أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:25 صباحًا - بتوقيت القدس

رسالة للمانحين: فلسطين ليست مشروعاً إنسانياً ولا خيرياً

يوم جديد

تنعقد هذا الأسبوع مجموعة المانحين لفلسطين (Palestine Donor Group) في بروكسل، وهنا تبرز فرصة مهمة لإعادة تقييم العلاقة بين المجتمع الدولي والقضية الفلسطينية. فبعد عقود من المساعدات والمنح، أصبح من المشروع طرح سؤال جوهري: هل ساهمت المساعدات الدولية في بناء الدولة الفلسطينية، أم أنها أسهمت، من حيث لا تدري، في إدارة الأزمة وإطالة أمدها؟
الفلسطينيون لا يرفضون الدعم الدولي، بل يثمّنونه. لكنهم يرفضون أن تتحول قضيتهم إلى ملف إنساني دائم، بينما يبقى الاحتلال والاستيطان والضم والإفلات من العقاب خارج إطار المعالجة السياسية. فالمساعدات الإنسانية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإرادة السياسية، ولا عن تطبيق القانون الدولي، ولا عن الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
لقد أصبح واضحاً أن النجاح لا يقاس بحجم الأموال التي تُنفق، بل بمدى مساهمتها في توفير حاجات المواطنين وحماية فرص الامن والسلام، وتعزيز صمود المؤسسات الفلسطينية، وترسيخ الحكم الرشيد، وتوفير مقومات الدولة المستقلة. أما إذا بقيت المساعدات تُدار بمعزل عن الأفق السياسي، فإنها ستتحول إلى آلية لإدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه.
وفي هذا السياق، لا بد من مراجعة نقدية لنموذج التمويل الدولي ذاته. فقد تحولت بعض المؤسسات، بعد عقود من التمويل، إلى هياكل تعيش على استدامة المشاريع أكثر من استدامة التنمية، بينما بقي الاقتصاد الفلسطيني رهينة القيود الإسرائيلية، واستمرت البطالة والفقر والتبعية الاقتصادية في الاتساع. المطلوب اليوم ليس مزيداً من المشاريع قصيرة ومتوسطة الأجل، بل الاستثمار في اقتصاد فلسطيني قادر على الإنتاج والتصدير، وفي مؤسسات وطنية قادرة على الاستمرار باستقلالية.
كما أن مسألة ربط التمويل بالإصلاح الفلسطيني تحتاج مراجعة، فالإصلاح بكل أبعاده، يجب أن ينطلق من حاجة وطنية داخلية، وليس استجابة لشروط خارجية. وتجديد الشرعية عبر الانتخابات يمثل ضرورة وطنية لتعزيز المشاركة السياسية، وتطوير المؤسسات، وتجديد العقد بين المواطن ومؤسساته، في إطار النضال من أجل الحرية والاستقلال. فالديمقراطية ليست مطلباً دولياً فحسب، بل هي أحد مقومات بناء الدولة الفلسطينية الحديثة.
أما إعادة إعمار غزة، فلا يجوز أن تُختزل في مشاريع إسمنتية أو ترتيبات إدارية مؤقتة. فالإعمار الحقيقي يبدأ بإنهاء أسباب الدمار، وضمان وحدة غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ضمن إطار سياسي واحد، وقيادة فلسطينية وطنية تمتلك القرار والمسؤولية. ولا يمكن لأي خطة تنموية أن تنجح إذا استمرت سياسات الاحتلال في تقويض أسس الحياة الطبيعية.
وفي الوقت ذاته، يتحمل الاتحاد الأوروبي مسؤولية خاصة، ليس فقط بوصفه أكبر المانحين، بل أيضاً باعتباره شريكاً اقتصادياً رئيسياً لإسرائيل، وصاحب مشروع سياسي يقوم على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. ومن هنا، فإن الاتساق بين القيم الأوروبية والسياسات العملية أصبح ضرورة أخلاقية وسياسية. فلا يمكن الاستمرار في منح امتيازات اقتصادية لدولة تنتهك بصورة ممنهجة قواعد القانون الدولي، بينما يُطلب من الفلسطينيين الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية.
إن القضية الفلسطينية ليست قضية فقر، بل قضية حرمان من الحرية. وليست أزمة تنموية، بل قضية شعب يعيش تحت احتلال عسكري منذ عقود. ولذلك فإن المطلوب من المجتمع الدولي ليس إدارة الواقع القائم، بل المساهمة في تغييره، عبر ربط الدعم المالي بأفق سياسي واضح، يحمي حل الدولتين، ويصون وحدة الأرض الفلسطينية، ويضمن كرامة الانسان والمساءلة واحترام القانون الدولي.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق حلها، ومن فلسفة المانح والمتلقي إلى فلسفة الشراكة من أجل بناء الدولة. فالفلسطينيون لا يطلبون صدقات، ولا يبحثون عن إدارة إنسانية دائمة لمعاناتهم؛ إنهم يطالبون بما كفلته الشرعية الدولية منذ عقود: الحرية، والكرامة، والدولة المستقلة.
فحين تصبح السياسة حاضرة، تتراجع الحاجة إلى الإغاثة. وحين تتحقق العدالة، يصبح السلام أكثر من مجرد شعار.


دلالات

شارك برأيك

رسالة للمانحين: فلسطين ليست مشروعاً إنسانياً ولا خيرياً

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.