تحليل

الأربعاء 15 يوليو 2026 4:24 مساءً - بتوقيت القدس

دعوى محمود خليل تعيد إحياء "قانون كو كلوكس كلان"… مواجهة قضائية مع إدارة ترمب وجماعات مؤيدة لإسرائيل

رسالة واشنطن


واشنطن –سعيد عريقات – 15/7/2026

 فتح الناشط الفلسطيني وخريج جامعة كولومبيا، محمود خليل يوم الثلاثاء، 14 تموز، فصلاً جديداً من المواجهة القانونية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعدما رفع دعوى مدنية أمام محكمة اتحادية ضد نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، ومؤسسة "هيريتيج" المحافظة، وأحد المنتسبين إلى جامعة كولومبيا، إلى جانب عدد من الأشخاص والمنظمات، متهماً إياهم بالتآمر لاستهدافه بسبب نشاطه المؤيد للحقوق الفلسطينية، في قضية مرشحة لأن تتحول إلى اختبار قضائي مهم لحدود حرية التعبير في الولايات المتحدة.

وتستند الدعوى إلى "قانون كو كلوكس كلان" لعام 1871، أحد أبرز قوانين الحقوق المدنية في التاريخ الأميركي، والذي أقره الكونغرس عقب الحرب الأهلية لمواجهة أعمال الإرهاب والعنف التي مارستها منظمة "كو كلوكس كلان" ضد الأميركيين السود وأنصار إعادة الإعمار. ولا يزال أحد أهم مواده نافذاً حتى اليوم، إذ يتيح مقاضاة أي أفراد أو جهات يثبت تآمرهم على حرمان أشخاص من حقوقهم الدستورية أو معاقبتهم بسبب ممارستهم حريات يكفلها الدستور.

وقال خليل، في بيان أعلن فيه رفع الدعوى، إنه "لن يتوقف عن النضال حتى يُحاسب كل من ساهم عن قصد في حرماني من حضور ولادة ابني، وسلب 104 أيام من حياتي"، في إشارة إلى فترة احتجازه لدى سلطات الهجرة الأميركية، مضيفاً أن "هذه الدعوى لا تتعلق بما تعرضت له شخصياً فحسب، بل بمؤامرة منسقة ومستمرة لمعاقبة وإسكات وترهيب كل من يجرؤ على الدفاع عن تحرير فلسطين"، مؤكداً أن إجراءات قانونية أخرى ستتبع قريباً.

وبرز محمود خليل، وهو فلسطيني كان يحمل الإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة، بوصفه أحد أبرز قادة الحركة الطلابية المؤيدة لفلسطين في جامعة كولومبيا خلال الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها الجامعات الأميركية اعتراضاً على الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة. وفي آذار 2025، اعتقلته سلطات الهجرة الأميركية بعد أن اعتبرت إدارة ترمب أن نشاطه السياسي يتعارض مع مصالح السياسة الخارجية الأميركية، وسعت إلى ترحيله، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات الحقوق المدنية، التي رأت أن الإدارة استخدمت قوانين الهجرة لمعاقبة نشاط سياسي سلمي يحظى بحماية التعديل الأول للدستور الأميركي.

وتزعم الدعوى أن استهداف خليل لم يكن قراراً إدارياً منفرداً، بل جاء نتيجة تنسيق بين مسؤولين حكوميين ومراكز أبحاث ومنظمات ضغط وجماعات ناشطة مؤيدة لإسرائيل، بهدف إسكات الأصوات المنتقدة للحرب على غزة، وإرسال رسالة ردع إلى الناشطين في الجامعات الأميركية.

ومن بين الجهات التي شملتها الدعوى منظمتا "بيتار" (Betar) و"كاناري ميشن" (Canary Mission) ، اللتان تعملان كواجهة للدعاية الإسرائيلية، وتركز اهتمامها بجمع معلومات عن الطلبة والأكاديميين المؤيدين لفلسطين، ونشر ملفات عنهم، وممارسة ضغوط على الجامعات والسلطات الحكومية لاتخاذ إجراءات بحقهم. وقد نفت المنظمتان في مناسبات سابقة ارتكاب أي مخالفات قانونية، وقالتا إن نشاطهما يقتصر على توثيق ما تعتبرانه معاداة للسامية والتطرف.

كما تتهم الدعوى مؤسسة "هيريتدج"، إحدى أكثر المؤسسات الفكرية المحافظة نفوذاً في واشنطن، بالمساهمة في توفير الغطاء الفكري والسياسي للحملة التي استهدفت الناشطين المؤيدين لفلسطين، بينما يواجه ستيفن ميلر اتهامات بالمشاركة في صياغة وتنفيذ سياسات هدفت إلى استخدام أدوات الدولة، بما فيها قوانين الهجرة، لمعاقبة معارضين للسياسة الأميركية تجاه إسرائيل.

ويقول مراقبون إن القضية قد تتجاوز حدودها الشخصية لتتحول إلى سابقة قانونية بشأن العلاقة بين السلطة التنفيذية والجماعات الخاصة، ومدى مسؤولية تلك الجماعات إذا ثبت أنها نسقت مع مسؤولين حكوميين لاستهداف أفراد بسبب آرائهم السياسية. كما قد تعيد القضية إحياء استخدام قانون يعود إلى أكثر من قرن ونصف القرن في سياق معركة حديثة تدور حول حرية التعبير، والنشاط الطلابي، وحدود النفوذ الذي تمارسه جماعات الضغط داخل مؤسسات الدولة الأميركية.

وتأتي دعوى محمود خليل في لحظة تشهد فيها الولايات المتحدة نقاشاً متصاعداً حول ما إذا كانت الحرب في غزة قد أعادت رسم حدود حرية التعبير داخل الجامعات الأميركية. فقد تحولت ساحات الجامعات إلى مسرح لمواجهة سياسية وقانونية غير مسبوقة، بين إدارات جامعية وحكومة اتحادية من جهة، وحركات طلابية ترى أن انتقاد السياسات الإسرائيلية يدخل في صميم الحقوق الدستورية المكفولة. وقد تجعل هذه القضية القضاء الأميركي حكماً في واحدة من أكثر القضايا حساسية منذ عقود.

ويكتسب اللجوء إلى "قانون كو كلوكس كلان" أهمية خاصة، لأنه ينقل النزاع من مجرد خلاف حول قرارات الهجرة إلى اتهام بوجود مؤامرة مدنية واسعة لتجريد ناشطين من حقوقهم الدستورية. وإذا تمكن المدعون من إثبات وجود تنسيق بين مسؤولين حكوميين ومنظمات خاصة لاستهداف خليل بسبب آرائه السياسية، فإن القضية قد تفتح الباب أمام دعاوى مشابهة يرفعها ناشطون آخرون، بما يوسع نطاق المساءلة القانونية عن حملات التضييق على حرية التعبير.

وتسلّط هذه القضية الضوء مجدداً على الدور المثير للجدل الذي تؤديه منظمتا "بيتار" و"كاناري ميشن"، اللتان تعملان من أجل إسكات الأصوات المنتقدة لإسرائيل وسياساتها، ولا سيما الاحتلال والحرب المدمرة على غزة التي وصفها عدد متزايد من الخبراء والمنظمات الدولية بأنها قد ترقى إلى الإبادة الجماعية. وتجاوزت المنظمتين ادعاء مكافحة معاداة السامية، لتتبنيا نهجاً يقوم على التشهير وإعداد قوائم سوداء وملاحقة الطلبة والأكاديميين، بما يخلق مناخاً من الخوف والرقابة الذاتية داخل الجامعات الأميركية، ويقوض حرية التعبير التي يكفلها الدستور الأميركي، ويحوّل تهمة "معاداة السامية" إلى أداة سياسية لإسكات كل من يجرؤ على انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية، بدلاً من مواجهة معاداة السامية الحقيقية حيثما وجد.

دلالات

شارك برأيك

دعوى محمود خليل تعيد إحياء "قانون كو كلوكس كلان"… مواجهة قضائية مع إدارة ترمب وجماعات مؤيدة لإسرائيل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.