أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:52 صباحًا - بتوقيت القدس

"الفنون" … حين يصبح الاسم ذاكرة تُعاش


ليست كلّ الأسماء تُقال لكي تُعرِّف، بعضُها يُقال لأننا نعرفه سلفًا، لأن له ذاكرةً فينا قبل أن يكون له معنى، هناك أسماء تحتاج إلى شرح، وأخرى يكفي أن تُنطق حتى تُستعاد، في الحالة الأولى نحن أمام تسمية، وفي الثانية نحن أمام تجربة، وبين التسمية والتجربة، مسافةٌ لا تُقاس باللغة، بل بالزمن الذي يتحوّل فيه الاسم من دلالةٍ عابرة إلى ذاكرةٍ مقيمة، وإلى خبرةٍ تُعاش داخل الناس لا خارجهم.

في هذا المعنى، لا تبدو (الفنون) اسمًا يُستخدم للإشارة إلى فرقة فنية بقدر ما تبدو اختصارًا لخبرةٍ طويلة، تشكّلت وتراكمت حتى صارت قابلة لأن تُفهم دون أن تُشرح، لا يتعلق الأمر بقدرة الاسم على الانتشار، بل بقدرته على الاستقرار في الوجدان، لذلك، لا يُقرأ حضور (الفنون) بوصفه حضور فرقة، بل أثر تجربة نجحت في أن تحجز لنفسها مكانًا داخل الذاكرة الجمعية الفلسطينية، بوصفها جزءًا من السردية الثقافية الحيّة للوطن والناس.


ما يُرى من (الفنون)… وما لا يُرى

حين نقترب من فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية كما تُرى عادة، تبدو الصورة واضحة: (عروض دبكة، حضور جماهيري واسع، امتداد زمني طويل، واستمرارية لافتة في مشهدٍ ثقافي شديد التقلّب)، هذه صورة صحيحة،

 لكنها لا تكفي، ما يُرى هو ما يمكن توثيقه، أما ما لا يُرى فهو ما يصعب اختزاله عبر الأثر الذي لا يُقاس بعدد العروض ولا بحجم الجمهور، بل بطريقة تسلّله إلى الوعي الجمعي بوصفه جزءًا من المشهد الثقافي الفلسطيني، وكمكوّن من مكوّنات الذاكرة المشتركة، لأن ما يُرى يُقاس، أما ما لا يُرى فيُورَّث.

ليست المسألة في إتقان الفن التراثي، بل في إعادة تعريفها، لم يعد الرقص حركةً إيقاعية منظّمة فحسب، بل لغةً يُعبَّر بها عن الجماعة، هذا التحوّل لا يحدث بقرارٍ إداري أو فني فقط، بل بتراكمٍ طويل يجعل من الشكل الفني حاملًا لمعنى يتجاوز حدوده التقنية، عندها يتحوّل الأداء إلى أثر، ويتحوّل الأثر إلى ذاكرة.


الاستمرار ليس زمنًا… بل بناءٌ تراكمي

الاستمرار هنا ليس بقاءً، بل قدرة على إعادة إنتاج الذات دون فقدان المعنى، كثيرٌ من التجارب تستمر لأنها لا تتغيّر، وأخرى تنتهي لأنها تغيّرت أكثر مما ينبغي، أما (الفنون) فنجحت في تحقيق التوازن الأصعب عبر تغيّر ما يلزم، والحفاظ على ما يجب.

هذا التوازن لا يُفهم بوصفه مهارةً فنية فقط، بل وعيًا بطبيعة الدور، فـ(الفنون) لم تتعامل مع نفسها كفرقة تُنتج عروضًا، بل كجسمٍ ثقافي يعيد صياغة العلاقة بين الفن والمجتمع، لذلك، لم تكن استمراريتها نتيجة ظرف، بل حصيلة وعيٍ متراكم بأن ما يُبنى لا يُقاس باللحظة، بل بما يتركه من أثر، والزمن في هذه الحالة، لا يُستهلك… بل يُستثمر، لأن ما يُبنى بالوعي لا ينتهي بالزمن.


ثلاثية العمل الممتدة من الفن إلى المجتمع


يظهر هذا الفهم للفن بوصفه فعلًا ممتدًا بوضوح في ثلاثية "يا صاحب الطير"، لا تعبّر هذه التجربة عن تعدد في الوسائط بقدر ما تكشف عن رؤية متكاملة تجعل من العمل الفني فعلًا مجتمعيًا، يجمع المشروع بين الموسيقى والرقص والفن التشكيلي لتوثيق الحكاية الفلسطينية وإبراز مسؤولية الفرد داخلها، في صيغة موحّدة تعكس تداخل الجمالي بالاجتماعي.

الأهم أن هذا العمل أُنجز بتمويل مجتمعي كامل، مقدّمًا نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا يعيد ربط الإنتاج بجمهوره، لا كمتلقٍ، بل كشريك في إمكان حدوثه، هنا لا تكون (الفنون) منتِجًا ثقافيًا فحسب، بل وسيطًا يعيد تعريف العلاقة بين الثقافة ومجتمعها، ويؤكد أن الهوية ليست تمثيلًا جماليًا، بل ممارسة جماعية تتجدّد باستمرار لمواجهة التحديات.

(الفنون) بوصفها فضاءً تربويًا

لا تتوقف تجربة (الفنون) عند حدود الإنتاج الفني، بل تمتد لتشكّل فضاءً تربويًا بمعناه الأعمق عبر حرصها على إنتاج إنسانٍ قادر على أن يرى نفسه ضمن جماعة، وأن يعبّر عنها دون أن يذوب فيها، في هذا الفضاء، الذي تعزّزه تجربة (براعم الفنون) منذ عام 1986، ينتقل الفن الشعبي من البعد التقني، الى خبرة حيّة تُلتقط من جيل إلى جيل.

هنا، لا يعود التراث نصًا يُستعاد، بل ممارسة تُعاش، أن يلتقي أكثر من جيل داخل التجربة نفسها، وأن يجد كلا منهم فيها ما يخصّه، ليس تفصيلًا بسيطاً، بل دليل على أن ما بُني هنا يتجاوز اللحظة إلى الاستمرارية. وفي هذا المستوى تحديدًا، لا تُنتج (الفنون) أداءً فنيًا فحسب، بل تُنتج ذاتًا قادرة على حمل المعنى.


(الفنون)… حين يتحوّل الاسم إلى ذاكرة تُعاش

لا يبدو السؤال عن سرّ (الفنون) سؤالًا عن النجاح بالمعنى المتداول، بقدر ما هو سؤال عن نوع الوجود الذي تمكّنت من بنائه، فهي لم تكتفِ بتقديم التراث، بل أعادت إنتاجه بوصفه قابلًا للحياة، ولم تتعامل مع الاستمرار كزمنٍ ممتد، بل كبناءٍ تراكمي، ولم تبقَ عند حدود الفرقة، بل صارت اسمًا يُعاش بوصفه جزءًا من الذاكرة والهوية والمعنى، لأن ما يحمل المعنى… لا يُختزل بمن صنعه.

الإجماع الذي تحققه (الفنون) لا يُصنع بخطاب، بل يُبنى باحتراف عبر الزمن، وحين يبلغ الاسم هذه المرحلة، لا يعود بحاجة إلى تبرير نفسه، يكفي أن يُقال… ليُفهم.

لذلك، لا تُقاس التجربة بما قدّمته فقط، بل بما أصبحت عليه في الوعي العام، فثمّة فرقٌ بين أن تُنتج عملًا ناجحًا، وأن تُنتج معنىً يستمر ويتشكّل عبر الزمن، لقد حقّقت (الفنون) الأمرين، لكنها عُرفت بالثاني أكثر.

تذكّرنا (الفنون) بأن ما يبقى ليس ما يُقال أو يُكتب، بل ما يُعاش يوميًا، وأن الاسم، حين يتجاوز وظيفته الأولى، لا يعود تعريفًا... بل يصبح ذاكرة تُعيد إنتاج معناها مع كل جيل جديد يمر عبرها ويمنحها حياة إضافية، هكذا لا تصبح (الفنون) تجربةً تُروى… بل معنىً يُعاش.

دلالات

شارك برأيك

"الفنون" … حين يصبح الاسم ذاكرة تُعاش

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.