تحليل

السّبت 18 أبريل 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تنزف بصمت النساء: الأمم المتحدة للمرأة تؤكد مقتل 38 ألف امرأة وفتاة على يد إسرائيل خلال حرب الإبادة



واشنطن – سعيد عريقات – 18/4/2026


في مشهد يختصر قسوة الحرب وعمق المأساة الإنسانية، أعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، يوم الجمعة، أن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة قُتلن في قطاع غزة حتى نهاية عام 2025، جراء القصف الإسرائيلي والعمليات العسكرية البرية، في حصيلة تضع النساء والفتيات في قلب الكارثة التي اجتاحت القطاع على مدى أكثر من عامين.


وقالت المتحدثة باسم الهيئة، صوفيا كالتورب، خلال إحاطة صحفية في جنيف، إن الفترة الممتدة من تشرين الأول 2023 إلى كانون الثاني 2025 شهدت سقوط أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة، بمعدل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يُقتلن يومياً. أرقام تبدو جافة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها صور أمهات انتُزعن من أطفالهن، وفتيات خُنقت أحلامهن تحت الركام، وعائلات انهارت أعمدتها البشرية في لحظات.


وأوضحت الهيئة أن هذه الأرقام قد لا تمثل الحقيقة الكاملة، إذ ما تزال جثامين كثيرة مدفونة تحت الأنقاض، فيما تواجه أنظمة التوثيق والإبلاغ ظروفاً قاسية بسبب انهيار البنية التحتية واستمرار الحصار. وبين الأرقام الرسمية وما تخفيه الأنقاض، تتسع هوة الفقد أكثر فأكثر.


وأكدت كالتورب أن نسبة النساء والفتيات بين القتلى في هذه الحرب تجاوزت بكثير ما سُجل في الحروب السابقة على غزة، إذ بلغت النسبة 15% خلال حرب 2008-2009، و22% في حرب 2014، بينما تخطت في هذه الجولة حدوداً غير مسبوقة، ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف وانهيار قواعد الحماية الإنسانية.


لكن الموت لم يكن الوجه الوحيد للمأساة. فقد أشارت الهيئة إلى إصابة نحو 11 ألف امرأة وفتاة بجروح بالغة أدت إلى إعاقات دائمة، لتتحول النجاة نفسها إلى شكل آخر من المعاناة. نساء خرجن من تحت الركام بأجساد منهكة، يحملن ندوباً سترافقهن مدى الحياة، في بيئة تفتقر إلى الرعاية الطبية والتأهيل والدعم النفسي.


وفي موازاة ذلك، أعادت الحرب رسم البنية الاجتماعية الفلسطينية داخل القطاع. عشرات الآلاف من الأسر أصبحت تقودها نساء فقدن الأزواج والمعيلين، واضطررن إلى حمل أعباء العائلة في ظروف يستحيل معها توفير الحد الأدنى من الحياة. لا دخل، ولا خدمات، ولا أفق واضح، فيما تتحول الأم إلى سند أخير لعائلة محاصرة بالجوع والخوف.


كما تعرض ما يقرب من مليون امرأة وفتاة للنزوح المتكرر، فيما واجهت نحو 790 ألف أنثى مستويات حرجة أو كارثية من انعدام الأمن الغذائي. وبين خيمة ممزقة وممرات انتظار المساعدات، تتكرر يومياً رحلة البحث عن الماء والخبز والدواء والنجاة.


وأشارت الهيئة إلى أن الحرب الإقليمية التي تصاعدت عقب الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في شباط 2025 زادت من تعقيد الأوضاع في غزة، بسبب إغلاق المعابر وتشديد القيود على دخول المساعدات. ورغم إعلان وقف إطلاق نار هش في أكتوبر 2025، فإن وزارة الصحة في غزة أفادت بمقتل ما لا يقل عن 766 فلسطينياً منذ دخوله حيز التنفيذ، فيما استمرت عمليات قتل النساء والفتيات خلال الأشهر الأخيرة، بحسب الهيئة الأممية، ما يجعلها  حربا لا تُقاس فقط بعدد القتلى، بل بعدد الأمهات اللواتي غبن، والطفلات اللواتي لم يكبرن، والبيوت التي فقدت صوتها ودفئها.


وتكشف هذه الأرقام أن النساء في غزة لم يعدن مجرد ضحايا جانبيات للنزاع، بل أصبحن في صلب المعادلة الدموية للحرب. حين تُقتل النساء بهذا الحجم، فإن المجتمع يُستهدف في قدرته على الاستمرار وإعادة البناء. فالمرأة في المجتمعات المنكوبة ليست فرداً معزولاً، بل محور الأسرة والرعاية والتماسك الاجتماعي. لذلك، فإن استنزاف النساء يعني إضعاف البنية المجتمعية بأكملها، وتحويل آثار الحرب من دمار مؤقت إلى ندوب طويلة الأمد تمتد عبر الأجيال القادمة.


ويثير صمت المجتمع الدولي أمام هذه الحصيلة أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة. فحين تصدر الأرقام عن مؤسسات أممية، ثم تمر كخبر عابر في المشهد العالمي، يصبح الخلل أكبر من مجرد عجز دبلوماسي؛ إنه أزمة في قيمة الإنسان ذاته. لو وقعت هذه الأرقام في أي مكان آخر لاهتزت العواصم وامتلأت المنابر بالشجب. أما في غزة، فيبدو أن المأساة تُستهلك إخبارياً ثم تُطوى، وكأن أرواح الضحايا أقل وزناً في ميزان السياسة الدولية.


ولعل الأخطر من الموت المباشر هو ما يليه: مجتمع من الأرامل، واليتامى، والمصابات بإعاقات دائمة، والفتيات اللواتي نشأن وسط الخوف والجوع والتشرد. هذه ليست خسائر آنية، بل تأسيس قاسٍ لمستقبل مثقل بالصدمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية. إعادة إعمار الحجر ممكنة، أما إعادة ترميم الإنسان فتحتاج سنوات طويلة وإرادة سياسية وعدالة غائبة. ومن دون محاسبة حقيقية، ستبقى غزة مختبراً مفتوحاً لإعادة إنتاج المأساة جيلاً بعد جيل.

دلالات

شارك برأيك

غزة تنزف بصمت النساء: الأمم المتحدة للمرأة تؤكد مقتل 38 ألف امرأة وفتاة على يد إسرائيل خلال حرب الإبادة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.