في ظل الثورة الرقمية الهائلة التي يعيشها العالم المعاصر، تحول الفضاء الإلكتروني من وسيلة للتواصل إلى أداة معقدة للسيطرة والتنافس الدولي. وبينما يتباهى العالم بإنجازات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، تبرز تساؤلات ملحة حول كيفية تطويع هذه التقنيات لخدمة أجندات سياسية وعسكرية دموية، خاصة في بقعة جغرافية محاصرة مثل قطاع غزة.
يعيش قطاع غزة مأساة إنسانية غير مسبوقة تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية والتجويع، حيث يسعى الاحتلال الإسرائيلي لفرض عزل كامل على القطاع. وتتجلى هذه السياسة في منع الوفود الإعلامية الدولية من الدخول، واستهداف الصحفيين والنشطاء بشكل مباشر لضمان بقاء المعاناة حبيسة الجدران وبعيدة عن أعين العالم.
إن السيطرة الإسرائيلية على الفضاء الرقمي في غزة ليست مجرد تفوق تقني، بل هي توظيف ممنهج للتكنولوجيا كأداة من أدوات الإبادة. وقد كشفت شهادات لمختصين، من بينهم المهندسة المغربية المستقيلة من شركة مايكروسوفت ابتهال أبو السعد، عن خطورة البرمجيات التي يتم تزويد الاحتلال بها لمواجهة الفلسطينيين وتتبعهم.
شهدت فترات الحرب المتعاقبة انقطاعاً كاملاً لخدمات الاتصال والتواصل في ذروة العمليات العسكرية، مما أدى إلى ضياع الكثير من الحقائق والوقائع. هذا الغياب المتعمد للشبكات لم يكن نتيجة أعطال فنية عارضة، بل كان سياسة مدروسة ترى في الصورة خطراً حقيقياً وفي التوثيق فضيحة دولية يسعى الاحتلال لتجنبها.
رغم المخاطر الجسيمة، استمر الصحفيون والمواطنون في غزة بتحدي جدار الصمت الرقمي، مخاطرين بحياتهم لتوثيق فصول المعاناة اليومية. وقد واجه هؤلاء سياسة مزدوجة من الاحتلال، تراوحت بين التصفية الجسدية المباشرة وبين حرب الإبادة الرقمية التي تستهدف المحتوى الفلسطيني عبر الخوارزميات المعقدة.
تعتمد حرب الإبادة الرقمية على تطوير برمجيات خاصة تهدف إلى تقييد الرواية الفلسطينية وحجبها عن المنصات العالمية. ويجد الفلسطيني نفسه محارباً في الميدان وفي المساحات الافتراضية على حد سواء، حيث تسعى هذه الأدوات لتحقيق مكاسب سياسية تتمثل في شرعنة التهجير القسري وقتل الحقيقة.
أحد أبرز العوامل التي ساهمت في نجاح الاحتلال في فرض روايته هو التقاء المصالح مع كبريات شركات التكنولوجيا، لا سيما تلك التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها. هذه الشركات منحت الاحتلال ميزات تقنية هائلة تم توظيفها في عمليات التطهير العرقي وتتبع الأهداف المدنية في القطاع المنكوب.
الكارثة الإنسانية في غزة أكبر من أن توصف بكلمات أو توثق بصور؛ عليك أن تعيشها لتفهم حجم المأساة.
لم تقتصر المساندة على الجانب التقني، بل وفرت الحكومات الغربية غطاءً سياسياً وإعلامياً مكثفاً لعمليات الاحتلال. واستخدمت هذه القوى قدراتها التكنولوجية المتطورة لتوجيه الرأي العام العالمي بعيداً عن الجرائم المرتكبة على الأرض، مما ساهم في إطالة أمد العدوان دون رادع دولي حقيقي.
لعبت لوبيات الضغط والمصالح دوراً محورياً في تجنيد المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق رواية الاحتلال. وفي المقابل، تعرض أنصار القضية الفلسطينية لحملات ترهيب وملاحقة رقمية تهدف إلى إسكات أي صوت ينادي بالعدالة أو يكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية في المحافل الدولية.
في المقابل، يبرز ضعف المواقف السياسية للحكومات العربية والإسلامية كعامل سلبي أدى إلى استفراد الاحتلال بالرواية. حيث لم يتم توظيف الإمكانات الإعلامية والتكنولوجية الرسمية بشكل كافٍ لدعم الحق الفلسطيني، مما ترك الساحة الرقمية مفتوحة أمام الدعاية الإسرائيلية الممنهجة.
إن هذا التقاعس الرسمي عن بناء منظومة إعلامية وتقنية قادرة على مواجهة التضليل، منح الاحتلال حرية العمل للمضي في أبشع عملية إبادة جماعية. وما زالت الآثار الكارثية لهذه السياسات ماثلة في غزة، حيث يحتاج العالم إلى جهود جبارة لسبر أغوار هذه المأساة واكتشاف عمق الجريمة.
ما يتم تدوينه اليوم من شهادات وقصص ليس مجرد نصوص عابرة، بل هو محاولة لكسر الحصار الرقمي المفروض على غزة. إن توثيق التجارب التي عاشها سكان القطاع يعد انتصاراً للمظلومين وإعلاءً لقيم الحق في وجه آلة القتل التكنولوجية التي لا تفرق بين مدني وعسكري.
يجب أن تُبحث هذه القضايا بعمق من قبل الباحثين والحقوقيين، لفهم كيف تحولت التكنولوجيا من وسيلة لتحرير الإنسان إلى أداة لاستعباده وإبادته. إن المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي لمحاسبة الشركات التي تساهم برمجياتها في سفك دماء الأبرياء وتسهيل عمليات القتل الجماعي.
في الختام، تبقى الرسائل العالقة من غزة شاهداً على صمود شعب يرفض الانكسار أمام أقوى المنظومات التكنولوجية. إن معركة الوعي والرواية لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية، وهي تتطلب تكاتفاً عالمياً لضمان وصول الحقيقة كاملة دون تشويه أو حجب رقمي متعمد.





شارك برأيك
التكنولوجيا كأداة للإبادة: كيف يوظف الاحتلال الفضاء الرقمي في حربه على غزة؟