اسرائيليات

السّبت 18 أبريل 2026 12:59 مساءً - بتوقيت القدس

تشاؤم إسرائيلي حيال اتفاقات السلام مع لبنان: استعادة لتجربة 1983 وشروط لإصلاح الجيش

تتصاعد في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية حالة من الترقب المشوب بالحذر مع تزايد التقارير الأمريكية حول مفاوضات مباشرة وشيكة بين لبنان ودولة الاحتلال. ويستحضر المحللون الإسرائيليون في هذا السياق تجربة عام 1983 المريرة، حين وُقعت اتفاقية سلام لم ترَ النور فعلياً، مما يثير تساؤلات جوهرية حول نضوج الظروف الراهنة لإبرام تسوية مستدامة.

اعتبر المستشرق وخبير شؤون الشرق الأوسط، حاييم غولوفنيتسيتس أن انطلاق المفاوضات المباشرة في واشنطن، والتي أفضت إلى وقف إطلاق نار محدود، يمثل حدثاً تاريخياً بحد ذاته. وأشار في تحليل نشرته صحافة الاحتلال إلى أن هذا التحول هو نتاج مباشر للتغيرات الجذرية التي عصفت بالمنطقة ولبنان منذ أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023.

استذكر المحلل الإسرائيلي انهيار الدولة اللبنانية في أعقاب الحرب الأهلية عام 1975، وكيف أدى ذلك الصراع إلى صعود القوى الشيعية وتأسيس حزب الله لاحقاً. وأوضح أن تلك الحقبة شهدت تغلغلاً سورياً ونشاطاً مكثفاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، مما جعل لبنان ساحة مفتوحة للتدخلات العسكرية والسياسية الإقليمية والدولية.

تطرق التحليل إلى اتفاقية مايو 1983 التي وُقعت في عهد أمين الجميل وبدعم من الاحتلال، مؤكداً أنها ظلت حبراً على ورق حتى أُلغيت رسمياً. ويرى الخبراء أن الفشل التاريخي في تنفيذ تلك الاتفاقية يعود إلى غياب الإجماع الداخلي اللبناني وسطوة القوى المسلحة التي كانت ترفض أي تقارب مع الجانب الإسرائيلي.

أحدثت حرب السابع من أكتوبر 2023 تحولاً دراماتيكياً في الجبهة الشمالية، حيث انخرط حزب الله في صراع استنزاف طويل أدى لخسائر فادحة في صفوف قياداته. ويرى مراقبون أن اغتيال الأمين العام للحزب وتدمير أجزاء واسعة من بنيته التحتية العسكرية وضع الحزب في مأزق استراتيجي غير مسبوق أمام جمهوره والداخل اللبناني.

يشير التحليل الإسرائيلي إلى أن اتفاق الطائف لعام 1989، الذي وضع حداً للحرب الأهلية، تضمن ثغرة كبرى بالسماح لحزب الله بالاحتفاظ بسلاحه تحت مسمى المقاومة. هذا الاستثناء مكن الحزب من فرض إرادته السياسية لاحقاً، كما حدث في أيار 2008 عندما سيطر عسكرياً على بيروت رداً على محاولات تقليص نفوذه في المطار وشبكة الاتصالات.

يرى غولوفنيتسيتس أن شعار 'جيش وشعب ومقاومة' يواجه اليوم تحدياً مصيرياً في ظل الدمار الهائل الذي لحق بالجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية. فالرأي العام اللبناني، وحتى داخل البيئة الشيعية، بدأ يتساءل عن جدوى الاستمرار في مواجهة مفتوحة أدت إلى نزوح مئات الآلاف وتدمير مقومات الحياة الأساسية.

تتبع سلطات الاحتلال حالياً استراتيجية تهدف إلى توسيع المنطقة العازلة في الجنوب اللبناني عبر تدمير ممنهج للبنية التحتية في القرى الحدودية. وتستهدف هذه السياسة منع عودة النازحين في المدى القريب، وفرض واقع ميداني جديد يضغط على الحكومة اللبنانية للقبول بشروط أمنية أكثر صرامة في أي اتفاق مستقبلي.

يؤكد المحللون الإسرائيليون أن الواقع الديموغرافي والسياسي في لبنان قد تغير عما كان عليه في الثمانينيات، حيث تراجع النفوذ السوري وتغيرت موازين القوى المسيحية. ومع ذلك، يظل العائق الأكبر أمام أي استقرار هو ضعف مؤسسات الدولة اللبنانية وعجزها عن بسط سيادتها الكاملة على كافة الأراضي، خاصة في المناطق الحدودية.

تعتبر الدوائر الإسرائيلية أن الجيش اللبناني، رغم كونه مؤسسة تحظى بتأييد شعبي، إلا أن أداءه الميداني يظل متواضعاً وغير قادر على مواجهة نفوذ حزب الله. وتستدل هذه الدوائر بإخفاق الجيش في تنفيذ القرارات الدولية السابقة، وعلى رأسها القرار 1701، الذي فشل في منع الحزب من تعزيز ترسانته العسكرية جنوب الليطاني.

يقترح التحليل الإسرائيلي ضرورة إجراء إصلاح جذري وشامل للجيش اللبناني كشرط أساسي لنجاح أي اتفاق سلام أو تهدئة طويلة الأمد. ويتضمن هذا المقترح نقل مسؤولية إعادة بناء الجيش وتدريبه إلى الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، لضمان استقلاليته عن التأثيرات الحزبية والإقليمية الموالية لإيران.

تشدد الرؤية الإسرائيلية على ضرورة 'تطهير' صفوف الجيش اللبناني من العناصر الموالية لحزب الله على كافة المستويات القيادية والخدمية. وبدون هذه الخطوة، ترى مصادر إسرائيلية أن أي سلاح أو دعم يقدم للجيش قد ينتهي به المطاف كأداة بيد الحزب، مما يفرغ أي اتفاق أمني من مضمونه الحقيقي.

يعاني حزب الله في الوقت الراهن من أزمات مالية ومعنوية حادة نتيجة الحصار المالي والضربات العسكرية المتلاحقة التي استهدفت خطوط إمداده. ورغم هذه الانكسارات، لا يزال الحزب يراهن على قدرته على التعافي والتمسك بمواقفه السياسية، مستنداً إلى ما تبقى من ترسانته الصاروخية ودعم طهران المستمر.

في الختام، تخلص القراءة الإسرائيلية إلى أن توقيع اتفاق جديد مع لبنان دون ضمانات تنفيذية صارمة سيكون تكراراً للفشل التاريخي. فالمسألة لا تتعلق بالنصوص القانونية، بل بالقدرة على تغيير الواقع على الأرض، وهو ما يتطلب إرادة دولية وإقليمية حازمة لإعادة صياغة التوازنات داخل الدولة اللبنانية بعيداً عن سطوة السلاح غير الشرعي.

دلالات

شارك برأيك

تشاؤم إسرائيلي حيال اتفاقات السلام مع لبنان: استعادة لتجربة 1983 وشروط لإصلاح الجيش

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.