واشنطن – سعيد عريقات – 14/4/2026
تحليل إخباري
في خطوة أثارت جدلاً سياسياً واسعاً، استضافت العاصمة الأميركية واشنطن لقاءً جمع بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة، ندى معوض، والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحئيل بايتر، وذلك برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وبمشاركة كل من السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز، إضافة إلى المستشار في وزارة الخارجية الأميركية مايكل ويندهام.
ويعرف السفير الإسرائيلي، لايتر، بكونه أحد غلاة المستوطنين، وهو أميركي المولد والنشأة ، قبل أن يتخذ من مستوطنة تقع شمال مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة مقراً لإقامته لسنوات طويلة. ولم يكتفِ بالسكن بل ساهم في تأسيس 'صندوق إسرائيل الواحد'، وهو مؤسسة مخصصة لجمع التبرعات المالية لدعم المشاريع الاستيطانية وتثبيت وجود المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن التحضير لهذا اللقاء استمر نحو شهر كامل، أي قبل تثبيت موعد المفاوضات الأميركية–الإيرانية في إسلام آباد، في محاولة واضحة للفصل بين المسارين، رغم تزامنهما الزمني. وأكد المسؤول أن الإدارة الأميركية تعتبر أن لا رابط بين المحادثات مع إيران وبين هذا الاجتماع اللبناني–الإسرائيلي، في إشارة إلى رغبة واشنطن في إبقاء كل ملف ضمن إطار تفاوضي مستقل.
وفي سياق التصريحات نفسها، شدد المسؤول على أن إيران “زجّت بالشعب اللبناني في حرب لا يمكنها بعد ذلك الادعاء بأنها حامية له”، معتبراً أن حزب الله “منظمة إرهابية لا تستحق أي دور سياسي، ويجب نزع سلاحها بالكامل”، مؤكداً دعم الولايات المتحدة لهذا الهدف. كما أضاف أن واشنطن لن تسمح لطهران بتحديد مستقبل لبنان، وأن هذا اللقاء يندرج ضمن مساعٍ أوسع لإعادة رسم التوازنات في البلاد بعيداً عن النفوذ الإيراني.
على الصعيد الإنساني، كشف المسؤول أن وزارة الخارجية الأميركية أقرت مؤخراً تمويلاً جديداً بقيمة 58.8 مليون دولار لدعم برامج إنسانية في لبنان، تستهدف تقديم مساعدات حيوية للنازحين، تشمل الغذاء والرعاية الصحية والمياه وخدمات الصرف الصحي والمأوى، فضلاً عن دعم الاستجابة الطارئة للفئات الأكثر تضرراً من النزاع. وأشار إلى أن واشنطن تنسق بشكل مستمر مع المنظمات الدولية والجهات المانحة لضمان توظيف هذه المساعدات ضمن استجابة دولية متماسكة وفعالة.
ورغم الطابع الدبلوماسي الرسمي للاجتماع، فإن أوساطاً سياسية وإعلامية رأت فيه خطوة تفتقر إلى الجدية، معتبرة أنه لا يتجاوز كونه محاولة لإنتاج مشهد بصري يظهر لبنان وإسرائيل جنباً إلى جنب تحت مظلة أميركية، دون أن يعكس تقدماً فعلياً على صعيد القضايا الجوهرية العالقة. وتذهب هذه القراءة إلى أن اللقاء يعكس رغبة في تسجيل اختراق إعلامي أكثر منه مساراً تفاوضياً حقيقياً، في ظل غياب أي مؤشرات على استعداد الطرفين لمعالجة الملفات الحساسة.
كما يرى منتقدون أن توقيت اللقاء، وطبيعة تمثيله الدبلوماسي، يوحيان بأنه أقرب إلى مبادرة علاقات عامة منه إلى جهد سياسي جاد، خصوصاً في ظل الانقسامات اللبنانية الداخلية الحادة حيال أي شكل من أشكال التواصل مع إسرائيل. ويضيف هؤلاء أن هذا النوع من الاجتماعات قد يفاقم التوترات الداخلية بدلاً من أن يساهم في معالجتها، عبر إعطاء انطباع بوجود مسار تطبيعي غير معلن.
ويحذر مراقبون من أن التركيز الأميركي على ملف نزع سلاح حزب الله، بمعزل عن معالجة السياق الأوسع للأزمة اللبنانية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يُنظر إلى هذا الطرح على أنه يتجاهل التوازنات الداخلية المعقدة، ويختزل الأزمة في بعدها الأمني فقط، متغافلاً عن جذورها السياسية والاقتصادية.
ويعكس هذا اللقاء مقاربة أميركية تقليدية تقوم على إدارة الأزمات بدلاً من حلّها، حيث يتم التركيز على خلق منصات حوار شكلية دون توفير الشروط السياسية اللازمة لإنجاحها. فغياب جدول أعمال واضح، وعدم إشراك أطراف لبنانية أساسية، يجعل من الصعب اعتبار هذا الاجتماع خطوة جدية نحو تسوية مستدامة. كما أن الإصرار على فصل المسارات التفاوضية، رغم ترابطها الواقعي، يعكس قراءة تبسيطية لتعقيدات المشهد الإقليمي، ما يحدّ من فرص تحقيق اختراق حقيقي.
كما يطرح الاجتماع إشكالية السيادة اللبنانية، إذ يبدو أن ترتيبه وإدارته تمّا إلى حد كبير وفق أجندة خارجية، دون توافق داخلي لبناني واضح. هذا الواقع يعزز الانطباع بأن لبنان لا يزال ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، بدلاً من أن يكون طرفاً فاعلاً في تحديد مساره السياسي. كما أن التركيز على نزع سلاح حزب الله كمدخل وحيد للحل يتجاهل توازنات القوة الداخلية، وقد يؤدي إلى تعقيد المشهد بدلاً من تبسيطه.
ومن الواضح أن البعد الإعلامي كان حاضراً بقوة في هذا اللقاء، حيث يشكل ظهور ممثلين عن لبنان وإسرائيل في صورة واحدة تحت رعاية أميركية رسالة رمزية موجهة إلى أكثر من طرف. غير أن هذه الرمزية، في ظل غياب مضمون سياسي حقيقي، قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تعزز الشكوك حول أهداف الاجتماع وتغذي السرديات الرافضة لأي انفتاح دبلوماسي. وعليه، فإن نجاح أي مسار مستقبلي يتطلب تجاوز منطق الصورة نحو مقاربة أكثر عمقاً وواقعية.





شارك برأيك
لقاء واشنطن اللبناني–الإسرائيلي: استعراض بلا مضمون ومسار يفتقر إلى الجدية