تعيش دولة الكويت منذ مطلع مارس 2024 تحولاً جذرياً في إدارة ملف الجنسية، حيث انتقلت السلطات من المراجعات المحدودة إلى مسار منهجي شامل يهدف إلى ما تصفه بـ 'تصحيح المسار القانوني'. هذا التحول جاء مدفوعاً برؤية القيادة الجديدة بعد تولي الأمير مشعل الصباح مقاليد الحكم، لتبدأ سلسلة من القرارات التي طالت آلاف الحالات التي تعود جذور بعضها إلى أكثر من ستة عقود.
وشهد شهر أبريل من عام 2026 صدور مراسيم وصفت بأنها الأوسع نطاقاً، حيث شملت سحب الجنسية من أكثر من 2300 شخص في دفعة واحدة. وأفادت مصادر بأن هذه الإجراءات تأتي في إطار حملة وطنية لمعالجة الثغرات القانونية وحالات التزوير التي شابت هذا الملف الحساس على مدار سنوات طويلة من تاريخ الدولة الحديث.
تستند هذه الإجراءات قانونياً إلى المرسوم الأميري رقم 15 لسنة 1959، والذي يحدد ضوابط واضحة لفقدان الجنسية أو سحبها. ومن أبرز هذه الحالات الحصول على الجنسية عبر الغش أو التزوير، أو ثبوت ازدواج الجنسية، بالإضافة إلى ارتكاب جرائم تمس أمن الدولة أو الشرف، وما يندرج تحت بند 'المصلحة العليا'.
وفي تطور تشريعي لافت، أُقرت تعديلات جديدة على قانون الجنسية في منتصف أبريل الجاري، نُشرت في الجريدة الرسمية لتعزيز الصلاحيات السيادية للدولة. وتهدف هذه التعديلات إلى إيجاد توازن بين حماية النسيج الوطني والاعتبارات الإنسانية، مع التأكيد على حق الدولة المطلق في منح أو سحب الجنسية وفق ضوابط قانونية رصينة.
تضمنت التعديلات الأخيرة استبدال مواد أساسية وإلغاء نصوص لم تعد تتواكب مع التنظيم الحالي للدولة، مع التشديد على ضرورة تنازل المتجنس عن جنسيته الأجنبية خلال ثلاثة أشهر. كما أقر القانون الجديد استخدام الوسائل العلمية الحديثة، مثل البصمة الوراثية والبيومترية، كأدلة قطعية في قضايا فقد أو سحب الجنسية.
ويبرز مشروع 'البصمة البيومترية' كأحد أهم الأدوات التقنية التي سرعت من وتيرة كشف التجاوزات، حيث مكنت السلطات من مطابقة البيانات المحلية مع قواعد بيانات دولية. وأشارت مصادر إلى أن الربط مع منظمة 'الإنتربول' ساهم في كشف أشخاص يحملون هويات متعددة وجنسيات مزدوجة لم يكن من السهل رصدهم بالوسائل التقليدية.
يثير بند 'المصلحة العليا' في القانون جدلاً واسعاً، كونه يمنح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً من التقدير في اتخاذ قرارات السحب والإسقاط. وتعرب منظمات حقوقية دولية عن مخاوفها من طبيعة هذا البند العامة، داعية إلى ضرورة وجود معايير محددة تمنع استخدامه في سياقات قد تؤثر على الاستقرار الاجتماعي للأفراد.
الدولة لم تعد تتعامل مع حالات الجنسية بوصفها ملفات فردية، وإنما ضمن رؤية شاملة لإعادة تدقيق بنية المواطنة القانونية.
من الناحية الإنسانية، يبرز 'أثر التبعية' كأحد أكثر الجوانب تعقيداً، حيث يمتد قرار سحب الجنسية من رب الأسرة ليشمل الزوجة والأبناء تلقائياً. هذا الإجراء قد يؤدي إلى تحول عائلات كاملة من وضع المواطنة المستقر إلى فئة 'غير محددي الجنسية'، مما يترتب عليه فقدان الحقوق الأساسية في التعليم والعمل والرعاية الصحية.
وعلى الصعيد القضائي، تصنف المحاكم الكويتية قرارات سحب الجنسية ضمن 'أعمال السيادة'، وهو ما يمنع القضاء من النظر في موضوع هذه القرارات أو إلغائها. وتطالب جهات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، بضرورة إتاحة حق التقاضي لضمان وجود آلية لمراجعة القرارات الإدارية وتصحيح أي أخطاء قد تقع أثناء عملية التدقيق.
لا تقتصر دوافع هذه الحملة على الجوانب القانونية والأمنية فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية تتعلق باستدامة المالية العامة للدولة. وذكرت تقارير اقتصادية أن تقليص عدد المستفيدين غير المستحقين من نظام الدعم الواسع، الذي يشمل الإسكان والخدمات الاجتماعية، يساهم في تخفيف الضغط على الميزانية العامة.
تعود جذور هذه الأزمة إلى مراحل بناء الدولة وتداخل ملفات 'البدون' مع عمليات التجنيس التي تمت في فترات زمنية مختلفة تحت بنود مثل 'الأعمال الجليلة'. هذا التداخل أدى إلى ما يصفه خبراء بـ 'سيولة المواطنة'، وهي الثغرات التي تسعى الحكومة الحالية لإغلاقها بشكل نهائي لضمان هوية وطنية واضحة.
شملت القرارات الأخيرة أسماء بارزة في المجتمع الكويتي، من بينهم فنانون معروفون مثل نوال الكويتية وداوود حسين، مما عكس جدية الدولة في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. وقد أثارت هذه الحالات تحديداً نقاشاً واسعاً في الشارع الكويتي حول معايير الانتماء والولاء والأسس التي تمنح بموجبها الجنسية.
يرى مؤيدو هذه الإجراءات أنها 'تصحيح ضروري' لحماية كيان الدولة من التلاعب وتزوير الهوية الوطنية الذي استمر لعقود. ويؤكد هؤلاء أن استعادة هيبة القانون في ملف الجنسية هو حجر الزاوية في مشروع الإصلاح الشامل الذي تنتهجه البلاد لضمان العدالة وتوجيه الموارد لمستحقيها الفعليين.
في المقابل، يشدد مراقبون على أهمية الشفافية في تنفيذ هذه القرارات، مع ضرورة مراعاة الحالات الإنسانية للأجيال التي ولدت ونشأت ككويتية. ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو كيفية الموازنة بين ممارسة حقها السيادي في حماية الهوية الوطنية وبين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والحقوقي لمواطنيها.





شارك برأيك
إعادة صياغة مفهوم المواطنة: مراجعة شاملة لملفات الجنسية في الكويت وتعديلات قانونية واسعة