تحليل

الأحد 19 يوليو 2026 9:16 صباحًا - بتوقيت القدس

ممداني يلوّح باعتقال نتنياهو في نيويورك، ومذكرة الجنائية الدولية تلاحق رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى الأمم المتحدة

رسالة واشنطن

ممداني يلوّح باعتقال نتنياهو في نيويورك، ومذكرة الجنائية الدولية تلاحق رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى الأمم المتحدة

واشنطن – سعيد عريقات – 19/7/2026

أعاد عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، فتح ملف المساءلة القانونية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما أعلن أنه يجري مشاورات قانونية مع الدوائر المختصة في المدينة لبحث إمكانية توقيفه إذا زار نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول المقبل، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط السياسية والقانونية على القيادة الإسرائيلية على خلفية الحرب المدمرة في قطاع غزة.

وقال ممداني، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، إن نتنياهو "مكانه لاهاي"، في إشارة إلى مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. وأضاف أن ما ارتكبته إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ اندلاع الحرب الأخيرة، جعل المطالبة بمحاسبة نتنياهو موقفاً يتبناه عدد متزايد من السياسيين والحقوقيين حول العالم.

وأوضح عمدة نيويورك أنه يجري "مناقشات نشطة" مع الإدارة القانونية للمدينة لتحديد حدود صلاحياته القانونية، مؤكداً أن أي خطوة ستتم في إطار القانون، قائلاً: "سنفعل كل ما يسمح به القانون في مدينة نيويورك، لكننا لن نبتكر قوانين جديدة لتحقيق ذلك".

ويأتي هذا الموقف بعد أشهر من تعهد ممداني، خلال حملته الانتخابية، بالسعي إلى اعتقال نتنياهو إذا زار المدينة، وهو وعد أثار جدلاً واسعاً حول مدى قدرة السلطات المحلية على تنفيذ مذكرة صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، في ظل عدم انضمام الولايات المتحدة إلى نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة.

في المقابل، حاول نتنياهو التقليل من أهمية هذه التصريحات، معتبراً أن ممداني "يكره أميركا في قرارة نفسه"، ومتهماً إياه بالانحياز إلى حركة حماس، في تكرار لنهج سياسي اعتمدته الحكومة الإسرائيلية مراراً، يقوم على ربط أي انتقاد للسياسات الإسرائيلية أو الدعوة إلى مساءلة المسؤولين الإسرائيليين بدعم الإرهاب أو معاداة السامية، وهو خطاب يرى منتقدون أنه يهدف إلى تجنب مناقشة جوهر الاتهامات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي.

كما أكد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، أن نتنياهو سيحضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك كما هو مقرر، وسيخاطب المجتمع الدولي للدفاع عن ما وصفه بـ"حق إسرائيل الثابت في الدفاع عن مواطنيها"، نافياً أن تشكل الدعوات إلى توقيفه أي عائق أمام زيارته.

من الناحية القانونية، يرى خبراء في القانون الدولي أن وجود نتنياهو داخل مقر الأمم المتحدة يمنحه حماية قانونية مرتبطة بالحصانات الدبلوماسية والاتفاقيات المنظمة لعمل المنظمة الدولية، إلا أن وضعه خارج المبنى، أثناء تنقله داخل مدينة نيويورك، يثير أسئلة قانونية معقدة بشأن مدى إمكانية تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، حتى وإن كانت الولايات المتحدة ليست طرفاً في نظام روما.

ورغم أن تنفيذ أي محاولة للتوقيف يبدو مستبعداً في ظل التعقيدات القانونية والسياسية، فإن مجرد إثارة هذا الاحتمال يعكس التحول الذي طرأ على النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة، حيث لم تعد المطالبة بمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين حكراً على الأوساط الحقوقية، بل أصبحت تجد صدى داخل قيادات محلية وشخصيات منتخبة في الحزب الديمقراطي.

ويُعد ممداني من أبرز الأصوات الديمقراطية المؤيدة للحقوق الفلسطينية، وقد أدان هجمات السابع من تشرين الأول 2023، لكنه جعل من انتقاد الحرب الإسرائيلية على غزة محوراً رئيسياً في خطابه السياسي، معتبراً أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين يمثل إحدى القضايا الأخلاقية الأكثر إلحاحاً في عصره.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الأميركية تحولاً ملحوظاً في المواقف تجاه إسرائيل، بعدما صوّت ما يقارب نصف أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس النواب لصالح مشروع يطالب بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، في مؤشر على تراجع الإجماع التقليدي داخل الحزب بشأن الدعم غير المشروط للدولة العبرية.

وتكشف تصريحات ممداني أن مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية لم تعد مجرد وثيقة قانونية، بل تحولت إلى عبء سياسي يلاحق نتنياهو أينما ذهب. فحتى إذا تعذر تنفيذها عملياً، فإنها تفرض واقعاً جديداً يتمثل في اضطرار رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى مواجهة أسئلة حول شرعيته الدولية، بدلاً من الاكتفاء بتسويق الرواية الإسرائيلية التقليدية. ومع اتساع دائرة المطالبات بالمحاسبة، تبدو إسرائيل أمام تحدٍ غير مسبوق يتمثل في تآكل الحصانة السياسية التي تمتعت بها لعقود داخل العواصم الغربية.

كما يعكس رد نتنياهو، القائم على اتهام منتقديه بمعاداة إسرائيل أو التعاطف مع حماس، أزمة سياسية متفاقمة أكثر مما يعكس رداً قانونياً على الاتهامات. فمنذ بداية الحرب على غزة، اعتمدت الحكومة الإسرائيلية خطاباً يخلط بين انتقاد السياسات العسكرية وبين معاداة السامية، في محاولة لإسكات الأصوات المطالبة بالمساءلة. إلا أن اتساع حجم الدمار والخسائر البشرية، وتزايد التقارير الحقوقية الدولية، جعلا هذا الخطاب أقل قدرة على احتواء الانتقادات المتصاعدة داخل الولايات المتحدة وأوروبا، حيث باتت المطالبة بالمحاسبة تحظى بقبول أوسع.

ولعل الأهمية السياسية لقضية ممداني لا تكمن في احتمال اعتقال نتنياهو، وهو احتمال ضعيف عملياً، بقدر ما تكمن في الدلالة التي تحملها داخل المجتمع السياسي الأميركي. فقبل سنوات قليلة، كان مجرد الحديث عن محاسبة مسؤول إسرائيلي رفيع يُعد من المحرمات السياسية، أما اليوم فقد أصبح جزءاً من النقاش العام داخل الحزب الديمقراطي، بالتوازي مع تصاعد الأصوات الرافضة لاستمرار الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل. ويشير هذا التحول إلى أن الحرب على غزة لم تُحدث أزمة إنسانية فحسب، بل أحدثت أيضاً شرخاً عميقاً في صورة إسرائيل داخل الرأي العام الأميركي.

 

دلالات

شارك برأيك

ممداني يلوّح باعتقال نتنياهو في نيويورك، ومذكرة الجنائية الدولية تلاحق رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى الأمم المتحدة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.