تعد ظاهرة 'النخانيخ' في مصر، نسبة إلى صبري نخنوخ، تجسيداً لنمط من الزعامة الإجرامية التي تتجاوز مفهوم البلطجة التقليدي لتصبح جزءاً من هيكل غير رسمي للقوة. هؤلاء الأفراد الذين وُصفوا بألقاب مثل 'أمير البلطجية' و'وزير داخلية الشارع'، تحولوا إلى رموز لتشكيلات عصابية روعت المواطنين تحت مظلة من الرعاية الأمنية الرسمية في مراحل زمنية مختلفة.
تاريخياً، لم تكن حالة نخنوخ فريدة، بل تشابهت مع حالات صنعتها السلطة واستخدمتها لمساندة الأجهزة الأمنية في مهام قذرة، ثم تخلصت منها حين تجاوزت الحدود المرسومة. ومن أبرز هؤلاء عزت حنفي، المعروف بـ 'الخط'، الذي سيطر على جزيرة النخيلة في أسيوط وتحول إلى قوة عسكرية استوجبت تدخلاً أمنياً ضخماً لإنهاء أسطورته في عام 2004.
لقد اعترف عزت حنفي قبل إعدامه بأنه نفذ عمليات تصفية ضد أعضاء الجماعات الإسلامية بتعليمات ودعم تسليحي من وزارة الداخلية خلال تسعينيات القرن الماضي. كانت السلطة تغض الطرف عن جرائم تجارة المخدرات والخطف مقابل خدماته الأمنية، حتى تحولت جزيرته إلى قلعة استعصت على الأمن لفترة طويلة قبل اقتحامها بآلاف الجنود.
أما صبري نخنوخ، فقد بدأ مسيرته بتنظيم عصابي محدود في القاهرة قبل أن يتمدد نفوذه بشكل كبير خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. لعب نخنوخ دوراً محورياً في تزوير الانتخابات البرلمانية عام 2005، حيث استخدم رجاله لإغلاق لجان الاقتراع والاعتداء على الناخبين والمندوبين لمنع تقدم المعارضة والإخوان المسلمين.
استمر دور نخنوخ في انتخابات 2010، كما شارك رجاله في التصدي لمظاهرات حركة 'كفاية' والمعارضين الذين طالبوا بالإصلاح في سنوات مبارك الأخيرة. ومع اندلاع ثورة يناير، تشير التقارير إلى مشاركة مجموعاته في 'موقعة الجمل' الشهيرة، وهي المحطة التي سبقت القبض عليه في أغسطس 2012 بتهم متعددة.
رغم صدور حكم بالسجن المؤبد ضده، إلا أن المشهد السياسي تغير لاحقاً، حيث أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي عفواً رئاسياً عنه في عام 2018 بدعوى المرض. جاء هذا العفو في وقت كان فيه النظام يواجه تحديات أمنية في سيناء ويستعد لاستحقاقات انتخابية وتعديلات دستورية، مما جدد الحاجة إلى دعم 'ميليشياوي' غير رسمي.
في عام 2023، شهدت مسيرة نخنوخ تحولاً دراماتيكياً بتمكينه من رئاسة مجموعة 'فالكون' للأمن والحراسة، وهي كيان ضخم يضم سبع شركات متنوعة. حصلت المجموعة تحت قيادته على عقود تأمين حساسة تشمل جامعات وسفارات ومقار تابعة للأمم المتحدة، بالإضافة إلى حماية شخصيات عامة ووزراء.
استمرار الحكم القمعي سيظل هو البيئة الخصبة لولادة ونمو المزيد من النخانيخ الجدد، ولن تختفي هذه الدولة طالما بقيت منظومة الاستبداد.
تعتبر مجموعة 'فالكون' واجهة لأجهزة أمنية سيادية، وقد أُدخل نخنوخ كشريك برأس المال ليكون واجهة ميدانية، إلا أن الخلافات بدأت تظهر مؤخراً. تشير المصادر إلى أن سمعة نخنوخ أصبحت عبئاً، مما دفع الصندوق السيادي لعرض التخارج عليه مقابل رد أمواله، وهو ما رفضه نخنوخ مطالباً بتقييم سوقي مضاعف.
هذا التعنت المالي من قبل نخنوخ قد يعجل بقرار التخلص منه سياسياً وأمنياً، ليكون عبرة لغيره من 'النخانيخ' الذين قد يعتقدون أن نفوذهم بات عصياً على الكسر. إن ظاهرة الاستعانة بالبلطجية ليست محصورة في شخص واحد، بل هي شبكة واسعة تعمل بعلم وتنسيق مباشر مع الأجهزة الأمنية لتنفيذ مهام خارج نطاق القانون.
تستخدم السلطات هؤلاء 'النخانيخ' للقيام بعمليات الترويع واستخدام السلاح التي لا تستطيع الشرطة الرسمية القيام بها بشكل علني. وفي حال تحول تجاوز أحدهم إلى قضية رأي عام تثير الغضب الشعبي، تسارع الأجهزة الأمنية للتنصل منه وتقديمه للمحاكمة ككبش فداء للحفاظ على صورة المؤسسة الرسمية.
يتذكر المصريون أنه عند القبض على نخنوخ في 2012، شهد الشارع حالة من الهدوء النسبي واختفى الكثير من البلطجية الذين كانوا يفرضون سطوتهم. كان ذلك الأمل مرتبطاً بمناخ ثورة يناير والسعي نحو دولة القانون التي تحترم المواطن وتنهي زمن 'الفتوات' المرتبطين بالأجهزة السيادية.
لكن الواقع أثبت أن 'دولة النخانيخ' استعادت عافيتها بسرعة، بل إن نخنوخ نفسه كان يدير شبكته من داخل السجن عبر الهاتف وبتنسيق أمني. هذا الاستمرار يؤكد أن الظاهرة ليست مرتبطة بأشخاص بقدر ارتباطها ببنية الأنظمة الاستبدادية التي ترى في البلطجة أداة ضرورية للحكم والسيطرة.
إن الاعتماد على المليشيات غير الرسمية يوفر للأنظمة القمعية وسيلة للمواجهة الخشنة مع الخصوم السياسيين دون تحمل المسؤولية القانونية المباشرة. هذه البيئة تظل خصبة لولادة 'نخانيخ' جدد كلما تآكل نفوذ القدامى، مما يجعل من الصعب القضاء على هذه الظاهرة في ظل غياب المساءلة والشفافية.
في الختام، يظل السؤال حول موعد انتهاء هذه الحقبة مرتبطاً بالتغيير السياسي الشامل في مصر؛ فدولة القانون والمؤسسات هي الوحيدة الكفيلة بإنهاء سطوة البلطجة. وطالما بقيت منظومة الحكم تعتمد على الترهيب كأداة سياسية، فإن 'النخانيخ' سيظلون جزءاً أصيلاً من المشهد العام، سواء بأسماء قديمة أو وجوه جديدة.





شارك برأيك
دولة 'النخانيخ' في مصر: تحالفات السلطة والبلطجة من عزت حنفي إلى صبري نخنوخ