رسالة واشنطن
إيباك وشراء النفوذ السياسي… عندما تصبح ملايين الدولارات أداة لإعادة هندسة الديمقراطية الأميركية
واشنطن – سعيد عريقات – 22/7/2026
تحليل إخباري
لم يعد السباق التمهيدي للحزب الديمقراطي على مقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان مجرد منافسة انتخابية بين النائبة هالي ستيفنز والمرشح التقدمي عبد الرحمن السيد، بل تحول إلى واحدة من أكثر المعارك السياسية إثارة للجدل في الولايات المتحدة، بعدما دفعت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) والمنظمات المرتبطة بها نحو ثلاثين مليون دولار لدعم ستيفنز ، في أكبر استثمار انتخابي منفرد في تاريخ المنظمة. ولم يعد السؤال المطروح هو من سيفوز بالمقعد، بل إلى أي مدى أصبح المال السياسي قادراً على توجيه إرادة الناخبين، وإعادة تشكيل الحياة السياسية الأميركية بما يخدم أجندات جماعات الضغط الأكثر ثراءً ونفوذاً.
وتكشف هذه المعركة جانباً مقلقاً من الديمقراطية الأميركية، حيث لم تعد المنافسة تقوم على البرامج والرؤى بقدر ما باتت تعتمد على قدرة الجهات ذات الموارد المالية الضخمة على إغراق الأسواق الإعلامية بالإعلانات، وصناعة صورة المرشح الذي تفضله، حتى وإن لم يكن هو الأكثر حضوراً شعبياً أو الأكثر قدرة على جمع التبرعات من المواطنين. ففي حين لم يتجاوز الإنفاق المباشر لحملة ستيفنز نحو مليون دولار، تجاوز الإنفاق الخارجي الداعم لها خمسين مليون دولار، بينها عشرات الملايين من إيباك ومنظمات أخرى، بعضها لا يكشف حتى عن هوية مموليه.
واللافت، بحسب خبراء، أن هذا السيل من الأموال لا يُضخ أمام الناخبين بشفافية. فالإعلانات التي تمولها إيباك تتجنب عمداً جعل إسرائيل محور رسائلها، رغم أن المنظمة تعلن صراحة في أدبياتها أن إسرائيل تمثل أولويتها الأولى، وأنها تدعم فقط المرشحين الذين يؤيدونها ويتبنون أجندتها السياسية. وفي المقابل، تغيب تماماً أي إشارة إلى المجزرة الإسرائيلية في غزة أو إلى الأهداف السياسية التي تسعى المنظمة إلى تحقيقها، فيما تختبئ رسائلها خلف شعارات عامة لا تكشف حقيقة الجهة الممولة ولا دوافعها. ويعكس هذا النهج إدراكاً متزايداً داخل المنظمة بأن اسمها بات يشكل عبئاً سياسياً، ولا سيما في أوساط واسعة من الحزب الديمقراطي. والنتيجة أن ملايين الناخبين يتعرضون لحملات إعلانية مكثفة من دون أن يدركوا من يقف وراءها أو الأهداف السياسية الحقيقية لهذا الإنفاق الانتخابي غير المسبوق.
ولا يقل إثارة للانتباه موقف المرشحة هالي ستيفنز نفسها، التي تجنبت مراراً الإجابة المباشرة عن أسئلة تتعلق بإيباك، مكتفية بالقول إن جميع من يدعمونها يفعلون ذلك تقديراً لخدمتها لسكان ميشيغان. لكن هذا التجنب يثير تساؤلات مشروعة: إذا كان الدعم المالي لا يؤثر في استقلالية القرار السياسي، فلماذا يتردد المرشحون في الحديث عنه؟ ولماذا لا يقدمون للناخبين شرحاً واضحاً عن طبيعة العلاقة مع الجهات التي تنفق عشرات الملايين لمصلحتهم؟
إن المشكلة لا تكمن في حق إيباك، أو أي جماعة ضغط أخرى، في المشاركة في الحياة السياسية، فهذا حق يكفله القانون الأميركي، وإنما في تضخم قدرتها المالية إلى الحد الذي يجعلها لاعباً يكاد يوازي الأحزاب السياسية نفسها. وعندما تستطيع منظمة واحدة إنفاق مبالغ تعادل عشرات أضعاف ما ينفقه المرشح الذي تدعمه، فإن الحديث عن تكافؤ الفرص الانتخابية يصبح موضع تساؤل، حتى وإن بقي كل شيء متوافقاً مع نصوص القانون.
ويزداد الجدل حدة لأن هذه الانتخابات تجري في ولاية تضم أكبر تجمع للعرب الأميركيين، في وقت ما تزال فيه الحرب الإسرائيلية على غزة تلقي بظلالها على السياسة الأميركية. فمنذ اندلاع الحرب، تصاعد الغضب داخل القاعدة الديمقراطية، واتسعت الانتقادات للدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، وبرز جيل جديد من الناخبين يرى أن استمرار هذا الدعم يتعارض مع المبادئ التي يرفعها الحزب بشأن حقوق الإنسان والقانون الدولي.
وفي هذا السياق، جعل عبد السيد قضية نفوذ إيباك محوراً أساسياً في حملته، معتبراً أن المال السياسي أصبح وسيلة لإسكات الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية داخل الحزب الديمقراطي. ويحظى هذا الطرح بدعم شخصيات تقدمية بارزة، بينها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، اللذان اعتبرا أن معركة ميشيغان تمثل اختباراً لما إذا كانت الحملات الشعبية تستطيع الصمود أمام الإنفاق المالي غير المسبوق.
وتكتسب انتقادات إيباك بعداً إضافياً لأنها لا تقتصر على الأوساط العربية أو الإسلامية، بل تشمل أيضاً سياسيين يهوداً وديمقراطيين مخضرمين. فقد سبق للنائب السابق آندي ليفين، وهو يهودي، أن اتهم المنظمة بإخفاء هويتها السياسية في الإعلانات الانتخابية، مؤكداً أن الناخب العادي لا يعرف أن الرسائل التي يشاهدها يومياً ممولة من جماعة ضغط لها أهداف واضحة في السياسة الخارجية. كما أعلن نواب ديمقراطيون آخرون رفضهم تلقي دعم إيباك مستقبلاً، معتبرين أن استقلال القرار السياسي يتطلب الابتعاد عن أي انطباع بأن المواقف تُشترى بالأموال.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الحزب الديمقراطي تحولاً ملحوظاً تجاه إسرائيل. فقد صوّت أكثر من مئة نائب ديمقراطي أخيراً لصالح محاولة لوقف جزء من المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، في أكبر مؤشر حتى الآن على اتساع الهوة بين القيادة التقليدية للحزب وقاعدته الشعبية. ولم يعد انتقاد إيباك أو رفض دعمها من المحرمات السياسية كما كان قبل سنوات، بل أصبح جزءاً من النقاش الداخلي حول مستقبل السياسة الخارجية الأميركية.
ورغم أن بعض المحللين يقللون من تأثير هذا الملف على سلوك الناخبين مقارنة بقضايا الاقتصاد والتضخم، فإن أهمية معركة ميشيغان تتجاوز حدود الولاية. فهي تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الديمقراطية الأميركية على مقاومة هيمنة المال السياسي، ولقدرة الناخب على التمييز بين الرسائل الانتخابية والجهات التي تمولها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود جماعات ضغط، فهذه جزء من النظام السياسي الأميركي، وإنما في اختلال ميزان القوة بينها وبين المواطن العادي. فعندما تصبح القدرة على ضخ عشرات ملايين الدولارات هي العامل الحاسم في تحديد من يملك فرصة الظهور الإعلامي، ومن يستطيع الوصول إلى الناخبين، فإن المنافسة تتحول تدريجياً من صراع أفكار إلى صراع حسابات مصرفية.
والأكثر إثارة للقلق أن كثيراً من السياسيين والمؤسسات يبدون استعداداً لغض الطرف عن هذا الخلل طالما أنه لا يمس مصالحهم المباشرة. فالصمت عن تضخم نفوذ المال السياسي لا يقل خطورة عن تضخمه نفسه، لأنه يضفي عليه شرعية سياسية وأخلاقية، ويجعل مساءلة جماعات الضغط تبدو وكأنها خروج عن المألوف، بدلاً من أن تكون جزءاً طبيعياً من الرقابة الديمقراطية.
لقد كشفت حرب غزة تحولاً عميقاً في الرأي العام الأميركي، وأظهرت أن القاعدة الديمقراطية لم تعد تنظر إلى إسرائيل وإلى جماعات الضغط المؤيدة لها بالطريقة نفسها التي كانت سائدة لعقود. ومن هنا تبدو معركة ميشيغان أكثر من مجرد سباق انتخابي؛ إنها مواجهة بين نموذجين للديمقراطية: أحدهما يرى أن المال حق مشروع للتأثير في السياسة ضمن الحدود القانونية، والآخر يحذر من أن تضخم هذا النفوذ يفرغ الانتخابات من مضمونها الشعبي ويجعلها أقرب إلى منافسة بين الممولين منها إلى منافسة بين المرشحين. وفي النهاية، فإن الديمقراطية لا تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل أيضاً بمدى تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وشفافية مصادر النفوذ، وقدرة المواطن على اختيار ممثليه بعيداً عن هيمنة المال المنظم وجماعات الضغط الأكثر ثراءً.





شارك برأيك
إيباك وشراء النفوذ السياسي… عندما تصبح ملايين الدولارات أداة لإعادة هندسة الديمقراطية الأميركية