تحليل

الخميس 16 يوليو 2026 8:20 صباحًا - بتوقيت القدس

وسط هجوم إدارة ترمب على المحكمة الجنائية الدولية.. إلهان عمر تدفع نحو انضمام واشنطن إليه

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات-16/7/2026

في خطوة تعكس تصاعد الانقسام داخل الولايات المتحدة بشأن العلاقة مع المحكمة الجنائية الدولية، تقدمت النائبة الديموقراطية إلهان عمر بمشروع قرار يدعو الولايات المتحدة إلى الانضمام رسمياً إلى المحكمة والتصديق على نظام روما الأساسي، وذلك بعد أيام من إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عزمه العمل على "تفكيك" المحكمة وتقويض قدرتها على ممارسة مهامها.

وقالت عمر إن المحكمة الجنائية الدولية تمثل "أداة أساسية لتحقيق العدالة في الأماكن التي لا يجد فيها الضحايا أي سبيل آخر للإنصاف"، معتبرة أن الولايات المتحدة، إذا كانت تؤمن فعلاً بحقوق الإنسان وسيادة القانون، ينبغي أن تقود الجهود الرامية إلى تعزيز منظومة العدالة الدولية، لا إضعافها. وأضافت أن "لا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون، وعلى الولايات المتحدة أن تقدم نموذجاً في احترام المعايير التي تطالب الآخرين بالالتزام بها".

ويأتي مشروع القرار في وقت تشهد فيه العلاقة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب والمحكمة الجنائية الدولية أسوأ مراحلها، بعدما كثفت الإدارة الأميركية إجراءاتها العقابية ضد المحكمة بسبب تحقيقاتها المتعلقة بمسؤولين إسرائيليين، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إضافة إلى تحقيقات سابقة تناولت مزاعم ارتكاب أفراد أميركيين جرائم حرب خلال الحرب في أفغانستان.

ولم تكتف الإدارة الأميركية بفرض عقوبات على عدد كبير من كبار مسؤولي المحكمة، بل وسعت نطاق العقوبات ليشمل محامين ومنظمات حقوقية ساهمت في تقديم أدلة أو دعم تحقيقات المحكمة التي تعارضها واشنطن، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن استقلال القضاء الدولي.

وتشير تقارير إلى أن الإدارة الأميركية طالبت المحكمة بإدخال تعديلات على نظام روما الأساسي بما يحول دون ملاحقة الرئيس ترمب أو أعضاء إدارته أو مسؤولين إسرائيليين أمام المحكمة، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لتكريس حصانة سياسية وقانونية تتعارض مع المبادئ التي قامت عليها المحكمة باعتبارها هيئة مختصة بمحاكمة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية.

وأثارت تصريحات روبيو، التي تعهد فيها بـ"تفكيك" المحكمة الجنائية الدولية (يوم الاثنين 14 ىتموز)، موجة واسعة من الإدانات. وقالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، إن تصريحات الوزير الأميركي تؤكد، من حيث لا يقصد، أهمية المحكمة ودورها في محاسبة المسؤولين عندما تعجز الدول أو تمتنع عن إجراء تحقيقات حقيقية.

وأضافت كالامار أن مواقف الإدارة الأميركية توحي بوجود خشية من إمكانية مساءلة مسؤولين أميركيين مستقبلاً عن أفعال قد ترقى إلى جرائم بموجب القانون الدولي، مشيرة إلى مزاعم تتعلق بعمليات ترحيل أشخاص إلى أماكن يتعرضون فيها للتعذيب، وعمليات قتل خارج نطاق القانون في مناطق مختلفة.

وفي المقابل، رفضت النائبة عمر المزاعم التي ترددها الإدارة الأميركية بأن المحكمة قد تحاكم الجنود الأميركيين لمجرد خدمتهم العسكرية، مؤكدة أن المحكمة لا تتدخل إلا عندما تكون الدول غير راغبة أو غير قادرة على إجراء تحقيقات مستقلة وذات مصداقية بشأن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية.

وقالت إن أفضل وسيلة لتجنب اختصاص المحكمة تتمثل في عدم ارتكاب تلك الجرائم أصلاً، وعند ظهور ادعاءات جدية، إجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.

ويعد مشروع القرار الجديد المحاولة الثالثة التي تتقدم بها عمر منذ عام 2020 لدفع الولايات المتحدة نحو الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعدما قدمت مشروعين مماثلين في عامي 2020 و2022، إلا أنهما لم يصلا إلى مرحلة التصويت داخل مجلس النواب، رغم حصول المبادرة الثانية على دعم عدد من النواب الديموقراطيين.

ويتزامن المشروع أيضاً مع دعوى قضائية رفعتها منظمتان حقوقيتان ضد الرئيس ترمب وعدد من كبار مسؤولي إدارته، تتهمهم فيها بانتهاك التعديل الأول للدستور الأميركي من خلال فرض عقوبات على منظمات حقوقية شاركت في المطالبة بإجراء تحقيقات في جرائم حرب مزعومة ارتكبها مسؤولون أميركيون وإسرائيليون خلال الحرب على قطاع غزة.

وتسلط هذه التطورات الضوء على اتساع الفجوة داخل الولايات المتحدة بين تيار يرى في المحكمة الجنائية الدولية تهديداً للسيادة الأميركية، وآخر يعتبرها إحدى أهم مؤسسات العدالة الدولية التي ينبغي دعمها، خصوصاً في ظل تصاعد المطالب الدولية بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي.

وتكشف المبادرة التي تقودها إلهان عمر عن اتساع مساحة الخلاف داخل المؤسسة السياسية الأميركية بشأن موقع الولايات المتحدة في النظام القانوني الدولي. فبينما تواصل إدارة ترمب التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية، يرى قطاع متزايد من الديموقراطيين أن رفض الخضوع للقواعد ذاتها التي تطالب واشنطن الآخرين باحترامها يضعف صدقية الخطاب الأميركي حول حقوق الإنسان. ويعكس هذا الجدل صراعاً أعمق بين منطق القوة الذي حكم السياسة الخارجية الأميركية لعقود، ومنطق المساءلة القانونية الذي بات يكتسب زخماً متزايداً على الساحة الدولية.

وتكتسب المواجهة الحالية أهمية استثنائية لأنها تأتي في ظل تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بالحرب في غزة، حيث أصبحت المحكمة الجنائية الدولية لاعباً رئيسياً في ملفات المساءلة القانونية. ولهذا تبدو معارضة إدارة ترمب للمحكمة مرتبطة، إلى حد كبير، برغبتها في حماية المسؤولين الإسرائيليين، إلى جانب المسؤولين الأميركيين، من أي ملاحقات محتملة. ومن شأن هذا التوجه أن يعمق التوتر بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، الذين يعدون المحكمة إحدى الركائز الأساسية للنظام القانوني الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

ورغم أن فرص إقرار مشروع القرار داخل الكونغرس تبدو محدودة في ظل موازين القوى الحالية، فإن قيمته السياسية تتجاوز احتمالات التصويت عليه. فهو يعيد فتح النقاش حول العلاقة بين الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية، ويطرح سؤالاً جوهرياً بشأن مدى استعداد واشنطن للخضوع للمعايير القانونية نفسها التي تدعو إلى تطبيقها عالمياً. كما يمنح منظمات حقوق الإنسان زخماً إضافياً في مواجهة السياسات الرامية إلى تقليص اختصاص المحكمة، ويؤكد أن معركة العدالة الدولية باتت جزءاً من الانقسام السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، وليس مجرد خلاف مع المجتمع الدولي.



دلالات

شارك برأيك

وسط هجوم إدارة ترمب على المحكمة الجنائية الدولية.. إلهان عمر تدفع نحو انضمام واشنطن إليه

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.