تحليل

السّبت 25 يوليو 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل تعيد رسم استراتيجية النفوذ في الولايات المتحدة من "إيباك" إلى شركات الضغط والتأثير الرقمي

رسالة واشنطن


واشنطن –سعيد عريقات -25/7/2026

في تحول لافت يعكس إدراكًا إسرائيليًا لتراجع فعالية أدواتها التقليدية في واشنطن، كشف تقرير جديد صادر عن معهد كوينسي للحكم الرشيد (Quincy Institute for Responsible Statecraft) أن إسرائيل باتت تعتمد بصورة متزايدة على شركات الضغط السياسي والعلاقات العامة والوكلاء الأجانب المسجلين بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأميركي (FARA)، بدلاً من الاعتماد شبه الحصري على جماعات الضغط التقليدية، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك)، لتعزيز نفوذها داخل الولايات المتحدة.

ويشير التقرير، الذي أعده الباحث نيك كليفلاند-ستاوت، إلى أن إسرائيل أنفقت منذ عام 2023 أكثر من مليار دولار على حملات الدبلوماسية العامة وتحسين صورتها في الخارج، من بينها أكثر من 100 مليون دولار خُصصت للتأثير داخل الولايات المتحدة، وفق الإفصاحات الرسمية المقدمة بموجب قانون “فارا”. ويضيف التقرير أن إسرائيل تسير لتصبح أكبر جهة أجنبية إنفاقًا على أنشطة الضغط السياسي المسجلة في الولايات المتحدة خلال العام الجاري.

ويكشف التقرير أن سبع عشرة شركة جديدة سجلت نفسها خلال عامي 2024 و2025 للعمل لصالح المصالح الإسرائيلية، في مؤشر على توسع غير مسبوق في شبكة النفوذ الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة.

ومن أبرز هذه الشركات، شركة كلوك تاور إكس Clock Tower X التي أسسها المدير السابق لحملة الرئيس دونالد ترمب، براد بارسكيل، والتي حصلت على أكبر عقد بلغت قيمته 46.5 مليون دولار. ووفق التقرير، أقرت الشركة بأنها سعت إلى إدخال مضامين مؤيدة لإسرائيل ضمن البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة، عبر شبكة من المواقع الإلكترونية المصممة للتأثير في إجابات روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مثل “تشات جي بي تي”.

كما أظهرت وثائق قانون "فارا FARA" أن إسرائيل أنفقت ملايين الدولارات لاستقطاب مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تمويل حملات رسائل نصية جماعية تهدف إلى التأثير في الرأي العام الأميركي.

وأوضح التقرير أن إسرائيل دفعت 161 ألف دولار للمؤثر يواف ديفيس، الذي يدير حساب "اليهود من أجل نيويورك Jews of NY " على منصة إنستغرام، والذي يتابعه نحو 200 ألف شخص، كما دفعت 900 ألف دولار لشركة [ريدجز بارتنرز Bridges Partners لتجنيد أكثر من اثني عشر مؤثرًا لنشر محتوى داعم لإسرائيل، رغم أن هؤلاء المؤثرين لم يسجلوا كوكلاء أجانب.

ويلفت التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من عمليات التأثير الإسرائيلية في الولايات المتحدة يُدار عبر شركة الإعلام الفرنسية "هافاز ميديا Havas Media"، التي تعاقدت بدورها مع سبع شركات أميركية مسجلة بموجب قانون "فارا"، من بينها شركة العلاقات العامة الديمقراطية SKDK وشركة Bridges Partners.

ويقول التقرير إن هذه الشركات تركز على الوصول إلى شرائح أميركية بدأت تتراجع فيها مستويات التأييد لإسرائيل، وعلى رأسها الشباب الأميركي، والإنجيليون، والمحافظون.

وفي هذا السياق، أبرمت شركة "هافاس" في أيلول 2025 عقدًا بقيمة 3.2 مليون دولار مع شركة التسويق المسيحي "أظهر أن الإيمان يعمل Show Faith by Works" لتنفيذ حملة دعائية مثيرة للجدل تعتمد على تقنية "التسييج الجغرافي" (Geofencing)، والتي تسمح بإرسال إعلانات مؤيدة لإسرائيل إلى هواتف الأشخاص الموجودين داخل أو بالقرب من الكنائس الأميركية.

ويأتي هذا التصعيد في حملات التأثير في وقت تواجه فيه إسرائيل تراجعًا متزايدًا في شعبيتها داخل الولايات المتحدة، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياساتها في غزة، سواء من أعضاء في الكونغرس أو من شخصيات بارزة الإدارة الأميركية، من بينهم نائب الرئيس جي دي فانس.

ويتزامن نشر التقرير مع إعلان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه زيارة واشنطن الأسبوع المقبل لإجراء محادثات مع الرئيس دونالد ترمب، في وقت تسعى فيه الحكومة الإسرائيلية إلى إعادة ترميم علاقاتها مع قطاعات متزايدة من الرأي العام الأميركي.

ويخلص الباحث نيك كليفلاند-ستاوت إلى أن "الأساليب الجديدة التي تعتمدها إسرائيل تعيد تشكيل مشهد النفوذ داخل الولايات المتحدة، لكنها لم تنجح حتى الآن في وقف تآكل التأييد الشعبي، لأن السبب الرئيس لهذا التراجع يعود إلى السياسات الإسرائيلية نفسها، وهي سياسات تزداد رفضًا لدى قطاعات واسعة من الأميركيين".

وتكشف هذه الأرقام أن إسرائيل لم تعد تراهن فقط على النفوذ السياسي التقليدي داخل واشنطن، بل باتت تستثمر بكثافة في معركة تشكيل الوعي العام الأميركي، مستفيدة من أدوات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي والتسويق عبر المؤثرين. ويعكس هذا التحول إدراكًا بأن معركة الرأي العام أصبحت لا تقل أهمية عن معركة كسب أصوات أعضاء الكونغرس، خاصة مع تزايد الانتقادات للحرب على غزة داخل الجامعات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. غير أن ضخ الأموال وحده لا يضمن استعادة الثقة إذا بقيت السياسات الإسرائيلية نفسها محل رفض متزايد.

كما يبرز التقرير تحولًا مهمًا في طبيعة أدوات النفوذ الأجنبية داخل الولايات المتحدة، إذ لم تعد تقتصر على جماعات الضغط التقليدية أو الحملات الإعلامية المباشرة، وإنما امتدت إلى محاولة التأثير في المحتوى الذي تنتجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهي ساحة جديدة قد تصبح من أكثر ميادين الصراع على تشكيل المعلومات والروايات تأثيرًا خلال السنوات المقبلة. ويثير ذلك تساؤلات قانونية وأخلاقية بشأن حدود التدخل الأجنبي في التقنيات التي يعتمد عليها ملايين المستخدمين للحصول على الأخبار والمعلومات والتحليلات.

ورغم هذا التوسع غير المسبوق في الإنفاق، فإن التقرير يشير إلى مفارقة لافتة، وهي أن حجم الموارد المالية لا يوازي بالضرورة حجم التأثير السياسي أو الشعبي. فقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال العامين الماضيين تراجعًا ملحوظًا في التأييد الشعبي لإسرائيل، خصوصًا بين الشباب والديمقراطيين والمستقلين. ويعني ذلك أن حملات العلاقات العامة، مهما بلغت تكلفتها، قد تجد نفسها عاجزة عن تغيير الانطباعات التي تشكلها الوقائع الميدانية والصور القادمة من مناطق الصراع، والتي أصبحت تنتشر لحظة بلحظة عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

دلالات

شارك برأيك

إسرائيل تعيد رسم استراتيجية النفوذ في الولايات المتحدة من "إيباك" إلى شركات الضغط والتأثير الرقمي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.