تحليل

الثّلاثاء 16 يونيو 2026 7:30 مساءً - بتوقيت القدس

الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية على حافة الانهيار وسط إهمال دولي متزايد

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 16/6/2026


تتجه الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية المحتلة نحو مرحلة غير مسبوقة من التدهور قد تفضي إلى انهيار شامل، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المشددة وتراجع الاهتمام الدولي بما يجري خارج دائرة الحرب في غزة. وفي تحذير لافت، أكد تقرير جديد صادر عن "مجموعة الأزمات الدولية" أن الاقتصاد الفلسطيني لم يعد يواجه مجرد أزمة عابرة، بل يتعرض لعملية “تفكيك منهجية” تطاول الأسس التي يمكن أن تقوم عليها أي دولة فلسطينية مستقبلية.


ويرسم التقرير صورة قاتمة للواقع الاقتصادي والاجتماعي في الضفة الغربية، حيث تتقاطع القيود المفروضة على الحركة والتجارة مع حجز العائدات الضريبية والتوسع في السيطرة على الأراضي، ما أدى إلى إضعاف الشركات الخاصة واستنزاف الأسر الفلسطينية ودفع السلطة الفلسطينية إلى حافة العجز المالي الكامل.


وبحسب التقرير، فإن الإجراءات الإسرائيلية لا تقتصر على إدارة الاحتلال أو فرض اعتبارات أمنية، بل تعكس توجهاً يهدف إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية ومنع ظهور دولة فلسطينية مستقلة. ويخلص التقرير إلى أن “الظروف الاقتصادية اللازمة لأي مستقبل فلسطيني غير قائم على الخضوع الدائم يتم تفكيكها بصورة متسارعة”.


واستندت الدراسة إلى مقابلات موسعة مع رجال أعمال فلسطينيين ورؤساء بلديات ومسؤولين حكوميين، كشفت حجم الضغوط التي تتعرض لها مختلف القطاعات الاقتصادية. وأشار المشاركون إلى تراجع حاد في النشاط التجاري والاستثماري، وتزايد الصعوبات التي تواجه الشركات في الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والموردين والمقاولين.


ومنذ عقود، يعاني الاقتصاد الفلسطيني من آثار الاحتلال العسكري وما يرافقه من حواجز ونقاط تفتيش وقيود على تنقل الأشخاص والبضائع. إلا أن الأوضاع تفاقمت بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أعقاب هجوم السابع من تشرين الأول 2023.


فبعد الهجوم، ألغت إسرائيل تصاريح العمل لمعظم الفلسطينيين الذين كانوا يعملون داخلها، والذين كان عددهم يقترب من 200 ألف عامل. وبينما بررت السلطات الإسرائيلية القرار بدواع أمنية، فإن النتيجة العملية تمثلت في حرمان الاقتصاد الفلسطيني من نحو 400 مليون دولار شهرياً، أي ما يقارب ربع الناتج الاقتصادي الإجمالي للضفة الغربية.


وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن معدل البطالة بين الفلسطينيين في الضفة الغربية يبلغ نحو 30 في المائة، فيما شهد الاقتصاد انكماشاً حاداً خلال العامين الماضيين. كما تراجعت أعمال القطاع الخاص بنحو 50 في المائة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، نتيجة القيود المشددة على الحركة واضطراب سلاسل التوريد وتصاعد حالة عدم اليقين.


ويحذر التقرير من أن المجتمع الفلسطيني لا يزال قادراً على الصمود، لكنه يعيش في حالة متواصلة من الإفقار والاستنزاف. ويؤكد أن استمرار هذا المسار من دون حلول حقيقية سيؤدي إلى تآكل الأمل لدى السكان، ويزيد احتمالات الانفجار الاجتماعي وتصاعد العنف وعدم الاستقرار.


وتقع السلطة الفلسطينية في قلب هذه الأزمة باعتبارها أكبر جهة توظيف ومقدم للخدمات العامة في الضفة الغربية. فقد اضطرت المؤسسات الحكومية إلى الاقتراض بصورة متزايدة لتغطية النفقات الأساسية، بينما يعاني الموظفون من تأخر الرواتب أو تقليصها، في وقت تتدهور فيه البنية التحتية والخدمات العامة.


وأدى نقص التمويل إلى تراجع قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الصحية اللازمة، كما انعكس سلباً على قطاع التعليم والخدمات البلدية. وتتعرض شبكات المياه والطرق إلى تدهور مستمر، في ظل غياب الموارد المالية الكافية للصيانة والتطوير.


وتعتمد السلطة الفلسطينية بشكل رئيسي على أموال الضرائب والجمارك التي تجمعها إسرائيل نيابة عنها بحكم سيطرتها على المعابر والحدود. غير أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واصلت حجز مليارات الدولارات من هذه العائدات وفرض اقتطاعات أحادية الجانب عليها. ووفق التقرير، لم تتلق السلطة أي تحويلات مالية منذ مايو/أيار 2025، ما فاقم أزمة السيولة وهدد قدرتها على الاستمرار.


وقال يوست هيلترمان، المستشار الخاص لمجموعة الأزمات الدولية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومعد التقرير في بيان إعلامي ، إن التركيز العالمي على الحرب في غزة خلال العامين الماضيين حجب الأنظار عن التحولات العميقة التي تشهدها الضفة الغربية. وأضاف أن هذه التغيرات قد تكون أكثر تأثيراً على مستقبل الطموحات الوطنية الفلسطينية من كثير من التطورات العسكرية الجارية في المنطقة.


وأشار هيلترمان إلى أن مسؤولين إسرائيليين رفضوا المشاركة في إعداد التقرير، لكنه لفت إلى وجود خلافات داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها بشأن كيفية التعامل مع الاقتصاد الفلسطيني. فبينما يدفع قادة المستوطنين باتجاه مزيد من التشدد، تبدي بعض الأجهزة الأمنية تخوفاً من انهيار السلطة الفلسطينية بالكامل.


ويعتقد مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن انهيار السلطة أو الاقتصاد الفلسطيني سيجبر إسرائيل في نهاية المطاف على تحمل أعباء إدارة الضفة الغربية بشكل مباشر، بما يشمل الخدمات المدنية والاقتصادية، وهو سيناريو يحمل تكاليف سياسية وأمنية واقتصادية باهظة.


تكمن خطورة ما يجري في الضفة الغربية في أن الأزمة لم تعد مجرد نتيجة جانبية للصراع السياسي، بل أصبحت أداة تؤثر مباشرة في مستقبل المجتمع الفلسطيني. فعندما يُحرم مئات آلاف الأشخاص من فرص العمل والدخل، وتتراجع قدرة المؤسسات العامة على تقديم والخدمات الأساسية، فإن ذلك يخلق بيئة خصبة لليأس والتوتر الاجتماعي. والأخطر أن هذه التحولات تجري وسط تراجع واضح للاهتمام الدولي، وانشغال العواصم الكبرى بالحروب والأزمات الأخرى، ما يمنح الواقع القائم فرصة للترسخ والتحول إلى وضع دائم يصعب تغييره مستقبلاً.


ويبرز التقرير مفارقة لافتة تتمثل في أن المجتمع الدولي يواصل الحديث عن حل الدولتين، بينما تتآكل يومياً المقومات الاقتصادية والإدارية اللازمة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. فالدول لا تقوم على الشعارات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى اقتصاد منتج ومؤسسات قادرة على العمل وموارد مالية مستقرة. وعندما يتم تقويض هذه العناصر بصورة متواصلة، يصبح الحديث عن التسوية السياسية منفصلاً عن الواقع. ومن هنا فإن الأزمة الاقتصادية الحالية لا تهدد الحاضر الفلسطيني فقط، بل تمس مباشرة إمكانات أي حل سياسي مستقبلي.


كما تكشف الأزمة حدود المقاربة الأمنية البحتة في إدارة الصراع. فالتجارب التاريخية أظهرت أن الاستقرار لا يتحقق عبر القيود الاقتصادية والإفقار الجماعي، بل من خلال توفير الأفق السياسي والتنمية الاقتصادية. ومع استمرار تراجع مستويات المعيشة وارتفاع البطالة وتدهور الخدمات العامة، تتزايد احتمالات الاحتقان الشعبي وفقدان الثقة بالمؤسسات القائمة. وإذا استمرت هذه الاتجاهات دون تدخل دولي جاد، فإن الضفة الغربية قد تواجه مرحلة من الاضطراب العميق تتجاوز آثارها الحدود الفلسطينية لتطال مجمل المشهد الإقليمي.

دلالات

شارك برأيك

الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية على حافة الانهيار وسط إهمال دولي متزايد

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.