أقلام وأراء

الأربعاء 15 يوليو 2026 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب ومضيق هرمز... من حماية الملاحة إلى قرصنة الدول

لم تكن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن "السيطرة على مضيق هرمز" وفرض رسوم على السفن العابرة مجرد زلة لسان أو موقف عابر، بل بدت وكأنها تعبير صريح عن رؤية أميركية تعتبر الممرات البحرية الاستراتيجية أصولاً يمكن إدارتها واستثمارها سياسياً واقتصادياً، فعندما يتحدث رئيس الولايات المتحدة عن أن بلاده "ستدير المضيق" وستتقاضى ما يصل إلى 20% من قيمة الشحنات مقابل "حمايته"، فإنه يطرح تصوراً يتجاوز مجرد ضمان حرية الملاحة إلى إعادة تعريف دور القوة العسكرية الأميركية باعتبارها أداة لفرض النفوذ وجباية المقابل، ومن هنا، يرى كثيرون أن هذه التصريحات قد تكشف جانباً من الحسابات التي حكمت سياسة إدارة ترامب تجاه إيران منذ البداية، فالتصعيد العسكري والعقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية لم تكن، وفق هذه القراءة، مجرد وسائل لاحتواء البرنامج النووي الإيراني، وإنما جزء من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوة في الخليج، ووضع أهم شريان للطاقة في العالم تحت مظلة الهيمنة  والبلطجة الأميركية المباشرة.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الدولية، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أي حديث عن إخضاعه لإدارة دولة واحدة أو فرض رسوم إلزامية على المرور فيه يثير تساؤلات قانونية وسياسية واقتصادية واسعة، لأنه يمس مبدأ حرية الملاحة الذي تقوم عليه التجارة الدولية.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعلن المنظمة البحرية الدولية رفضها المبدئي لفكرة فرض رسوم على العبور في المضائق الدولية، مؤكدة أن القانون الدولي لا يجيز فرض مثل هذه الرسوم لمجرد المرور، ويعكس هذا الموقف خشية دولية من أن يؤدي تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ضغط سياسي أو اقتصادي إلى تقويض النظام البحري الدولي وفتح الباب أمام صراعات جديدة.
في المقابل، جاءت التصريحات الأميركية متزامنة مع جولة جديدة من المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، في ظل تبادل الضربات واتساع دائرة التصعيد، ويمنح هذا التوقيت تصريحات ترامب بعداً إضافياً، إذ تبدو وكأنها تمهد لتبرير حضور عسكري أميركي أكثر ديمومة في الخليج، ليس فقط تحت شعار حماية الملاحة، بل أيضاً بوصفه وسيلة لفرض ترتيبات جديدة في المنطقة.
كما أن الحديث عن فرض مقابل مالي لقاء "الحماية" يعكس تحولاً في الخطاب الأميركي من فكرة قيادة النظام الدولي إلى منطق إدارة المصالح المباشرة، حيث تصبح القوة العسكرية خدمة مدفوعة الثمن، ويتحول الأمن البحري إلى مورد اقتصادي يخدم المصالح الأميركية وهو ما يعكس سياسة ترامب القائمة على القرصنة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه التصريحات مجرد موقف تفاوضي تصعيدي، أم أنها تعكس توجهاً استراتيجياً حقيقياً لإعادة رسم قواعد السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم؟ الإجابة ستتوقف على ما إذا كانت واشنطن ستحاول ترجمة هذا الخطاب إلى سياسات عملية، أم أنه سيبقى في إطار الضغط السياسي والإعلامي.
وفي جميع الأحوال، فإن ما يجري يؤكد أن الصراع في الخليج لم يعد يقتصر على الملف النووي الإيراني، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتنافس على السيطرة على طرق التجارة والطاقة العالمية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، في معركة تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة لتطال النظام الدولي بأسره.
وفي المحصلة تكشف تصريحات ترامب، في هذه القراءة، عن نهج سياسي يقوم على منطق الصفقات والإكراه أكثر من اعتماده على قواعد القانون الدولي، الذي يقول انه يحاول حمايته من التصرفات الإيرانية، فمن يتحدث عن الاستيلاء على إدارة مضيق دولي وفرض رسوم على حركة التجارة العالمية لا يقدم نفسه حامياً للأمن، بل قوة تسعى إلى توظيف تفوقها العسكري لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، ويبدو أن سياسة ترامب لا تقوم على الشراكات بقدر ما تقوم على فرض الإرادة بالقوة، حيث تتحول العقوبات إلى وسيلة ابتزاز، والحروب إلى أدوات ضغط، والممرات الدولية إلى أوراق تفاوض ومصادر للجباية، وإذا كان هذا الخطاب يعكس بالفعل التوجه الذي تسعى إليه واشنطن، فإن العالم سيكون أمام مرحلة تتراجع فيها شرعية القانون الدولي لصالح منطق القوة، ويصبح فيه ما يُسمى بـ"السلام الأميركي" أقرب إلى إدارة العالم بسياسة الإملاءات والبلطجة السياسية، لا بمنطق العدالة واحترام سيادة الدول.




دلالات

شارك برأيك

ترامب ومضيق هرمز... من حماية الملاحة إلى قرصنة الدول

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.