أقلام وأراء

الأحد 12 يوليو 2026 11:35 صباحًا - بتوقيت القدس

الخليل… هل تحتاج إلى خطة إنقاذ وطنية؟


حين يُذكر اسم الخليل، يتبادر إلى الأذهان أنها أكبر محافظات فلسطين سكانًا، وعاصمتها الاقتصادية، ومدينة الصناعة والتجارة، وحاضنة الإرث التاريخي والوطني. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بجرأة هو: هل تعاملت السياسات الوطنية مع الخليل بما يتناسب مع مكانتها وأهميتها؟
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الخليل باعتبارها مدينة قادرة على الاعتماد على نفسها، وأن اقتصادها كفيل بتجاوز الأزمات. لكن الواقع يقول إن المدينة تواجه تحديات متراكمة، لم تعد تحتمل الحلول الجزئية أو المعالجات المؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تعيد تعريف دورها في المشروع الفلسطيني.
الخليل ليست مجرد بلدية تقدم خدمات، وليست مؤسسة مسؤولة عن تعبيد شارع أو جمع النفايات أو إصدار رخص البناء فقط. إنها مدينة تحمل على عاتقها مسؤوليات اقتصادية ووطنية واجتماعية تتجاوز حدودها الجغرافية، وتؤثر في الاقتصاد الفلسطيني بأكمله.
فكيف يمكن لمدينة بهذا الحجم أن تواجه وحدها تحديات الاحتلال، والإغلاقات، والحواجز، والاعتداءات على البلدة القديمة، والتوسع الاستيطاني، والضغوط الاقتصادية، وارتفاع نسب البطالة بين الشباب، وتراجع الاستثمار، بينما تقتصر الخطط غالبًا على إدارة الأزمات اليومية؟
إن الخليل اليوم بحاجة إلى خطة إنقاذ وطنية، لا باعتبارها مدينة منكوبة، وإنما باعتبارها ركيزة أساسية لصمود الشعب الفلسطيني.
هذه الخطة يجب أن تقوم على عدة محاور رئيسية.
أولًا: إطلاق مشروع اقتصادي وطني يعيد تحفيز الاستثمار في المدينة، ويدعم القطاع الصناعي، ويوفر بيئة جاذبة لرؤوس الأموال الفلسطينية في الداخل والخارج.
ثانيًا: برنامج شامل لتطوير البنية التحتية، من الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والمواصلات والطاقة، بما يواكب النمو السكاني المتسارع ويستعد لاحتياجات العقود المقبلة.
ثالثًا: إنقاذ البلدة القديمة، ليس فقط عبر الترميم، بل بإعادتها إلى مركز الحياة الاقتصادية والسياحية والثقافية، ودعم سكانها وتجّارها، وتعزيز صمودهم في مواجهة سياسات الاحتلال.
رابعًا: الاستثمار في التعليم والجامعات والتدريب المهني والبحث العلمي، وربطها مباشرة بسوق العمل، حتى تتحول الخليل إلى مركز للإبداع والإنتاج، لا مجرد مدينة يهاجر منها أصحاب الكفاءات.
خامسًا: بناء شراكة حقيقية بين الحكومة، وبلدية الخليل، والقطاع الخاص، والجامعات، والغرف التجارية، والمؤسسات الأهلية، بحيث يصبح التخطيط للمستقبل مسؤولية جماعية لا عملاً منفردًا.
إن المدن الكبرى لا تُدار بمنطق ردود الأفعال، بل تُبنى بالرؤى والاستراتيجيات. والخليل ليست استثناءً. فهي تستحق خطة تمتد لعشر سنوات على الأقل، بخطوات واضحة، ومؤشرات أداء، وتمويل مستدام، ومساءلة حقيقية.
الخليل ليست عبئًا على الوطن، بل هي إحدى ركائزه الأساسية. وكل استثمار فيها هو استثمار في الاقتصاد الوطني، وفي صمود الإنسان الفلسطيني، وفي مستقبل الدولة الفلسطينية.
لقد آن الأوان أن ننتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن التفكير في احتياجات اليوم إلى التخطيط لأجيال الغد.
ولعل ما يدعو إلى التفاؤل أن هذا الطرح لم يعد مجرد فكرة تُكتب في مقال، بل أصبح جزءًا من نقاش وطني حول مستقبل مدينة الخليل.
ففي اجتماعنا الأخير مع الرئيس محمود عباس، وبصفتنا مجلس بلدية الخليل، أكدنا أن المدينة، بما تمثله من ثقل سكاني واقتصادي ووطني، لم تعد بحاجة إلى حلول متفرقة، بل إلى خطة إنقاذ وطنية شاملة، تقوم على رؤية استراتيجية طويلة الأمد، وتجمع بين التنمية الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز صمود البلدة القديمة، والارتقاء بالتعليم، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل.
كما طرحنا فكرة إنشاء صندوق استدامة واستثمار لمدينة الخليل، يكون إطارًا وطنيًا يجمع مساهمات الحكومة والقطاع الخاص ورجال الأعمال والمؤسسات الوطنية والداعمين، لتمويل المشاريع الاستراتيجية التي تحتاجها المدينة، بعيدًا عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال.
وقد لقي هذا الطرح اهتمامًا وتفاعلًا إيجابيًا خلال اللقاء، وطُلب منا العمل على إعداد رؤية وخطة متكاملة، تُرفع إلى سيادة الرئيس لتكون أساسًا للنقاش والاعتماد، بما يليق بمكانة الخليل ودورها المحوري في المشروع الوطني الفلسطيني.
إن الخليل لا تطلب امتيازًا على حساب أحد، ولا تبحث عن استثناء، وإنما تطالب بما تستحقه مدينة تحمل على عاتقها جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الوطني، وتدفع يوميًا ثمن صمودها في مواجهة الاحتلال وتحدياته.
وأؤمن أن اليوم الذي تصبح فيه للخليل خطة وطنية واضحة، وصندوق استدامة واستثمار، وشراكة حقيقية بين القيادة والحكومة والبلدية والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، سيكون بداية مرحلة جديدة، لا تنهض فيها الخليل وحدها، بل ينهض معها جزء مهم من فلسطين.

دلالات

شارك برأيك

الخليل… هل تحتاج إلى خطة إنقاذ وطنية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.