يتصاعد الحديث في الأروقة السياسية مؤخراً حول توجهات أمريكية محتملة لإدراج حزب التجمع اليمني للإصلاح ضمن قوائم الإرهاب، وهي خطوة يرى مراقبون أنها تتجاوز مجرد الموقف الأيديولوجي لتصل إلى رغبة في إزاحة الحزب من المشهد الوطني اليمني بالكامل. هذا التوجه يُستخدم بشكل مقصود لتجريد السلطة الشرعية من أدواتها العسكرية الفاعلة، ومحاولة كسب نقاط قوة في معارك النفوذ الإقليمي التي تدار في اليمن.
منذ اندلاع ثورة التغيير في اليمن، اختارت القوى السياسية، وفي مقدمتها حزب الإصلاح، مسار العمل السياسي والتفاوض لضمان استقرار الدولة. ومع ذلك، جرى تعميم سردية تضع الحزب وكوادره في قائمة الأعداء، رغم تفاعله الإيجابي مع المبادرة الخليجية والآليات التنفيذية التي صاغتها القوى الدولية الكبرى كمرجعية دستورية للمرحلة الانتقالية.
لقد دفع حزب الإصلاح خلال العقد ونصف العقد الماضي أثماناً باهظة نتيجة انخراطه القوي في دعم التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. هذا الالتزام نبع من إيمان الحزب بضرورة الحفاظ على كيان الدولة اليمنية وصيانة الأمن القومي للمنطقة في مواجهة التهديدات الطائفية والانفصالية.
كوادر الحزب كانوا في طليعة المقاومة الشعبية، مما جعلهم عرضة للاستهداف المباشر، حيث امتلأت سجون القوى الانقلابية والميليشيات المحلية في صنعاء وعدن والمخا بآلاف المعتقلين منهم. هذه التضحيات قوبلت بمحاولات من أطراف داخلية وخارجية لإلصاق تهم الإرهاب بالنشاط السياسي للحزب بهدف إقصائه عن الميدان.
إن الاستهداف الممنهج لا يستهدف الهيكل الحزبي للإصلاح فحسب، بل يسعى بالأساس إلى تقويض القوات العسكرية الوطنية. يتم ذلك عبر ترويج ادعاءات باطلة تزعم أن هذه القوات تتبع فصيلاً حزبياً خالصاً، وذلك لتسهيل عملية تصفيتها أو تحييدها عن دورها في حماية السيادة اليمنية.
يبرز مثال حزب الأمة في الأردن كنموذج لقدرة العمل السياسي المدني الملتزم بالدستور على التكيف مع التحديات العابرة للحدود. فالمناعة الوطنية هي الحصن الوحيد في مواجهة إجراءات التصنيف الأمريكي التي بدأت تفقد تأثيرها الفعلي بمرور الوقت، خاصة مع تكرار استخدامها كأدوات ضغط سياسي.
التصنيفات التي أطلقتها إدارة ترامب في فترات سابقة أثبتت أنها تندرج أحياناً ضمن حملات العلاقات العامة وبناء الشراكات الإقليمية. ويبدو أن بعض هذه الإجراءات تأتي كمكافأة لأطراف إقليمية تتبنى مواقف عدائية تجاه إرادة شعوب المنطقة وتتحالف مع القوى المتشددة في واشنطن.
الهدف من التصنيفات ليس الإصلاح كحزب، بل القوات العسكرية الوطنية التي لا يمكن تصفيتها إلا بتكريس ادعاءات باطلة بأنها ملاكٌ حزبي خالص.
يعد تصنيف الشيخ حميد بن عبد الله الأحمر مؤخراً مثالاً صارخاً على هذا النهج، حيث جاء القرار على خلفية مواقفه المناصرة للقضية الفلسطينية. الهدف من هذا التصنيف هو تضييق الخناق على القيادات الوطنية ذات الثقل الشعبي والحد من تأثيرها في تقرير المصير اليمني المستقل.
تتزامن هذه الضغوط مع حملات ممنهجة تطال قيادات المقاومة الشعبية التي قدمت تضحيات جسيمة في سبيل الوطن. ويحاول البعض تسويق ذرائع حول تمنع القوات المسلحة في مأرب عن الاندماج العسكري، وهو ادعاء يتجاهل حقيقة أن هذه القوات هي الوحيدة التي تتبع هيكلية الدولة الرسمية.
الجيش الوطني اليمني ظل القوة الملتزمة بتوجيهات القيادة السياسية والحكومة الشرعية رغم سياسات التهميش والإفقار التي مورست بحقه. وفي المقابل، حظيت تشكيلات عسكرية أخرى، قاتلت الدولة وهددت الأمن الإقليمي، بدعم مالي وعسكري سخي طوال السنوات الماضية.
لا يمكن حصر تقييم الجيش الوطني في زاوية تفاعله مع إجراءات الدمج فقط، مع تجاهل الدماء التي قدمها أفراده في ميادين القتال. فبينما كان الكثيرون بعيدين عن جبهات المواجهة، كان هذا الجيش يتحمل كلفة الدفاع عن الجمهورية بموارد بشرية ومادية محدودة للغاية.
إن محاولات حشر الجيش الوطني في زاوية الولاء الحزبي هي عبث سياسي يهدف إلى إضعاف الجبهة السيادية. هذا الجيش يضع نفسه اليوم تحت تصرف القيادة السياسية العليا، وينتظر نيل حقوقه المشروعة واحتلال مكانته الطبيعية في منظومة الدفاع الوطنية.
الابتزاز عبر سلاح التصنيف الأمريكي لن يثني القوى الوطنية عن مراقبة مسار دمج القوات التي أُنشئت خارج إطار الدولة لتحقيق أهداف إقليمية مشبوهة. هذه القوات تحولت بمرور الوقت إلى روافع لمشاريع معادية لكيان الدولة اليمنية ووحدتها وسلامة أراضيها.
يبقى الاختبار الحقيقي لجدية اللجنة العسكرية العليا هو مدى قدرتها على التصرف بمهنية خالصة بعيداً عن الضغوط السياسية. إن المهمة الأساسية يجب أن تتركز على إعادة توحيد كافة التشكيلات المسلحة ضمن عقيدة قتالية وطنية موحدة تخدم السيادة اليمنية وترتبط بالقرار السياسي للدولة.





شارك برأيك
سلاح التصنيفات الأمريكية: محاولات تفكيك الشرعية اليمنية وتصفية الحسابات الإقليمية