمليات العسكرية نفسها، لأنه يحوّل المأساة الإنسانية إلى واقع يجري التعامل معه دولياً باعتباره أمراً اعتيادياً.

ويوضح عبد الله أن التحذيرات الصادرة عن المؤسسات الأممية لم تعد مجرد لغة دبلوماسية معتادة، بل تحولت إلى إنذارات مباشرة بشأن انزلاق القطاع نحو مجاعة ممتدة وانهيار صحي واسع، لافتاً إلى أن منظمات دولية حذرت من حرمان مئات آلاف الأطفال من المساعدات الأساسية، في وقت يؤدي فيه استمرار إغلاق المعابر ونقص المياه والأدوية والوقود إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية وانتشار الأمراض المعدية، بالتزامن مع تدهور البنية الصحية والخدماتية إلى مستويات غير مسبوقة.


إعادة تشكيل شروط الحياة داخل غزة


ويرى عبد الله أن إسرائيل لم تعد تخوض حرباً عسكرية فقط، وإنما تعمل على إعادة تشكيل شروط الحياة داخل غزة من خلال سياسة استنزاف طويلة تقوم على إنهاك المجتمع، وإضعاف البنية المدنية، وتقليص قدرة السكان على الصمود، مقابل غياب آلية دولية فاعلة قادرة على فرض الحد الأدنى من قواعد القانون الإنساني.


استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة


وفي قراءته للمرحلة المقبلة، يطرح عبد الله ثلاثة سيناريوهات محتملة، أولها استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة عبر القصف المتقطع، وتقييد دخول المساعدات، وتوسيع مناطق العزل والنزوح، بما يعني مزيداً من الوفيات غير المباشرة والانهيار الاجتماعي.

أما السيناريو الثاني، وفق عبد الله، فيتمثل في هدنة إنسانية مؤقتة تسمح بتخفيف الكارثة من دون معالجة جذورها السياسية، بينما يبقى السيناريو الثالث، والأقل احتمالاً، مرتبطاً بمسار سياسي وإنساني شامل يتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، وفتحاً مستداماً للمعابر، وخطة إنعاش دولية مرتبطة بأفق سياسي واضح.


إعادة غزة إلى مركز الاهتمام السياسي


ويؤكد عبد الله أن المطلوب فلسطينياً لم يعد مقتصراً على إدارة الإغاثة، بل يتطلب إعادة غزة إلى مركز الاهتمام السياسي، وتوحيد الخطاب الوطني حول وقف الحرب، وتفعيل المسار القانوني الدولي لمحاسبة جرائم التجويع، ومنع أي ترتيبات مستقبلية قد تكرّس فصل القطاع عن المشروع الوطني الفلسطيني.


الموت حالة يومية مألوفة


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن المشهد القائم في قطاع غزة لم يعد يُقرأ باعتباره مواجهة عسكرية عابرة، بل بوصفه نقطة تقاطع بين ثلاثة مسارات متزامنة تتمثل في استمرار الحرب، وتردد النظام الدولي، واقتراب المجتمع الفلسطيني داخل القطاع من حافة الانهيار الشامل، محذراً من أن استمرار هذا الواقع يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز حدود غزة إلى الإقليم بأسره.

ويوضح جودة أن تكرار مشاهد تشييع الشهداء في شوارع القطاع لم يعد مجرد انعكاس لحجم العنف المتواصل، وإنما بات مؤشراً على تحول الموت إلى حالة يومية مألوفة داخل المجتمع، وهو من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب أي منطقة نزاع، لأن اعتياد الناس على الموت يعني أن أدوات الردع السياسية والأخلاقية فقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها.


خلل بنيوي في النظام الدولي


ويشير جودة إلى أن غياب إطار فاعل لما يسمى "مجلس السلام" أو أي مظلة تفاوضية حقيقية يعكس خللاً بنيوياً في النظام الدولي، لا يقتصر على العجز عن إنهاء الأزمة، بل يمتد إلى غياب الإرادة السياسية الجدية لفرض حل مستدام، في وقت تتحول فيه التحذيرات المتزايدة من المجاعة وانتشار الأمراض إلى دليل على استخدام عامل الزمن كأداة ضغط تستنزف المجتمع الفلسطيني صحياً ونفسياً وديموغرافياً.


إعادة تشكيل قسرية لمجتمع كامل


ويؤكد جودة أن الأزمة في غزة لم تعد أزمة إنسانية طارئة فقط، بل أصبحت عملية إعادة تشكيل قسرية لمجتمع كامل، في ظل نشوء جيل جديد وسط سوء التغذية والصدمات النفسية والانقطاع الطويل عن التعليم، الأمر الذي يجعل آثار الحرب ممتدة إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية نفسها.


استمرار "الحالة الرمادية"


وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة، يرجّح جودة استمرار "الحالة الرمادية"، بحيث لا تنتهي الحرب بشكل كامل ولا يُفرض سلام حقيقي، مع إدارة الأزمة عبر تهدئات مؤقتة تسمح بإدخال بعض المساعدات وتمنع الانفجار الأكبر من دون معالجة جذور الصراع، معتبراً أن هذا السيناريو يبدو الأقل كلفة بالنسبة للقوى الدولية، لكنه الأكثر قسوة على السكان.

ويرى جودة أن سيناريو التهدئة الأوسع قد يفرض نفسه بضغط دولي أو إقليمي لتحسين الوضع الإنساني مؤقتاً، لكنه سيبقى هشاً من دون إطار سياسي واضح، فيما يبقى احتمال التوصل إلى تسوية شاملة أقل ترجيحاً بسبب غياب التوافقات الدولية والإقليمية اللازمة.

ويؤكد جودة أن الحد الأدنى المطلوب يتمثل في فصل المسار الإنساني عن التجاذبات السياسية، عبر ضمان تدفق المساعدات، وإعادة تشغيل الحد الأدنى من القطاع الصحي، ومنع الانهيار الكامل، بالتوازي مع إعادة إحياء مسار سياسي قائم على ضمانات حقيقية تمنع تكرار الأزمة مستقبلاً.


عملية منهجية لجعل القطاع غير صالح للحياة


ترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة لم تعد تقتصر على الدمار العسكري المباشر وإيقاع الشهداء والجرحى، بل تحولت إلى عملية منهجية تهدف إلى جعل القطاع مكاناً غير صالح للحياة، عبر تدمير مقومات البقاء الأساسية ودفع السكان تدريجياً نحو الهجرة القسرية تحت ضغط الحرب والحصار والانهيار الإنساني المتواصل.

وبحسب عودة، فإن المشهد اليومي في غزة، من تشييع الشهداء، وتزايد انتشار الأمراض، وتصاعد مؤشرات المجاعة التي حذرت منها جهات أممية، يعكس حجم التحول الذي أصاب القطاع، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي وعجز المستشفيات الفلسطينية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى والجرحى، إضافة إلى النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة دخول كميات محدودة فقط من المساعدات الصحية.

وتوضح عودة أن البلديات باتت عاجزة عن التعامل مع التدهور البيئي المتسارع بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل مركباتها، وعدم قدرتها على دفع رواتب عمال النظافة، ما أدى إلى تراكم النفايات داخل المناطق السكنية، في وقت تشهد فيه أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفاعاً كبيراً، بينما يتركز إدخال المواد عبر المعابر على السلع الثانوية مثل السكريات والمشروبات الغازية بدلاً من اللحوم والخضروات والفواكه الطازجة.


فقدان جزء كبير من السلة الغذائية المحلية


وتؤكد عودة أن قطاع غزة فقد جزءاً كبيراً من سلته الغذائية المحلية بعد تضرر الأراضي الزراعية وتسمم التربة جراء القصف، إلى جانب سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات زراعية واسعة داخل ما يعرف بـ"المنطقة الصفراء"، خاصة في بيت حانون التي كانت من أبرز المناطق المنتجة للغذاء داخل القطاع، معتبرة أن تدمير البيئة الزراعية يشكل جزءاً من سياسة أوسع لإضعاف قدرة السكان على الصمود.


إنقاذ القطاع وتعزيز صمود الأهالي


وتشير عودة إلى أن المفاوضات التي جرت في مصر بين رئيس مجلس السلام نيكولاي ملادينوف وحركة حماس أظهرت استمرار المأزق القائم، إذ ترفض حماس تسليم سلاحها قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي الكامل من القطاع، بينما يرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانسحاب قبل نزع سلاح الحركة.

وترى عودة أن هذا التعقيد يفتح الباب أمام سيناريوهين رئيسيين؛ أولهما احتمال عودة الحرب بوتيرة أقل حدة، مع توسيع تدريجي للمنطقة العازلة واستهداف مكثف للبنية الأمنية وقيادات الفصائل، وربما إدخال قوات دولية تدريجياً إلى بعض المناطق.

أما السيناريو الثاني وفق عودة، فيقوم على احتمال إبداء حماس مرونة لاحقة عبر تسليم الملف الأمني لشرطة مدنية تشرف عليها لجنة إدارة غزة، بما قد يفتح المجال لمرحلة انتقالية جديدة.

وتؤكد عودة أن إنقاذ القطاع لا يمكن أن يتحقق دون تعزيز صمود السكان من خلال مشاريع إنسانية وإغاثية عاجلة، إلى جانب التوصل إلى حل سياسي بضمانات دولية يفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وتمكين إدارة فلسطينية انتقالية تمهد لعودة السلطة الفلسطينية عبر انتخابات عامة شاملة.


قطاع غزة أصبح كارثة إنسانية شاملة


يرى الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن الوضع في قطاع غزة أصبح كارثة إنسانية شاملة تتفاقم يومياً في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتدهور الأوضاع المعيشية والصحية، مع دخول محدود جداً للمساعدات، وارتفاع مستويات البؤس في حياة السكان الذين يعيشون داخل خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

ويوضح سمور أن أهالي القطاع يواجهون ظروفاً قاسية متراكمة تحمل مخاطر صحية وبيئية، إضافة إلى انتشار القوارض والحشرات بشكل غير مسبوق، في ظل انهيار منظومة الخدمات الأساسية، ونقص حاد في العلاج، حتى في القطاعات الطبية الحيوية.

ويشير سمور إلى أن استمرار إغلاق المعابر بشكل شبه كامل، والسماح بخروج أعداد محدودة من المرضى بظروف مهينة، يعكس عمق الأزمة الإنسانية، لافتاً إلى أن الاحتلال استغل فترات التصعيد الإقليمي، ومنها الحرب مع إيران، لتشديد القيود على غزة بدلاً من تخفيفها، ما زاد من تفاقم الأوضاع.


استمرار الأزمة دون أي أفق لحل قريب


ويعتبر سمور أن المجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس الأمن، بات متماهيًا أو عاجزاً عن القيام بدور فاعل ضد للولايات المتحدة وإسرائيل لوقف ما يجري في القطاع، ما يعزز استمرار الأزمة دون أي أفق لحل قريب.

ويرى سمور أن الطرح المتعلق بـ"مجلس السلام" والوساطات الدولية لم يحقق أي نتائج ملموسة، بل يتم استخدامه أحياناً كغطاء سياسي لتمرير سياسات إسرائيل، بما في ذلك ربط إعادة الإعمار أو تحسين الأوضاع بملفات أمنية مثل نزع سلاح الفصائل، وهو محاولة للتنصل من الالتزامات الإنسانية المفروضة على إسرائيل.


غزة والترابط بتوازنات إقليمية ودولية أوسع


وفي قراءته للسيناريوهات المستقبلية، يؤكد سمور أن المشهد في غزة يرتبط بتوازنات إقليمية ودولية أوسع، خاصة ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أن الإدارة الأمريكية، في ظل سياسات متقلبة، انتقلت من خطاب إنهاء الحروب إلى خوض صراعات جديدة، ما انعكس سلباً على استقرار المنطقة، وترك ملف غزة مفتوحاً على احتمالات متعددة.

ويشير سمور إلى أن إسرائيل تعتمد حالياً سياسة "الحروب المتلاحقة" على أكثر من جبهة، بما فيها غزة، وإن كانت بوتيرة أقل حدة مقارنة بفترات سابقة، إلا أن ذلك لا يعني توقف العمليات، إذ يُسجل يومياً سقوط ضحايا من الشهداء والجرحى واستمرار القصف والعمليات العسكرية، مع احتمال توسيع نطاق التوغل البري أو تكثيف الهجمات الجوية في أي لحظة.

ويلفت سمور إلى أن الخيارات الإسرائيلية لا تقتصر على غزة فقط، بل تشمل احتمالات التصعيد في سوريا ولبنان وإيران واليمن، في إطار استراتيجية تهدف إلى فتح جبهات متعددة، وهو أمر قد يخفف الضغط عن غزة أو يزيده تبعاً لتطورات الإقليم، مؤكداً أن إسرائيل لن تتوقف عن استخدام القوة كأداة رئيسية في سياستها.


تراجع واضح بأدوار الوساطة الإقليمية والدولية


ويتحدث سمور عن تراجع واضح في أدوار الوساطة الإقليمية والدولية، مشيراً إلى احتمال انكفاء بعض الدول الخليجية، وتغير خريطة التدخلات السياسية، ما يترك فراغاً دبلوماسياً في الملف الفلسطيني.

وفي ما يتعلق بالمقاومة في غزة، يرى سمور أن تقييم قدرتها على الصمود أو الرد يبقى صعباً في ظل الضربات القاسية التي تعرضت لها، لكن احتمال قدرتها على إرباك إسرائيل أو فرض معادلات جديدة لا يزال قائماً، مستشهداً بتجربة المقاومة في لبنان.

ويؤكد سمور أن غياب الضغط الحقيقي من الوسطاء والمجتمع الدولي، إلى جانب استمرار إسرائيل في تفسير الاتفاقات وفق مصالحها، يعمق الأزمة ويطيل أمدها، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيبقي غزة في دائرة الاستنزاف المفتوح دون حلول سياسية أو إنسانية حقيقية.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:52 صباحًا - بتوقيت القدس

"الفنون" … حين يصبح الاسم ذاكرة تُعاش


ليست كلّ الأسماء تُقال لكي تُعرِّف، بعضُها يُقال لأننا نعرفه سلفًا، لأن له ذاكرةً فينا قبل أن يكون له معنى، هناك أسماء تحتاج إلى شرح، وأخرى يكفي أن تُنطق حتى تُستعاد، في الحالة الأولى نحن أمام تسمية، وفي الثانية نحن أمام تجربة، وبين التسمية والتجربة، مسافةٌ لا تُقاس باللغة، بل بالزمن الذي يتحوّل فيه الاسم من دلالةٍ عابرة إلى ذاكرةٍ مقيمة، وإلى خبرةٍ تُعاش داخل الناس لا خارجهم.

في هذا المعنى، لا تبدو (الفنون) اسمًا يُستخدم للإشارة إلى فرقة فنية بقدر ما تبدو اختصارًا لخبرةٍ طويلة، تشكّلت وتراكمت حتى صارت قابلة لأن تُفهم دون أن تُشرح، لا يتعلق الأمر بقدرة الاسم على الانتشار، بل بقدرته على الاستقرار في الوجدان، لذلك، لا يُقرأ حضور (الفنون) بوصفه حضور فرقة، بل أثر تجربة نجحت في أن تحجز لنفسها مكانًا داخل الذاكرة الجمعية الفلسطينية، بوصفها جزءًا من السردية الثقافية الحيّة للوطن والناس.


ما يُرى من (الفنون)… وما لا يُرى

حين نقترب من فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية كما تُرى عادة، تبدو الصورة واضحة: (عروض دبكة، حضور جماهيري واسع، امتداد زمني طويل، واستمرارية لافتة في مشهدٍ ثقافي شديد التقلّب)، هذه صورة صحيحة،

 لكنها لا تكفي، ما يُرى هو ما يمكن توثيقه، أما ما لا يُرى فهو ما يصعب اختزاله عبر الأثر الذي لا يُقاس بعدد العروض ولا بحجم الجمهور، بل بطريقة تسلّله إلى الوعي الجمعي بوصفه جزءًا من المشهد الثقافي الفلسطيني، وكمكوّن من مكوّنات الذاكرة المشتركة، لأن ما يُرى يُقاس، أما ما لا يُرى فيُورَّث.

ليست المسألة في إتقان الفن التراثي، بل في إعادة تعريفها، لم يعد الرقص حركةً إيقاعية منظّمة فحسب، بل لغةً يُعبَّر بها عن الجماعة، هذا التحوّل لا يحدث بقرارٍ إداري أو فني فقط، بل بتراكمٍ طويل يجعل من الشكل الفني حاملًا لمعنى يتجاوز حدوده التقنية، عندها يتحوّل الأداء إلى أثر، ويتحوّل الأثر إلى ذاكرة.


الاستمرار ليس زمنًا… بل بناءٌ تراكمي

الاستمرار هنا ليس بقاءً، بل قدرة على إعادة إنتاج الذات دون فقدان المعنى، كثيرٌ من التجارب تستمر لأنها لا تتغيّر، وأخرى تنتهي لأنها تغيّرت أكثر مما ينبغي، أما (الفنون) فنجحت في تحقيق التوازن الأصعب عبر تغيّر ما يلزم، والحفاظ على ما يجب.

هذا التوازن لا يُفهم بوصفه مهارةً فنية فقط، بل وعيًا بطبيعة الدور، فـ(الفنون) لم تتعامل مع نفسها كفرقة تُنتج عروضًا، بل كجسمٍ ثقافي يعيد صياغة العلاقة بين الفن والمجتمع، لذلك، لم تكن استمراريتها نتيجة ظرف، بل حصيلة وعيٍ متراكم بأن ما يُبنى لا يُقاس باللحظة، بل بما يتركه من أثر، والزمن في هذه الحالة، لا يُستهلك… بل يُستثمر، لأن ما يُبنى بالوعي لا ينتهي بالزمن.


ثلاثية العمل الممتدة من الفن إلى المجتمع


يظهر هذا الفهم للفن بوصفه فعلًا ممتدًا بوضوح في ثلاثية "يا صاحب الطير"، لا تعبّر هذه التجربة عن تعدد في الوسائط بقدر ما تكشف عن رؤية متكاملة تجعل من العمل الفني فعلًا مجتمعيًا، يجمع المشروع بين الموسيقى والرقص والفن التشكيلي لتوثيق الحكاية الفلسطينية وإبراز مسؤولية الفرد داخلها، في صيغة موحّدة تعكس تداخل الجمالي بالاجتماعي.

الأهم أن هذا العمل أُنجز بتمويل مجتمعي كامل، مقدّمًا نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا يعيد ربط الإنتاج بجمهوره، لا كمتلقٍ، بل كشريك في إمكان حدوثه، هنا لا تكون (الفنون) منتِجًا ثقافيًا فحسب، بل وسيطًا يعيد تعريف العلاقة بين الثقافة ومجتمعها، ويؤكد أن الهوية ليست تمثيلًا جماليًا، بل ممارسة جماعية تتجدّد باستمرار لمواجهة التحديات.

(الفنون) بوصفها فضاءً تربويًا

لا تتوقف تجربة (الفنون) عند حدود الإنتاج الفني، بل تمتد لتشكّل فضاءً تربويًا بمعناه الأعمق عبر حرصها على إنتاج إنسانٍ قادر على أن يرى نفسه ضمن جماعة، وأن يعبّر عنها دون أن يذوب فيها، في هذا الفضاء، الذي تعزّزه تجربة (براعم الفنون) منذ عام 1986، ينتقل الفن الشعبي من البعد التقني، الى خبرة حيّة تُلتقط من جيل إلى جيل.

هنا، لا يعود التراث نصًا يُستعاد، بل ممارسة تُعاش، أن يلتقي أكثر من جيل داخل التجربة نفسها، وأن يجد كلا منهم فيها ما يخصّه، ليس تفصيلًا بسيطاً، بل دليل على أن ما بُني هنا يتجاوز اللحظة إلى الاستمرارية. وفي هذا المستوى تحديدًا، لا تُنتج (الفنون) أداءً فنيًا فحسب، بل تُنتج ذاتًا قادرة على حمل المعنى.


(الفنون)… حين يتحوّل الاسم إلى ذاكرة تُعاش

لا يبدو السؤال عن سرّ (الفنون) سؤالًا عن النجاح بالمعنى المتداول، بقدر ما هو سؤال عن نوع الوجود الذي تمكّنت من بنائه، فهي لم تكتفِ بتقديم التراث، بل أعادت إنتاجه بوصفه قابلًا للحياة، ولم تتعامل مع الاستمرار كزمنٍ ممتد، بل كبناءٍ تراكمي، ولم تبقَ عند حدود الفرقة، بل صارت اسمًا يُعاش بوصفه جزءًا من الذاكرة والهوية والمعنى، لأن ما يحمل المعنى… لا يُختزل بمن صنعه.

الإجماع الذي تحققه (الفنون) لا يُصنع بخطاب، بل يُبنى باحتراف عبر الزمن، وحين يبلغ الاسم هذه المرحلة، لا يعود بحاجة إلى تبرير نفسه، يكفي أن يُقال… ليُفهم.

لذلك، لا تُقاس التجربة بما قدّمته فقط، بل بما أصبحت عليه في الوعي العام، فثمّة فرقٌ بين أن تُنتج عملًا ناجحًا، وأن تُنتج معنىً يستمر ويتشكّل عبر الزمن، لقد حقّقت (الفنون) الأمرين، لكنها عُرفت بالثاني أكثر.

تذكّرنا (الفنون) بأن ما يبقى ليس ما يُقال أو يُكتب، بل ما يُعاش يوميًا، وأن الاسم، حين يتجاوز وظيفته الأولى، لا يعود تعريفًا... بل يصبح ذاكرة تُعيد إنتاج معناها مع كل جيل جديد يمر عبرها ويمنحها حياة إضافية، هكذا لا تصبح (الفنون) تجربةً تُروى… بل معنىً يُعاش.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:52 صباحًا - بتوقيت القدس

ما رآهُ الدِّيكتاتورُ في المَنامِ.. ونَسِيَه

يرى ثمّ ينسى.

لقد دبَّ في رُكْبَتيهِ الجليد،

وصار سريعَ التقلُّبِ؛ يضحكُ، يغضبُ،

يأمُرُ أنْ يَقتلوا الطيرَ، حيناً،

وحيناً يُهادلُ أسْرابَها، في الفضاءِ السّعيدِ،

ويمشي وئيداً، كأنَّ الزجاجَ تكسّرَ في النَّعْلِ،

والجَمْعُ مِن حَولِهِ،

في البهاءِ الرّغيد.. 

يُنادي على الكاهنِ الأُرجوانيِّ،

ماذا رأيتُ؟

- يسألهُ أن يفسّر ما مرَّ مِن بين عينيه، في الليلِ -

لكنّه حارَ ما بينَ جَهْل السّوادِ، وحَدِّ الوعيد!

فقال له: سيدي! إنها بعضُ أضغاثِ سُهْدٍ شديد!

وكيف لنا أن نرى مُبْهَماً لا يُرى،

هل تُرى سوف أكذبُ حتى ترانيَ ذاكَ الرّشيد؟

لو أنَّها رؤيةٌ لاستبانت، وكنّا لها قارئينَ،

ولكنّها، من بقايا سحائب هَمٍّ، يمرُّ على أكثرِ الناسِ..

***

ماذا تقولُ؟ انتبه!

لستُ من طينةِ الخَلْقِ،

إنّي من الضوءِ، والبَدْرُ أُمّي،

 ولي هذه الأَنْهرُ الجارياتُ، والأنْجمُ السابحاتُ..

على ما تهادى على ضِفّتي من جَمالٍ مَشيد!

اقتلوه..فقد أَعْجَزَتْهُ الحقائقُ،

وأتوا إليَّ برأيٍ سديدٍ..

وإلّا!   

فيأتونَ بالشُعراءِ الفحولِ،

 الذين يُخالِطُهم عَبقرٌ في القصيد..

وجاءوا بموشومةٍ جدُّها عائفٌ، لا يخيبُ،

 وجاءوا بِقرّاءِ رَمْلِ الكثيبِ،

 ومَن يتنبأُ بالغَيْثِ عندَ المغيبِ،

 وجاءوا بكلِّ ولِيٍّ مُريدٍ، وغَوثٍّ عَميدٍ،

 ومَن شرَّدتهُ النّوايا، ومَن أهلكتهُ المنايا،

 ومَن فكَّ حَرْفاً،

 ومَن طوَّحتهُ السنونُ وأضحى حكيماً بِعُمْرٍ مديد..

وكانوا يعودون دون رؤوسٍ،

فهذا الهَشيمُ وذاكَ الحَصيدُ..

***

فما يفعلون؟ وقد أُسْقِطَ الأمرُ في يَدِهِم.

مَن لا يرى ما يُريدُ..يموتُ،

ولمّا يجد كَفَناً في الجَريد!

وَجِيءَ بِعرّافهِ في الصباحِ، وكان يَعوفُ..

فقالَ بأَمْرٍ لهُ، دون وَجْهٍ:

عليكَ الدخولُ إلى رؤيتي، فاعبُرْ، الآن، وانظُرْ..

وقلْ لي..

قال: يا سيّدي! قد رأيتَ، وأنتَ على العَرْشِ

أنكَ تحكمُ ألفاً،

 وبعدكَ يأتي الوريثُ، على رأسهِ فِضّةُ التّاجِ،

ثمّ يجيءُ الصغيرُ، وفي يدهِ خاتَمُ العاجِ،

والنَّصْلُ، ما كان مِن جَدِّهِ، للحفيد.

ودرَّتُكَ الكهرمانُ، والعَرْشُ من خالصِ الموجِ،

لكنَّ مَن سوف يأتونَ إثْرَكَ لن يجلسوا فوقَ سُنْدُسِهِ،

 فالقبابُ، على مدِّ ألفٍ، ستسقطُ في البئرِ،

والماءُ يصدأُ مثلُ الحديد.

سينسون، للأسفِ المُرِّ، ما مَرَّدَتهُ يداكَ،

من الحُسْنِ في الطرقاتِ،

ويمشون، دون التفاتٍ، إلى ما تبقّى من العاليات،

لأنّ الظنونَ ستغلبُ أسئلةَ الجائعينَ،

وتجتاحُ أيامَهم فِتنُ الذّاريات..

ويأتي المماليكُ، بعدَ الهلاكِ، لكي يحكموا القصرَ..

يا ويلَ نَجْمَته من ظلامِ الغُزاة!

ويبقون دَهراً وأكثرَ، حتى يهبَّ الصناديدُ..

يمشون للشاطئ السُكَّريِّ،

ويبنونَ مملكةً من قلاعٍ البحارِ،

وترتبكُ السّاريات،

 وتمشي إلى أوّلِ المجدِ،

 في حَرْبِها، ذات عامٍ مريرٍ،

وتخفقُ راياتُهم بالنشيد.

ولكنَّ سيّدةً من غبارِ الدّماءِ تُباغتُ أعيادَهم،

 في الهزيعِ،

وتحرقُ ما ظلَّ من شجرٍ في الصَّعيد.

وتغزلُ ألفَ جديلةِ حربٍ،

 على كلِّ مَن لا يجيء إليها، ركوعاً،

وتشربُ كلَّ الينابيعِ،

تأخذُ غيمَتَهم من قريبٍ،

وتسْحقُ غابتَهم في البعيد.

ومِن بعد ألفٍ يعودُ الفتى السّرمديُّ،

إلى تلّةٍ في المدينةِ، يصرخُ فيها،

 ويرفعُ شارَتَه للسماءِ،

 ويكشفُ سرَّ اللهيبِ المجيد.

وتبدأُ حربُ النهايات..

***

ماذا تقولُ؟ توقَّفْ.

هل قلتَ إنّي رأيتُ السنينَ تباعاً،

 وإنّي سأخسرُ مملكتي، بعدَ ألفٍ،

وتخضعُ، ثانيةً، للعبيد؟

اقتلوهُ..فإنّيَ باقٍ،

 وتبقى سلالاتُ روحي إلى أبدٍ لا يبيد..

اقتلوهُ..

وإنْ كان لا بُدّ، فالموتُ للأرضِ،

حتى أظلَّ أنا دون كلِّ الممالِكِ،

وحدي سأبقى..

ووحدي سأحكمُ..

لا صوتَ يبقى سوى رَنَّتي في البلادِ،

فَلا دمَ يشبهُ لونَ جداول ساقيتي في الوريد.

اقتلوه..هنا، الآنَ..

- لا مِن رجاءٍ ولا مِن بكاءٍ ولا مِن مزيد -

..تذكّرتُ؛ كنتُ على شُرْفةِ النَّصْرِ،

والناسُ تهتفُ..ترجو بقائي،

وتسأل، كي أرتضي ظَهْرَهُم سُلَّماً للخلودِ،

وكانت جموعٌ بلا عددٍ..

***

واستيقظ الرجلُ النائمُ القَلِقُ المُستَبِدُّ العنيدُ،

وكانَ وحيداً..

ولا شيءَ، مِن حولِهِ، غيرُ ظِلِّ الوحيدِ القَعيدِ،

ولا شيءَ غيرُ الكَميدِ الشّريد..







أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر فتح بين ضجيج الترشيحات وغياب النقاش بالبرامج


كيف يمكن تعريف فتح؟ هل هي حركة تحرر وطني، أم تنظيم سياسي، أم حزب، لعلّ الإجابة الأقرب أن فتح هي انعكاس للمجتمع الفلسطيني، فما ميز فتح منذ انطلاقها قبل 61 عاما، كونها  إطارًا وطنيًا عريضًا، لا يضيق بتنوع المشارب الفكرية والسياسية والاجتهادات، بل يستوعبها تحت سقف القضية المركزية: تحرير فلسطين، فكرة عبقرية نجحت بجمع الوطنيين، والقوميين، واليساريين، وكل المؤمنين بالفعل الوطني، بمن فيهم أولئك الذين رفضوا سلبية جماعة الإخوان المسلمين، أو محدودية مقاربتهم تجاه القضية الفلسطينية في مراحل تاريخية معينة تحت ظلالها، فقد كان الرئيس المؤسس ياسر عرفات يختصر تعريفها بعبارته الشهيرة: “إحنا فتح”؛ وهي عبارة تختزن هويةً وطنية جامعة، وتؤكد خصوصية الحركة في فضائها الفلسطيني والقومي والعالمي، تمامًا كما تصف روسيا الاتحادية نفسها بقولها: “نحن روسيا”، في إشارة إلى كيان لا يُختزل في انتماء جغرافي جامد، فلا هو أوروبي خالص، ولا آسيوي خالص، بل مزيج من التاريخ الإمبراطوري، والجغرافيا المركبة، والمصالح القومية المتشابكة مع الأيديولوجيا، وكذلك هي فتح، فلسطينية الهوية دون انفكاك عن امتدادها القومي،والعالمي الواسع. أو تقييدات الجدل الأيدلوجي الذي غرقت به عدد من الفصائل على الساحة الفلسطينية، وفي هذا الفضاء الكفاحي الواسع، نجحت فتح في استيعاب التناقضات، واحتواء الاجتهادات، وإدارة الاختلافات، لأنها التقت جميعًا عند الفكرة الكبرى: فلسطين أولًا، والتحرير هدفًا جامعًا. ومن هنا اتسعت فتح، في ذروة حضورها، إلى درجة التماهي الكامل مع الخريطة الجينية لشعبنا الفلسطيني؛ فهي حاضرة في المخيمات، بين الفقراء والعمال وأحلامهم، ومنها، ومن بين أزقتها، خرج عدد من القادة المؤسسين للحركة. وهي حاضرة كذلك بين أبناء الطبقة الوسطى، من مثقفين وفلاحين وأكاديميين وبرجوازيين، كما أنها لم تكن يومًا منفصلة عن طبقة رأس المال الوطني الملتزم، التي نجحت في استقطابها وتوجيه جزء من طاقتها وإمكاناتها لخدمة القضية الفلسطينية لتكون الإطار الأوسع الذي احتمل الكل الفلسطيني، وعبّر عن طموحه الوطني في لحظة الصعود التاريخي.

تقف حركة فتح على أعتاب مؤتمرها الثامن، وهنا لا تسقط عبارة “استحقاق عقد المؤتمر” سهوًا، بل بكامل القصد والدلالة. ففتح، التي قادت منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1969، وعقدت في ظل قيادتها ثماني عشرة دورة للمجلس الوطني من أصل إحدى وعشرين جلسة، تدرك تمامًا أن معادلة مؤتمرها الداخلي أكثر تعقيدًا من دورات المجلس الوطني التي تضم مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني. ولذلك، لم يتجاوز عدد مؤتمراتها سبعة مؤتمرات فقط منذ انطلاقتها عام 1965 وحتى الربع الأول من عام 2026، فمؤتمر فتح هو المحطة التي ترتسم فيها معالم النظام السياسي القادم، ومسار الحركة الوطنية الفلسطينية عموما، لا سيما بعد مآلات السابع من اكتوبر، وارتداداتها على حركات الإسلام السياسي بفلسطين والمنطقة، وبالتالي فمؤتمر فتح يتجاوز رفاهية الاستحقاق الديمقراطي التي تحظى به غيرها من الحركات والأحزاب بالدول المستقلة، نحو دلالات وارتدادات اكثر عمقا وتاثيرا على حياة الناس ومستقبل القضية، ففتح هي العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي فإن مؤتمرها حاضر في خبز الناس، ودوائهم، ومناهج التدريس، وحرية التعبير، وفضاء الحريات.

شكّلت مؤتمرات حركة فتح، على امتداد تاريخها، محطّ اهتمام لافت لدى الأصدقاء والخصوم والأعداء على حدّ سواء. فقد كان العالم يترقّب أي تصريح يصدر عن ياسر عرفات أو رفاق دربه من القادة المؤسسين، استشرافًا لما قد تتمخض عنه مؤتمرات الحركة من برامج ومواقف وسياسات، بوصفها تجسيدًا حيًّا للحركة الوطنية الفلسطينية، وموجّهًا للخط السياسي العام.

أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفا، إذ يبذل عدد من مديري الدوائر السياسية بالسفارات جهدًا لوضع ملف مؤتمر فتح أمام سفرائهم، ثم يحتاجون إلى جهد مضاعف لإقناعهم بضرورة رفعه إلى عواصمهم. ويعود ذلك، وفقًا لعدد من المحللين والخبراء والمختصين في الشأن الفلسطيني ممن نلتقي بهم، إلى أنكم “قابلون للتوقع " وأن لا مؤشرات عن خروج المؤتمر عما هو متوقع من المجتمع الدولي، سواء على المستوى البرامجي أو الانتخابي.

ومن هنا، تطغى قضايا أخرى على مستوى الاهتمام الدولي بمؤتمر فتح، مثل مسودة الدستور المؤقت، أو توجهات الجيل الفلسطيني الجديد، أو التحولات التي تعتمل في البنية السياسية الفلسطينية. كما يبدو اهتمام الحركات والأحزاب والمنظمات الدولية بمؤتمر فتح اليوم أكثر تواضعًا قياسًا بالمؤتمرات السابقة، ففي الوقت الذي كان فيه قادة العالم المنتمون إلى الأسرة الاشتراكية الديمقراطية والقوى التقدمية والثورية يقطعون التزاماتهم للمشاركة في مؤتمر فتح، يكتفي مساعدوهم اليوم بالقول: “دعونا نرى موعد المؤتمر أولًا، ثم ننظر في جدول مواعيدنا”. وبين المشهدين تتبدى المسافة بوضوح: من مؤتمر كان يُنظر إليه بوصفه حدثًا سياسيًا وطنيًا عابرًا للحدود، إلى مؤتمر يتراجع حضوره في سلم الأولويات الإقليمية والدولية، فتحول حركات التحرر الوطني إلى صفحة مقروءة هو أحد أسباب مقتلها، وأتذكر حينما كنا في شبيبة فتح، نفتتح قرية نضالية، أو نعلن منع القنصلية الامريكية من تنفيذ لقاء لها في رام الله خلال فترة ترامب الأولى، أو حينما أعلنا أن مبعوث الرباعية " توني بلير" شخصية غير مرحب بها بفلسطين، أو حينما أعلنا حملة وطنية رمزية لفرض السيادة الوطنية في جميع الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧، حتى وان كانت بخطوة رمزية تمثلت بتأسيس قرى نضالية او بتعليق يافطات على طول الشوارع تطالب المستوطنين بالانسحاب من أراضينا، كيف كان العالم بأسره، بما في ذلك الدبلوماسيين والإعلاميين وحركات التحرر العالمي، تتسابق للالتقاء بشبيبة فتح، والاستماع إلى رؤاها، وتوجهاتها، ليس لأنها صنعت المستحيل، إنما لأنها " غادرت مساحة المتوقع".

مياه كثيرة جرت في نهر فتح، وتغيرات واسعة اعترت مسيرة الحركة منذ اطلاقها للكفاح المسلح، إلى مسيرة التسوية السياسية التي أجهضها الاحتلال، قاضيا على حلم الدولة ومشروع فتح، وصولا للمؤتمر الثامن للحركة، الذي سيشكل في حال توافرت الظروف لعقده بموعده المحدد، وأُحسن استثماره، فرصة استثنائية لتوجيه مجموعة من الرسائل إلى الداخل والخارج؛ إلى أبناء الحركة، والشعب الفلسطيني، والشركاء، والأصدقاء، والخصوم، والحلفاء، والأعداء، والمتابعين، وكذلك إلى الأمة العربية والإسلامية، وإلى المجتمع الدولي. بأن الحركة ما تزال حيّة، وقادرة على الفعل، وتمتلك قيادةً وبرنامجًا ورؤيةً للمرحلة، كما يشكّل المؤتمر فرصة لإعادة بناء جسور الثقة بين الحركة وقاعدتها الاجتماعية، عبر التعبير البرامجي والعملي عن صوت الناس وآمالهم، واستعادة ثقة الجمهور بحركة نشأ في أكنافها، وأودع لديها أحلامه وتطلعاته، إلا أن ما يجري للأسف، يخالف ذلك تماما، أذ يبدو أن المؤتمر الثامن لحركة فتح يضج بالمرشحين أكثر مما يضج بالأفكار، وتعلو فيه ضوضاء السباق إلى المجلس الثوري واللجنة المركزية على أي نقاش جدي يطال المرحلة السياسية والنضالية، أو يراجع الأولويات، أو يزن الإنجازات والإخفاقات، ويقيّم الوضع الداخلي للحركة أو يعيد قراءة ميزان القوى بما يليق بحركة تحرر وطني، لا بالشعبوية والتطرف، ولا بالاستسلام والمراوحة في المكان، ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تنشغل حوارات ما قبل المؤتمر بالأسئلة المؤسسة: ما هو المشروع الوطني، وما هي الاستراتيجية، وما شكل المقاومة أو العمل السياسي، وما طبيعة العلاقة مع الجماهير والسلطة والخصوم والأعداء، والإقليم والعالم، نرى هذه الأسئلة تتراجع لصالح أسئلة أخرى لا تخلو من الأهمية، لكنها تفقد قدرتها على صناعة الفارق، حين تُفصل عن البرامج والرؤى، مثل: من سيترشح، وكيف ستتشكل التحالفات، وما خريطة التنافس، وكيف ستُفرز موازين القوى داخل الحركة، فحتى كتابة هذه السطور، لم أسمع عن ورشة واحدة، نظمتها مفوضية، أو أقليم، أو مكتب حركي، بالوطن، أو بالشتات، حول أدبيات المؤتمر، كما أن المئات من مجموعات " الواتس آب" التي أنشئت مع اقتراب المؤتمرات، تنحصر عضويتها بأعضاء المؤتمر المضمون عضويتهم، ويضاف لها من تتاكد عضويته بالمؤتمر، في مشهد حزين، يسيء للحركة، ويقزّم حضورها وقيمتها، ويحول النظرة إلى اعضاء المؤتمر، من فاعلين إلى مجرد أصوات انتخابية، ويحول البرامج والرؤى داخل المؤتمر إلى فضاء حركي عام، يشارك في صياغته كل أبناء الحركة، إلى أقراص جاهزة للبلع، أو إبر وريدية لحقن المؤتمرين، نظرا لضيق وقت المؤتمر وطبيعته الانتخابية التي ستجعل من نقاش واسع وعميق ومستفيض حول ادبيات المؤتمر مهمة مستحيلة، مما يفقد فتح روحها وجوهرها المذكورين في افتتاحية المقال، فحينما يتقدم سؤال الموقع على سؤال المشروع، ويطغى التنافس على المقاعد على الحاجة إلى إعادة بناء البنية التنظيمية، وتعديل اللوائح، وتوزيع الصلاحيات، ومعالجة الترهل والانقسام، وتجديد الأطر القيادية بما يبقي الحركة قادرة على الفعل، ينتهي المؤتمر إلى مجرد تبديل جزئي في الوجوه، من دون أن يلامس جوهر الأزمة أو يفتح أفقًا حقيقيًا لإصلاح الحركة واستعادة دورها، فالساحة الوحيدة التي قامت بمهمة التقييم والاجتهاد والمبادرة ما قبل المؤتمر السابع كانت ساحة السجون، التي تغيب في هذا المؤتمر نظرا لاجراءات الاحتلال التي تجعل من أي تواصل بينها وبين الخارج مهمةِ شبه مستحيلة.

ختاما، ان الاهتمام بالبرامج لا يعني الانتقاص من أهمية القيادة، ولا من الدور الذي ينبغي أن يؤديه المؤتمر في إدارة التنافس الداخلي بصورة مؤسسية وشفافة، تقوم على معايير واضحة وعادلة للعضوية، وآليات انتخاب وفرز موثوقة، تستند إلى سرية الاقتراع وعلنية الفرز. بل إن من الممكن اليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، ربط مواقع انعقاد المؤتمر الأربعة في رام الله وغزة ومصر ولبنان بآليات تصويت إلكترونية ضمن معايير واضحة تضمن الحياد والمهنية، بما يعزز ثقة أبناء الحركة بنتائج المؤتمر الانتخابية، ويوفر الوقت، ويضمن سلامة عمليات الفرز، ويخفف من كلفها البشرية واللوجستية، كما أنه من الأهمية بمكان، أن تتحول الأقاليم والمكاتب الحركية والنقابات ومفوضيات الحركة وكادرها إلى خلية عمل، لمناقشة مقترحات القرارات والرؤى والبرامج، تماما كما فعلت شبيبة فتح قبل انعقاد مؤتمرها العام في نهاية العام الماضي، حينما حولت الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل إلى ساحة للنقاش والحوار شارك به أبناء الشبيبة من الوطن والشتات، وخرجت بما يزيد عن احدى عشر ورقة عبرت عن توجهات الشباب وصوتهم. لا زال هناك هامش من الوقت، إن جرى استثماره بالطريقة المثلى، فربما ننجح في تغيير المسار، والانتصار لفتح الفكرة لا الأشخاص.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تصبح الحرب قرارًاً أميركياً: تعدد القراءات وتآكل مركز القرار الإسرائيلي

لم يكن وقف إطلاق النار في لبنان حدثاً عابرًا في سياق حرب طويلة ومتعددة الجبهات، بل لحظة كاشفة أعادت ترتيب الأسئلة الكبرى: من يقرر الحرب؟ ومن يقرر نهايتها؟ وهل ما زالت إسرائيل تملك هامش القرار الاستراتيجي، أم أنها تتحرك داخل سقف يُرسم خارجها؟


في ظاهر الصورة، يبدو الأمر كأنه “تنسيق” بين حليفين تقليديين: واشنطن وإسرائيل. لكن القراءة التي تتقاطع عند أكثر من محلل إسرائيلي، رغم اختلاف زواياهم، تشير إلى شيء أعمق: انتقال مركز الثقل من إسرائيل إلى واشنطن، وتحديداً إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي فرضت بحسب هذه القراءات إيقاع الحرب وحدودها، لا فقط مسارها الدبلوماسي.


في هذا السياق، يذهب محللون عسكريون مثل عاموس هرئيل إلى أن وقف إطلاق النار في لبنان لا يمكن فصله عن مسار أوسع مرتبط بالمفاوضات مع إيران. فالمعادلة، كما تُقدَّم، ليست لبنان وحده، بل هندسة إقليمية تريد واشنطن ضبطها بما يسمح بالتوصل إلى تسوية مع طهران، حتى لو كان ذلك على حساب الرؤية الإسرائيلية التي سعت إلى ربط الحرب بهدف أوسع: تغيير قواعد الاشتباك وربما تغيير النظام الإقليمي نفسه.


وفق هذا الفهم، لم يعد القرار الإسرائيلي مستقلاً  في لحظته الحاسمة. بل إن بعض التحليلات تذهب إلى حد القول إن إسرائيل تجد نفسها في موقع “تنفيذ” لخط سياسي أكبر، تُرسم ملامحه في واشنطن، بينما تُترك لها مهمة إدارة النتائج الميدانية—وليس فقط شريكاً في صياغة القرار، بل طرفاً فاعلاً يتحرك داخل حدود لم يعد يحددها وحده.

من زاوية سياسية داخلية، يقرأ محللون هذا التحول باعتباره مأزقاً شخصياً لبنيامين نتنياهو. فهو الذي دفع باتجاه تصعيد واسع في أكثر من جبهة، وبنى خطاب “الحسم” و”تغيير المعادلة”، يجد نفسه الآن أمام تسويات لا تشبه تلك الوعود. المعضلة ليست عسكرية فقط، بل خطابية أيضاً : كيف يمكن إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن الأهداف تحققت، في حين أن حزب الله لم يُهزم، وإيران لم تُردع استراتيجياً، والتهديدات البنيوية ما زالت قائمة؟


هنا يظهر ما يشبه الفجوة البنيوية بين “سردية الحرب” و”نتائجها الفعلية”، وهي فجوة يصفها بعض المحللين بأنها مركز الأزمة السياسية الحالية. على الجبهة اللبنانية وشمال إسرائيل، تتخذ هذه الفجوة شكلاً  أكثر حدة؛ فسكان المستوطنات الحدودية الذين أُعيدوا إلى منازلهم يجدون أنفسهم أمام واقع مختلف: التنظيم لم يُكسر، والردع لم يُحسم، وفكرة “النصر” نفسها أصبحت موضع شك.


في قراءة يوسي يهوشع، المقرب من المؤسسة العسكرية، تتخذ المسألة منحى عملياً؛ فهو لا يتعامل مع الحرب كحسم نهائي، بل كمسار طويل من “إدارة النتائج”. يركز هذا المنظور على سؤالين: هل يتحسن الوضع الأمني فعلياً في الشمال؟ وهل قدرة إسرائيل على إضعاف حزب الله تتفوق على قدرة الحزب على إعادة بناء نفسه؟ الإجابة ليست حاسمة، ما يعني أن وقف إطلاق النار ليس إلا محطة ضمن صراع أطول.


في المقابل، يقدم مئير بن شبات قراءة أكثر تحفظاً، تنطلق من فرضية أن أي اتفاق لا يترافق مع شروط صارمة سيكون هشاً. لكن ما يلفت في قراءة بن شبات، وهو أحد أركان اليمين الأمني، هو اعترافه الضمني بأن قدرة إسرائيل على فرض شروطها ليست مطلقة، وأن الموقف الأميركي بات هو العامل الحاسم.


وفي مقابل هذه القراءات النقدية، تبرز داخل الخطاب الإعلامي القريب من الحكومة مقاربة مغايرة، يمثلها كتّاب من طراز عميت سيغال، ترى أن ما يجري ليس تآكلاً  في القرار، بل تعبير عن تنسيق استراتيجي عميق. غير أن هذه القراءة، في جوهرها، تبدو موجهة لصناعة وعي الجمهور الإسرائيلي والدفاع عن نتنياهو أمام قاعدته اليمينية؛ حيث يتم تصوير الضغوط الأمريكية وكأنها "رافعة قوة" لامتصاص غضب الجمهور الاسرائيلي وتحويل التبعية إلى "ذكاء سياسي". إنها محاولة لتجميل الواقع، تتجاهل معياراً جوهرياً  في تعريف الاستقلال الاستراتيجي: القدرة على رفض الإملاء، لا مجرد المشاركة في صياغته. فعندما يصبح القرار مرتبطاً بحسابات طرف خارجي، فإن الحديث عن “تنسيق” يفقد معناه المتكافئ، ويتحوّل إلى إعادة توزيع لمركز القرار، لا إلى شراكة فيه.


أما كوبي ميخائيل، فيقدم منظوراً أكثر تشاؤماً على مستوى غزة وإيران؛ فالمفاوضات في القاهرة ليست مساراً  نحو الحل، بل إدارة دائمة للأزمة تمنح حماس فرصة لإعادة التموضع. وفي إيران، يرى أن أي اتفاق محتمل قد يتحول إلى “طوق نجاة” للنظام، ما يعني تثبيت الخصم بدل إضعافه.


القاسم المشترك بين معظم هذه القراءات هو إعادة تموضع دور الولايات المتحدة، وتحديداً دونالد ترامب، كفاعل مباشر يفرض إيقاع الحرب والتهدئة. هذا التحول يعني أن الحرب لم تعد تُدار فقط في ساحات القتال، بل في مراكز القرار الدولي، وأن إسرائيل لم تعد اللاعب الوحيد الذي يحدد توقيت النار وسقفها.


ما يتشكل في النهاية هو حالة انتقالية أعمق؛ إسرائيل عالقة بين رواية "النصر الاستراتيجي" وواقع ميداني يثبت عدم اكتماله. لقد أصبح وقف إطلاق النار لحظة كشف كبرى: ليس فقط لحدود القوة الميدانية، بل لهامش القرار نفسه،،حين تضطر إسرائيل للعمل داخل توازنات أوسع تحدد سقف ما يمكن تحقيقه، لا أصل ما يُراد الوصول إليه. وهنا، لا يُختبر ميزان القوة فقط، بل معنى السيادة في اتخاذ القرار: متى تبدأ الحرب، ومتى تنتهي.

اسرائيليات

السّبت 18 أبريل 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

خلف كواليس 'بنك الأهداف' الإسرائيلي: كيف يحول الذكاء الاصطناعي والعملاء المدنيين إلى ملفات تصفية؟

تعتمد دولة الاحتلال الإسرائيلي في حروبها الحديثة، ولا سيما خلال حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، على منظومة متطورة لإدارة ما يعرف بـ 'بنك الأهداف'. وتتنوع هذه الأهداف بين عسكرية وأمنية ومدنية، حيث يتم تحديثها لحظياً عبر تقنيات التعلم الآلي لضمان اختيار الطريقة الأمثل للتدمير أو التحييد وفقاً لتقديرات القيادة العسكرية.

وأفادت مصادر بحثية بأن بنك الأهداف يدار ضمن منظومة عسكرية استخبارية متكاملة تقودها شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). وتتولى هذه الشعبة مهام جمع المعلومات وتحليلها بالتعاون مع مراكز القيادة العملياتية التي تملك الصلاحية النهائية لاتخاذ قرار الاستهداف بناءً على المعطيات الميدانية المتوفرة.

تبدأ عملية بناء هذا البنك من خلال تراكم مستمر للبيانات المستقاة من مصادر متعددة تشمل الصور الجوية والأقمار الصناعية والإشارات الإلكترونية. كما تلعب المعلومات البشرية المستمدة من العملاء والمتابعة الرقمية الدقيقة لحركة الأفراد والبنى التحتية دوراً مركزياً في تغذية هذه المنظومة بالمعلومات الحساسة.

وتُعالج هذه البيانات الضخمة عبر أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة تقوم بربط المعطيات واكتشاف الأنماط السلوكية وتحديد العلاقات بين الأهداف المحتملة. ولا يقتصر هذا التحليل على رصد الموقع الجغرافي فحسب، بل يمتد لفهم دور الهدف العملياتي وتوقيت وجوده، مما يحوله إلى ملف رقمي ديناميكي.

ويعد تسريع دورة القرار العسكري، المعروفة بمصطلح (OODA)، أحد الأهداف المركزية لاستخدام التكنولوجيا في بناء بنك الأهداف. حيث يساهم الذكاء الاصطناعي في اختصار مراحل الملاحظة والتوجيه والقرار، مما يرفع وتيرة إنتاج الأهداف لتصل إلى عشرات الأهداف الجاهزة للقصف خلال ساعة واحدة فقط.

تمنح هذه السرعة الفائقة جيش الاحتلال أفضلية عملياتية تمكنه من المبادرة وتنفيذ الضربات قبل أن يتمكن الطرف الآخر من التكيف أو المناورة. ويتم شحن البنك وتجديده عبر ثلاث آليات رئيسية تشمل التحديث اللحظي للمعلومات الميدانية والتعلم الآلي المستمر للتنبؤ بالأنماط القادمة.

كما تعتمد المنظومة على التكامل بين المصادر المختلفة لإنتاج صورة مركبة وأكثر دقة للأهداف التي قد لا تكون مرئية في الظروف العادية. ويسمح هذا الربط بين السلوكيات المتفرقة بكشف أهداف جديدة وتصنيفها وفق أهميتها الإستراتيجية أو العملياتية أو التكتيكية الميدانية.

وتخضع عملية اختيار الأهداف لمعايير صارمة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاستخبارية، حيث تمنح الأولوية للأهداف التي تحقق أكبر 'أثر عملياتي'. ويقصد بذلك مدى مساهمة تدمير الهدف في شل قدرات الخصم أو تقويض بنيته التنظيمية واللوجستية بشكل كامل وسريع.

وفي سياق متصل، أوضحت مصادر متابعة للشأن الإسرائيلي أن دائرة بنك الأهداف تعمل على مدار الساعة لتطوير قوائمها وفقاً للأهداف السياسية للحرب. ففي الجبهة اللبنانية مثلاً، يتم وضع بنوك أهداف متنوعة تشمل الضغط على الحاضنة الشعبية وتدمير البنى التحتية للدولة لزيادة الأعباء على المقاومة.

وقد يتضمن بنك الأهداف قوائم بأسماء مدنيين في مناصب رسمية مثل رؤساء البلديات، مع توثيق كامل لعناوين سكنهم وأرقام هواتفهم وتحركاتهم اليومية. ويهدف هذا الإجراء إلى توفير خيارات استهداف واسعة تخدم الضغط السياسي والنفسي خلال جولات التصعيد العسكري.

كما يمتد الاستهداف ليشمل القدرات المالية، حيث تضم القوائم أسماء الصرافين وكل من له علاقة بالتمويل أو الدعم اللوجستي. وتتم ملاحقة هذه الشخصيات بناءً على معلومات استخبارية دقيقة ترصد التحويلات المالية والارتباطات التنظيمية المفترضة مع القوى المقاومة.

وتبرز القدرة التكنولوجية للاحتلال في اختراق الهواتف الذكية ورصد التحركات عبر أنظمة تجسس متطورة جداً قادرة على تجاوز معظم التشفيرات الرقمية. وتستخدم هذه التقنيات لتتبع الشخصيات القيادية أو المستشارين الذين ينتقلون بين العواصم، مما يسهل عمليات الاغتيال الدقيقة.

ورغم الاعتماد الكبير على التوصيات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، إلا أن القرار النهائي للتنفيذ يبقى بيد القادة العسكريين والسياسيين. ويتم تقييم كل هدف ضمن سياق أوسع يأخذ بالاعتبار التداعيات القانونية والسياسية والكلفة العملياتية مقابل الفائدة المرجوة من الضربة.

إن هذا التكامل بين التجسس التقني والعملاء الميدانيين والذكاء الاصطناعي جعل من بنك الأهداف الإسرائيلي أداة للقتل الممنهج والواسع. وهو ما يفسر حجم الدمار الهائل في المناطق السكنية، حيث يتم تبرير استهداف المربعات المدنية بوجود 'ملفات ديناميكية' أعدتها الآلة الاستخبارية مسبقاً.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

طهران تكشف كواليس ضغوطها لفرض هدنة لبنان وتهدد بإغلاق مضيق هرمز

أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، رضا طلايي أن القوات المسلحة الإيرانية لا تزال تبسط سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز، مع استمرار حظر مرور السفن الحربية عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي. وأوضح طلايي أن أي ضغوط مستقبلية قد يتعرض لها لبنان ستدفع طهران لإعادة الوضع في المضيق إلى ما كان عليه سابقاً من إغلاق وقيود مشددة.

تأتي هذه التصريحات بعد ساعات قليلة من قرار إيراني بإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية بشكل مؤقت، في خطوة تزامنت مع بدء سريان الهدنة بين لبنان وإسرائيل. ومع ذلك، لا يزال التوتر سيد الموقف عقب تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لن يتوقف، مما أثار تحذيرات إيرانية مضادة.

وفي سياق متصل، شددت طهران على أن المسار التفاوضي لا يزال قائماً ولم يُغلق، مشيرة إلى أن الاتفاقات الأولية تضمنت بنوداً واضحة تتعلق بوقف إطلاق النار في الساحة اللبنانية. وترفض الحكومة الإيرانية بشكل قاطع المحاولات الأمريكية الرامية لفصل ملف الجبهة اللبنانية عن التفاهمات الأوسع التي تجري بين واشنطن وطهران.

ونقلت مصادر إعلامية مقربة من الحرس الثوري الإيراني عن مسؤولين عسكريين قولهم إن وقف إطلاق النار في لبنان لم يكن ليتحقق لولا الضغوط العسكرية الشديدة التي مارستها إيران. وكشفت المصادر أن طهران أبلغت أطرافاً دولية بقرارها توجيه ضربات صاروخية مباشرة نحو إسرائيل إذا لم يتم التوصل لاتفاق وقف النار قبل موعد محدد.

وأفادت مصادر مطلعة بأن التهديد الإيراني كان جدياً وحدد الساعة الثامنة مساءً من يوم الاتفاق كمهلة نهائية قبل بدء الهجوم الصاروخي. هذا التصعيد الكلامي يعكس حجم الارتباط الوثيق الذي تفرضه طهران بين أمنها القومي وملف حلفائها في المنطقة، وتحديداً في الساحة اللبنانية التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع.

وعلى صعيد الملف النووي، حسم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الجدل الدائر حول إمكانية نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج الحدود. ونفى بقائي وجود أي نية أو اتفاق يقضي بالتخلي عن المكتسبات النووية، واصفاً اليورانيوم المخصب بأنه يمثل 'تراب الوطن' الذي لا يمكن التفريط بذرة واحدة منه تحت أي ظرف.

كما شنت الخارجية الإيرانية هجوماً حاداً على سياسة الحصار البحري التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، واصفة إياها بأنها 'قرصنة بحرية' تخالف القوانين الدولية. وأكدت طهران أن رفع هذا الحصار يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي تفاهمات مستقبلية تهدف إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة وضمان حرية الملاحة الدولية.

من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً أمام السفن التجارية طوال فترة الهدنة التي تم الاتفاق عليها بين إسرائيل ولبنان. وتأتي هذه الخطوة كبادرة حسن نية مشروطة باستقرار الأوضاع الميدانية، وسط ترقب دولي لما ستؤول إليه الأمور في ظل استمرار العقوبات الأمريكية المشددة.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 10:58 صباحًا - بتوقيت القدس

شهيد في الخليل وسلسلة اعتداءات للمستوطنين والاحتلال بالضفة الغربية

ارتقى الشاب الفلسطيني محمد أحمد أبو غالية السويطي، البالغ من العمر 25 عاماً، شهيداً صباح اليوم السبت برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة جنوب غربي الخليل. وأفادت مصادر محلية بأن جنود الاحتلال استهدفوا الشاب بالرصاص الحي في خربة سلامة التابعة لبلدة دورا، مما أدى إلى إصابته بجروح قاتلة فارق على إثرها الحياة في المكان.

وزعمت سلطات الاحتلال أن الشاب السويطي حاول الاقتراب من مستوطنة 'نجوهوت' الجاثمة على أراضي المواطنين جنوب غرب الخليل قبل إطلاق النار عليه. وفي سياق سياسة التنكيل المتبعة، تواصل قوات الاحتلال احتجاز جثمان الشهيد وترفض تسليمه لذويه، وسط حالة من التوتر الشديد تسود المنطقة عقب الجريمة.

وفي محافظة نابلس، شنت قوات الاحتلال حملة مداهمات أسفرت عن اعتقال مواطنين، من بينهم فتى لم يتجاوز السن القانوني. وأوضحت مصادر أن الاعتقالات طالت الفتى يوسف فؤاد حسن من بلدة قصرة، والمواطن نضال أبو سعادة من قرية بيت دجن، وذلك بعد تفتيش منازل عائلاتهم والعبث بمحتوياتها بشكل استفزازي.

أما في محافظة طوباس، فقد طالت الاعتقالات شابين من مخيم الفارعة جنوب المدينة بعد استدعائهما للمقابلة الأمنية. وذكرت هيئات تعنى بشؤون الأسرى أن الاحتلال اعتقل محمد محمود عبد المعطي ومحمود ماهر صبح عقب توجههما للتحقيق في معسكر سالم الاحتلالي، ليتم تحويلهما لاحقاً إلى جهة مجهولة.

وشهدت قرية يبرود شرق رام الله اقتحاماً عسكرياً واسعاً نفذته قوات الاحتلال مساء الجمعة، تخلله إطلاق كثيف لقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع تجاه منازل المواطنين. وأدت هذه الاعتداءات إلى وقوع إصابات بحالات اختناق بين السكان، في ظل استمرار سياسة الترهيب التي يمارسها الجيش ضد القرى والبلدات الفلسطينية.

وفي اعتداء سافر للمستوطنين، أقدمت مجموعة من المتطرفين على إضرام النيران في غرفة زراعية بقرية أبو فلاح شمال شرق رام الله. وهاجم المستوطنون الجهة الشمالية للقرية تحت حماية جيش الاحتلال، الذي تدخل لاحقاً لإطلاق النار صوب المواطنين الذين حاولوا التصدي للحريق وإنقاذ ممتلكاتهم من التدمير.

ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، حيث اقتحمت آليات الاحتلال بلدة الخضر جنوب بيت لحم وتمركزت في منطقة البوابة الحيوية. كما امتدت الاقتحامات لتشمل منطقة الدوحة، حيث انتشر الجنود في محيط مسجد زيد بن ثابت، مما أعاق حركة تنقل المواطنين وأثار حالة من القلق في صفوف الطلبة والأهالي.

وفي مدينة بيت ساحور، تعرض المواطن محمد قادري لاعتداء وحشي من قبل مجموعة من المستوطنين في منطقة عش غراب. وأكدت مصادر أمنية أن المستوطنين احتجزوا قادري لفترة من الوقت وقاموا بضربه بشكل مبرح، مما تسبب له بكدمات وجروح، في إطار تصاعد هجمات المستوطنين المنظمة ضد الفلسطينيين بالضفة.

تأتي هذه التطورات الميدانية في ظل تصعيد إسرائيلي شامل يستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية عبر القتل والاعتقال وتوسيع اعتداءات المستوطنين. وتؤكد هذه الأحداث المتلاحقة إصرار الاحتلال على فرض واقع أمني وعسكري معقد، يهدف إلى تضييق الخناق على المواطنين في قراهم ومدنهم المحاصرة.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس

انسياب حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز وسط إجراءات تنظيمية جديدة

أظهرت أحدث بيانات تتبع السفن الدولية تحركاً مكثفاً لقوافل ناقلات النفط والغاز العملاقة وهي تغادر منطقة الخليج العربي عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. ووفقاً لمصادر ملاحية، فقد تألف الأسطول الراحل من أربع ناقلات مخصصة للغاز البترولي المسال، بالإضافة إلى مجموعة من السفن المحملة بالمنتجات النفطية والمواد الكيميائية، مما يشير إلى انتظام تدفقات الطاقة العالمية عبر هذا الممر الحيوي.

وفي سياق متصل، رصدت التقارير الفنية تحرك نحو عشرين سفينة شحن وناقلة نفط من الموانئ الخليجية باتجاه مخرج المضيق مساء الجمعة الماضية. وتأتي هذه التحركات في ظل مراقبة دقيقة من قبل شركات البيانات البحرية التي أكدت أن وتيرة الملاحة بدأت تستعيد زخمها الطبيعي بعد فترة من التوترات التي أثرت على سلاسل الإمداد في المنطقة.

وعلى صعيد الصادرات الإيرانية، كشفت شركة 'كيبلر' للبيانات البحرية عن مغادرة ثلاث ناقلات إيرانية محملة بنحو خمسة ملايين برميل من الخام عبر المضيق. وتعد هذه الشحنات هي الأولى من نوعها التي تخرج من الموانئ الإيرانية منذ فرض الحصار البحري الأمريكي المشدد، مما يمثل تطوراً لافتاً في مسار الأزمة القائمة بين طهران وواشنطن.

من جانبها، أعلنت السلطات الإيرانية عن إجراءات تنظيمية جديدة لضمان سلامة الملاحة، حيث أكد مسؤول إيراني أن حركة الدخول والخروج ستنحصر في مسار محدد يمر بجزيرة 'لارك'. وتأتي هذه الخطوة في إطار التفاهمات الأخيرة بين طهران وواشنطن لفتح الممر المائي بشكل كامل أمام التجارة الدولية خلال فترة الهدنة المتفق عليها بين الطرفين.

وفي واشنطن، أكد الرئيس دونالد ترامب أن طهران تعهدت بعدم إغلاق المضيق مرة أخرى، مشدداً في الوقت ذاته على أن الحصار البحري سيظل مفروضاً بصرامة على الصادرات الإيرانية حصراً. وأوضح ترامب عبر منصة 'تروث سوشال' أن الممر جاهز تماماً للعبور التجاري، لكن القيود لن تُرفع عن إيران إلا بعد التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل بنسبة مئة بالمئة.

تحليل

السّبت 18 أبريل 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تنزف بصمت النساء: الأمم المتحدة للمرأة تؤكد مقتل 38 ألف امرأة وفتاة على يد إسرائيل خلال حرب الإبادة



واشنطن – سعيد عريقات – 18/4/2026


في مشهد يختصر قسوة الحرب وعمق المأساة الإنسانية، أعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، يوم الجمعة، أن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة قُتلن في قطاع غزة حتى نهاية عام 2025، جراء القصف الإسرائيلي والعمليات العسكرية البرية، في حصيلة تضع النساء والفتيات في قلب الكارثة التي اجتاحت القطاع على مدى أكثر من عامين.


وقالت المتحدثة باسم الهيئة، صوفيا كالتورب، خلال إحاطة صحفية في جنيف، إن الفترة الممتدة من تشرين الأول 2023 إلى كانون الثاني 2025 شهدت سقوط أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة، بمعدل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يُقتلن يومياً. أرقام تبدو جافة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها صور أمهات انتُزعن من أطفالهن، وفتيات خُنقت أحلامهن تحت الركام، وعائلات انهارت أعمدتها البشرية في لحظات.


وأوضحت الهيئة أن هذه الأرقام قد لا تمثل الحقيقة الكاملة، إذ ما تزال جثامين كثيرة مدفونة تحت الأنقاض، فيما تواجه أنظمة التوثيق والإبلاغ ظروفاً قاسية بسبب انهيار البنية التحتية واستمرار الحصار. وبين الأرقام الرسمية وما تخفيه الأنقاض، تتسع هوة الفقد أكثر فأكثر.


وأكدت كالتورب أن نسبة النساء والفتيات بين القتلى في هذه الحرب تجاوزت بكثير ما سُجل في الحروب السابقة على غزة، إذ بلغت النسبة 15% خلال حرب 2008-2009، و22% في حرب 2014، بينما تخطت في هذه الجولة حدوداً غير مسبوقة، ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف وانهيار قواعد الحماية الإنسانية.


لكن الموت لم يكن الوجه الوحيد للمأساة. فقد أشارت الهيئة إلى إصابة نحو 11 ألف امرأة وفتاة بجروح بالغة أدت إلى إعاقات دائمة، لتتحول النجاة نفسها إلى شكل آخر من المعاناة. نساء خرجن من تحت الركام بأجساد منهكة، يحملن ندوباً سترافقهن مدى الحياة، في بيئة تفتقر إلى الرعاية الطبية والتأهيل والدعم النفسي.


وفي موازاة ذلك، أعادت الحرب رسم البنية الاجتماعية الفلسطينية داخل القطاع. عشرات الآلاف من الأسر أصبحت تقودها نساء فقدن الأزواج والمعيلين، واضطررن إلى حمل أعباء العائلة في ظروف يستحيل معها توفير الحد الأدنى من الحياة. لا دخل، ولا خدمات، ولا أفق واضح، فيما تتحول الأم إلى سند أخير لعائلة محاصرة بالجوع والخوف.


كما تعرض ما يقرب من مليون امرأة وفتاة للنزوح المتكرر، فيما واجهت نحو 790 ألف أنثى مستويات حرجة أو كارثية من انعدام الأمن الغذائي. وبين خيمة ممزقة وممرات انتظار المساعدات، تتكرر يومياً رحلة البحث عن الماء والخبز والدواء والنجاة.


وأشارت الهيئة إلى أن الحرب الإقليمية التي تصاعدت عقب الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في شباط 2025 زادت من تعقيد الأوضاع في غزة، بسبب إغلاق المعابر وتشديد القيود على دخول المساعدات. ورغم إعلان وقف إطلاق نار هش في أكتوبر 2025، فإن وزارة الصحة في غزة أفادت بمقتل ما لا يقل عن 766 فلسطينياً منذ دخوله حيز التنفيذ، فيما استمرت عمليات قتل النساء والفتيات خلال الأشهر الأخيرة، بحسب الهيئة الأممية، ما يجعلها  حربا لا تُقاس فقط بعدد القتلى، بل بعدد الأمهات اللواتي غبن، والطفلات اللواتي لم يكبرن، والبيوت التي فقدت صوتها ودفئها.


وتكشف هذه الأرقام أن النساء في غزة لم يعدن مجرد ضحايا جانبيات للنزاع، بل أصبحن في صلب المعادلة الدموية للحرب. حين تُقتل النساء بهذا الحجم، فإن المجتمع يُستهدف في قدرته على الاستمرار وإعادة البناء. فالمرأة في المجتمعات المنكوبة ليست فرداً معزولاً، بل محور الأسرة والرعاية والتماسك الاجتماعي. لذلك، فإن استنزاف النساء يعني إضعاف البنية المجتمعية بأكملها، وتحويل آثار الحرب من دمار مؤقت إلى ندوب طويلة الأمد تمتد عبر الأجيال القادمة.


ويثير صمت المجتمع الدولي أمام هذه الحصيلة أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة. فحين تصدر الأرقام عن مؤسسات أممية، ثم تمر كخبر عابر في المشهد العالمي، يصبح الخلل أكبر من مجرد عجز دبلوماسي؛ إنه أزمة في قيمة الإنسان ذاته. لو وقعت هذه الأرقام في أي مكان آخر لاهتزت العواصم وامتلأت المنابر بالشجب. أما في غزة، فيبدو أن المأساة تُستهلك إخبارياً ثم تُطوى، وكأن أرواح الضحايا أقل وزناً في ميزان السياسة الدولية.


ولعل الأخطر من الموت المباشر هو ما يليه: مجتمع من الأرامل، واليتامى، والمصابات بإعاقات دائمة، والفتيات اللواتي نشأن وسط الخوف والجوع والتشرد. هذه ليست خسائر آنية، بل تأسيس قاسٍ لمستقبل مثقل بالصدمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية. إعادة إعمار الحجر ممكنة، أما إعادة ترميم الإنسان فتحتاج سنوات طويلة وإرادة سياسية وعدالة غائبة. ومن دون محاسبة حقيقية، ستبقى غزة مختبراً مفتوحاً لإعادة إنتاج المأساة جيلاً بعد جيل.