تحليل

الأحد 12 يوليو 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

إغلاق هرمز وتعثر الاتفاق النووي… واشنطن تعود إلى سياسة القوة وإسرائيل تدفع المنطقة نحو الحرب

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات – 12/7/2026

تحليل إخباري

لم يكن إعلان بحرية الحرس الثوري الإيراني، مساء السبت، إغلاق مضيق هرمز بالكامل حدثاً منفصلاً عن مسار المواجهة المتصاعدة بين طهران وواشنطن، بقدر ما بدا نتيجة مباشرة لوصول سياسة الضغط العسكري والسياسي إلى نقطة الانفجار. فالمضيق، الذي ظل مفتوحاً أمام الملاحة الدولية رغم سنوات العقوبات والتوتر، تحول اليوم إلى ورقة مواجهة تستخدمها إيران للقول إن استمرار الحرب والتهديد والإكراه لن يبقى بلا ثمن، وإن تداعيات الصراع لن تظل محصورة داخل حدودها، بل قد تمتد إلى أسواق الطاقة وشرايين التجارة والاقتصاد العالمي برمته.

بهذا المعنى، جاء إغلاق هرمز ليكشف عمق المأزق الذي وصلت إليه السياسة الأميركية تجاه إيران. فمرة أخرى، تقف العلاقات بين البلدين عند مفترق طرق، لكن تعثر الاتفاق النووي هذه المرة لا يبدو ناجماً عن خلافات تقنية حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم بقدر ما يعكس فشل الرهان الأميركي على إمكانية الجمع بين الضغوط العسكرية والتفاوض السياسي. إدارة الرئيس دونالد ترمب تبدو وكأنها تعود إلى السياسة التقليدية القائمة على الإكراه والقوة، بعدما أخفقت سياسة "الضغط الأقصى" في انتزاع التنازلات التي وعدت بها.

المفارقة أن واشنطن تطالب طهران بالعودة إلى طاولة التفاوض، في الوقت الذي تواصل فيه استخدام العقوبات والتهديد العسكري أدوات رئيسية في إدارة الأزمة. وهي معادلة يصعب أن تنتج اتفاقاً مستقراً، لأن التفاوض تحت القصف أو التهديد بالقصف لا يبني الثقة، بل يدفع الطرف الآخر إلى البحث عن أدوات ردع مضادة. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم انتقال مضيق هرمز من ورقة تهديد نظرية إلى أداة سياسية وميدانية في المواجهة.

وتكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن كبار المسؤولين الأميركيين أن واشنطن بدأت عملياً الابتعاد عن فكرة التسوية الشاملة لصالح إدارة صراع مفتوح، يسمح لها بالإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري من دون تقديم رؤية سياسية قابلة للحياة لإنهاء الأزمة. فالخطاب الأميركي لم يعد يركز على البرنامج النووي وحده، بل بات يربط أي تفاهم مستقبلي بسلوك إيران الإقليمي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يوسع قائمة الشروط كلما اقتربت المفاوضات من نقطة تفاهم.

وتطالب الإدارة الأميركية طهران بالإعلان رسمياً عن ضمان حرية الملاحة ووقف استهداف السفن التجارية. وهي مطالب قد تبدو مشروعة من حيث المبدأ، لكن السؤال الذي تتجنبه واشنطن هو: كيف وصلت الأزمة أصلاً إلى هذه النقطة؟ فمضيق هرمز لم يُغلق في فراغ سياسي، ولم تتحول الملاحة إلى ورقة ضغط بعيداً عن سياق الحرب والتصعيد. لقد ظل المضيق مفتوحاً سنوات طويلة رغم العقوبات القاسية، قبل أن تدفع المواجهة العسكرية إيران إلى إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية لأهم ورقة جغرافية تمتلكها.

ومن وجهة النظر الإيرانية، لم يعد هرمز مجرد ممر مائي، بل تحول إلى إحدى أوراق الردع القليلة المتبقية بعد سنوات من العقوبات والعزلة والضغوط العسكرية. وإعلان إغلاقه بالكامل يكشف أن طهران قررت نقل هذه الورقة من دائرة التهديد إلى الاستخدام المباشر. فإذا كانت القوى الكبرى قادرة على خنق الاقتصاد الإيراني بالعقوبات، فإن إيران تريد القول إنها بدورها قادرة على التأثير في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

هذا لا يعني أن إغلاق المضيق خطوة بلا مخاطر أو أن تداعياتها الإنسانية والاقتصادية يمكن تجاهلها. لكنها تصبح أكثر قابلية للفهم حين توضع في سياقها السياسي والعسكري الكامل. فالدول التي تعتمد سياسة الإكراه لا تستطيع أن تفترض أن الطرف المستهدف سيقبل إلى ما لا نهاية بلعب دور المتلقي للضربات والعقوبات من دون أن يستخدم أوراق القوة المتاحة لديه.

وفي خلفية هذا المشهد، يبرز الدور الإسرائيلي بوصفه أحد أكثر العوامل تأثيراً في دفع الأزمة نحو حافة الحرب. فالحكومة الإسرائيلية لم تُخفِ معارضتها لأي اتفاق يخفف الضغوط عن إيران، واعتبرت باستمرار أن استنزاف طهران وإضعافها أكثر فائدة من تسوية تعيد دمجها تدريجياً في النظام الإقليمي والدولي. ولهذا مارست إسرائيل ضغوطاً سياسية وأمنية متواصلة لإبقاء الخيار العسكري حاضراً في الحسابات الأميركية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن بقاء إيران تحت ضغط دائم ينسجم مع رؤيتها الأمنية أكثر من أي اتفاق يكرس توازناً إقليمياً جديداً. ولذلك تتعرض كل جولة تفاوض لحملة تشكيك وضغوط تدفع واشنطن إلى رفع سقف شروطها أو العودة إلى التهديد بالقوة. وهنا تكمن إحدى مشكلات السياسة الأميركية: أن أولويات إسرائيل الأمنية باتت، في أحيان كثيرة، تضيق هامش القرار الدبلوماسي الأميركي وتدفع إدارة ترمب نحو خيارات قد لا تخدم المصالح الأميركية بعيدة المدى.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن القوة العسكرية قد تدمر منشأة أو تؤخر جانباً من برنامج نووي، لكنها لا تلغي المعرفة العلمية ولا تمحو الدوافع السياسية التي تقف خلفه. بل إن استمرار التهديد قد يدفع إيران إلى مزيد من التشدد، ويقوي الأصوات التي ترى أن امتلاك أدوات ردع أكثر فاعلية هو السبيل الوحيد لحماية البلاد من هجمات مستقبلية.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو خيارات الرئيس ترمب أكثر ضيقاً. فالعودة إلى مواجهة عسكرية واسعة تحمل خطر انزلاق المنطقة إلى حرب لا يمكن التحكم بمساراتها، خصوصاً بعدما دخل مضيق هرمز مباشرة في معادلة الصراع. أما القبول بتسوية وسطية فقد يواجه معارضة إسرائيلية وضغوطاً داخلية أميركية، فيما يعني استمرار الوضع الراهن تكريس سياسة «إدارة الصراع» بدلاً من حله.

والأكثر خطورة أن دول الخليج قد تكون أول من يدفع ثمن هذه المعادلة. فالمملكة العربية السعودية، ومعها عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، باتت تنطلق من قناعة بأن التنمية الاقتصادية ومشروعات التحول الوطني لا يمكن أن تزدهر في منطقة تعيش على إيقاع الحروب المتكررة. وإغلاق مضيق هرمز يضع اقتصادات الخليج وأمنها ومشروعاتها المستقبلية أمام مخاطر مواجهة لم تكن هذه الدول صاحبة القرار في إشعالها.

ومن هنا يمكن فهم الانفتاح السعودي والخليجي على إيران، وتوسيع الشراكات الدولية، والسعي إلى تخفيف الاستقطاب بعيداً عن منطق المحاور الصلبة. ولا يعني ذلك التخلي عن العلاقة مع الولايات المتحدة، بل يعكس رغبة متزايدة في امتلاك قرار إقليمي أكثر استقلالية، وعدم السماح بأن تتحول المنطقة مجدداً إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى أو لتغليب أولويات إسرائيل على حساب استقرار الخليج.

في المحصلة، لم يعد الخلاف يدور حول عدد أجهزة الطرد المركزي أو كمية اليورانيوم المخصب. إغلاق مضيق هرمز يؤكد أن الأزمة تحولت إلى صراع على شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط، وحدود النفوذ الإقليمي، ودور القوة العسكرية في رسم مستقبل المنطقة.

وإذا استمرت واشنطن في تقديم أدوات الضغط والحرب على الدبلوماسية، واستمرت إسرائيل في دفع الإدارة الأميركية نحو المواجهة وإفشال فرص التسوية، فإن استخدام إيران لأوراق القوة المتاحة لها سيصبح أكثر احتمالاً وخطورة. وعندها لن يكون السؤال متى يعود الطرفان إلى طاولة المفاوضات، بل كم من الأزمات والحروب يجب أن تمر بها المنطقة قبل أن تدرك واشنطن أن الإكراه لا يصنع اتفاقاً، وأن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يبنى على حرب دائمة.

دلالات

شارك برأيك

إغلاق هرمز وتعثر الاتفاق النووي… واشنطن تعود إلى سياسة القوة وإسرائيل تدفع المنطقة نحو الحرب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.