تحليل

الجمعة 24 يوليو 2026 8:39 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يفقد صبره مع حرب إيران التي تهدد بابتلاع رئاسته ولا يعرف كيف يخرج منها

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات -24/7/2026


تحليل إخباري


كشفت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير تحليلي الجمعة عن تحول لافت في مقاربة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحرب مع إيران، مشيرة إلى أن الرئيس الذي راهن على حسم سريع عبر الضغوط العسكرية والسياسية، يجد نفسه اليوم أمام صراع مفتوح يفتقر إلى أفق واضح للنهاية، وسط تنامي القلق داخل البيت الأبيض من أن تتحول الحرب إلى العبء الأكبر على ما تبقى من ولايته.


ويرسم التقرير صورة لرئيس انتقل من الثقة بإمكانية إخضاع طهران خلال فترة وجيزة إلى حالة متزايدة من الإحباط والغضب، بعدما أخفقت الضغوط العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية المرجوة. ويشير إلى أن انفجار ترمب غضبًا خلال اجتماع في المكتب البيضاوي لم يكن مجرد موقف عابر، بل يعكس انتقال حالة التوتر من دوائر النقاش الداخلي إلى قلب عملية اتخاذ القرار.


وتعتبر الصحيفة أن أخطر ما تواجهه الإدارة ليس فقط استمرار العمليات العسكرية، وإنما احتمال أن تصبح الحرب القضية التي تطغى على مجمل أجندة الرئاسة. وتنقل عن مستشارين للرئيس خشيتهم من أن تستهلك الأزمة الإيرانية رصيد ترمب السياسي، على غرار ما حدث مع رؤساء أميركيين سابقين استنزفتهم حروب طويلة في الخارج، وفي مقدمتهم ليندون جونسون خلال حرب فيتنام وجورج بوش الابن في العراق.


ويلفت التقرير إلى أن تقييم الحرب داخل واشنطن لم يعد يعتمد فقط على النتائج العسكرية، بل بات يقاس أيضًا بكلفتها السياسية والاقتصادية. فالبيت الأبيض يواجه تراجعًا في نسب التأييد الشعبي، وارتفاعًا في أسعار الطاقة، وسقوط قتلى أميركيين، إلى جانب تنامي مخاوف الجمهوريين من انعكاسات استمرار الحرب على انتخابات الكونغرس المقبلة.


وفي تحول آخر، تشير الصحيفة إلى أن ترمب أصبح أكثر تشكيكًا في جدوى المسار الدبلوماسي، بعدما كان يطرح قبل أسابيع فكرة الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض. وتنقل عن مسؤول كبير أن الرئيس دخل ما وصفه بـ"مرحلة الانتقام"، وهو توصيف يعكس انتقال السياسة من حسابات براغماتية إلى قرارات يغلب عليها البعد الشخصي والانفعالي، الأمر الذي قد يضيق هامش المناورة السياسية ويزيد احتمالات التصعيد.


 


وفي هذا السياق، تكشف الصحيفة عن مؤشر لافت على حجم الضغوط التي يعيشها الرئيس الأميركي، إذ تشير إلى أنه بات، في بعض الأوقات، لا يطيق حتى سماع اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو رؤيته، في انعكاس لحالة الإحباط المتزايدة داخل البيت الأبيض من حرب لم تحقق حتى الآن نهاية سياسية واضحة. ولا يقدم التقرير ذلك بوصفه خلافًا استراتيجيًا بين واشنطن وتل أبيب، بقدر ما يعكس تزايد قناعة لدى ترمب بأن استمرار الحرب، التي ارتبطت إلى حد كبير بالأهداف الإسرائيلية، بدأ يفرض عليه أثمانًا سياسية واقتصادية وانتخابية متزايدة، ويهدد بابتلاع ما تبقى من أجندته الرئاسية. ويشير هذا التوصيف أيضًا إلى أن التوتر لم يعد مقتصرًا على إدارة الحرب، بل امتد إلى العلاقة الشخصية بين الزعيمين، وهي علاقة كانت تُعد حتى وقت قريب إحدى ركائز التنسيق الوثيق بين البلدين.


كما يبرز التقرير اتساع دائرة الخلافات داخل الفريق المحيط بالرئيس، إذ لم يعد الجدل يدور حول ضرورة ممارسة الضغط على إيران، بل حول ما إذا كان استمرار الحرب يخدم المصالح السياسية لترمب أم يهددها. ويعكس ذلك تزايد القناعة لدى بعض الجمهوريين بأن الأزمة بدأت تتحول من ملف سياسة خارجية إلى تحد داخلي قد يحدد مستقبل الإدارة.


وترى الصحيفة أن الإدارة تجد نفسها أمام معادلة يصعب التوفيق بين أطرافها؛ فهي تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب حرب طويلة في الشرق الأوسط، ومواصلة الضغوط العسكرية القصوى، ومنع إيران من تطوير قدراتها النووية، وحماية الملاحة الدولية، وطمأنة الحلفاء الإقليميين. غير أن الجمع بين هذه الأهداف يفرض عمليًا انخراطًا عسكريًا طويل الأمد، وهو ما يتناقض مع تعهدات ترمب السابقة بتجنب الحروب المفتوحة.


ويضيف التقرير أن التداعيات الاقتصادية بدأت تتحول إلى عامل ضغط استراتيجي، مع استمرار ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف من انعكاسات الحرب على الاقتصاد الأميركي. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الرأي العام الأميركي غالبًا ما يتسامح مع العمليات العسكرية الخارجية إلى أن تبدأ كلفتها بالانعكاس على مستوى المعيشة والأسواق الداخلية.


ورغم تركيز التقرير على مأزق البيت الأبيض، فإنه يخصص حيزًا محدودًا لتقييم الأداء الإيراني ميدانيًا، في إشارة ضمنية إلى أن طهران، وإن لم تحقق انتصارًا واضحًا، لم تُجبر أيضًا على قبول الشروط الأميركية. ويعزز ذلك الانطباع بأن الحرب دخلت مرحلة من الجمود الاستراتيجي، حيث لا يمتلك أي من الطرفين القدرة على فرض حسم نهائي.


في المقابل، تتجنب الصحيفة التوسع في مناقشة عدد من الملفات الحساسة، من بينها مدى واقعية الأهداف الأميركية الأصلية، وتأثير الحسابات الإسرائيلية في رسم السياسة الأميركية، واحتمالات توسع الحرب إقليميًا، أو فرص نجاح أي وساطة خليجية أو أوروبية لإعادة إطلاق المسار الدبلوماسي. ويعكس هذا التركيز أن اهتمام التقرير ينصب أساسًا على التداعيات السياسية للحرب داخل واشنطن أكثر من توازنات الشرق الأوسط.


وفي مجملها، تقدم وول ستريت جورنال قراءة توحي بأن التحدي الأكبر أمام ترمب لم يعد يتمثل في كيفية زيادة الضغط على إيران، وإنما في كيفية إنهاء الحرب أو إعادة تعريف أهدافها بطريقة تحفظ ماء الوجه سياسيًا، وتمنع تحولها إلى الأزمة التي تطبع إرث رئاسته.


تكمن أهمية هذا التقرير في أنه يصدر عن صحيفة تُعد تقليديًا أقرب إلى المدرسة المحافظة في السياسة الخارجية، الأمر الذي يمنح مضمونه دلالة سياسية تتجاوز مجرد التغطية الإخبارية. فعندما تبدأ وسائل إعلام مؤثرة داخل التيار المحافظ بالحديث عن استنزاف الرئاسة بدلًا من الحديث عن تحقيق الأهداف، فإن ذلك يعكس انتقال النقاش داخل واشنطن من سؤال كيفية كسب الحرب إلى سؤال كيفية الخروج منها. وهذا التحول غالبًا ما يشكل مؤشرًا مبكرًا على مراجعات أوسع داخل المؤسسة السياسية والأمنية الأميركية.


كما يكشف التقرير أيضًا عن معضلة استراتيجية طالما واجهت الإدارات الأميركية في الشرق الأوسط، وهي أن استخدام القوة العسكرية قد ينجح في رفع كلفة المواجهة على الخصم، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق أهداف سياسية قابلة للاستدامة. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت كلفتها الداخلية، وارتفعت احتمالات تآكل التأييد الشعبي، واتسعت الفجوة بين الطموحات المعلنة والنتائج الفعلية. ومن هنا، يصبح التحدي الحقيقي ليس إدارة العمليات العسكرية، بل إدارة تداعياتها السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة.


أما الرسالة الأهم التي يبعث بها التقرير، فهي أن واشنطن تبدو اليوم أمام أزمة خيارات أكثر من كونها أزمة أدوات. فالعودة إلى التصعيد تحمل مخاطر توسيع الحرب، بينما يبدو أن العودة إلى التفاوض باتت أكثر صعوبة في ظل تراجع الثقة المتبادلة بين الطرفين. وبين هذين الخيارين، يزداد احتمال استمرار حالة الاستنزاف، بما يجعل الحرب عبئًا سياسيًا متصاعدًا على الإدارة الأميركية، ويعيد طرح السؤال التقليدي في السياسة الخارجية الأميركية: كيف يمكن إنهاء حرب لم تعد تحقق مكاسب واضحة لأي من أطرافها؟

دلالات

شارك برأيك

ترمب يفقد صبره مع حرب إيران التي تهدد بابتلاع رئاسته ولا يعرف كيف يخرج منها

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.