تحليل

الثّلاثاء 21 يوليو 2026 11:05 صباحًا - بتوقيت القدس

إطلاق مناطق تجريبية في جنوب لبنان يفتح مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية عشية زيارة عون إلى واشنطن

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات -

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الاثنين، انطلاق العمل بما وصفته بـ"المناطق التجريبية" في القرى الجنوبية اللبنانية فرون، وصريفا، وزوطر الغربية، في خطوة قالت إنها تأتي "وفق الإطار الثلاثي وتحت رعاية مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان"، مؤكدة أن هذه الخطوة تمثل ثمرة مباشرة للمباحثات التي جمعت مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين في روما الأسبوع الماضي.

وأضافت الوزارة في بيانها أن الولايات المتحدة ستواصل العمل عن كثب مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي لضمان تنفيذ هذا الإطار حتى الوصول إلى “خاتمة ناجحة”، في إشارة تعكس استمرار الدور الأميركي كراعٍ رئيسي للمفاوضات الأمنية الجارية بين الطرفين، بعد أشهر من التصعيد العسكري على الحدود الجنوبية.

ويعد الإعلان الأميركي أول تأكيد رسمي على دخول التفاهمات الأمنية مرحلة التنفيذ الميداني، بعدما ظلت المفاوضات خلال الأشهر الماضية تدور في إطار الاتصالات السياسية والعسكرية غير المعلنة. ويشير اختيار ثلاث قرى جنوبية كنموذج أولي إلى اعتماد مقاربة تدريجية تهدف إلى اختبار آليات التنفيذ قبل توسيعها لتشمل مناطق أخرى على طول الخط الأزرق.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تكثف فيه واشنطن جهودها لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع عودة المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله، في ظل استمرار المخاوف من انهيار الهدوء الهش الذي تحقق بعد أشهر من الاشتباكات الواسعة التي كادت تتطور إلى حرب إقليمية شاملة.

ويرى مراقبون أن مفهوم "المناطق التجريبية" يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية محلية، إذ يشمل إعادة تنظيم الوجود العسكري، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، وتفعيل دور قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل)، بما ينسجم مع الرؤية الأميركية لتطبيق القرار 1701 بصورة أكثر تشدداً وفاعلية.

كما يعكس البيان الأميركي استمرار اعتماد ما يعرف بـ"الإطار الثلاثي"، الذي يضم لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، باعتباره الآلية الأساسية لإدارة الملفات الأمنية والحدودية، بعيداً عن أي مسارات سياسية مباشرة بين البلدين، الأمر الذي يسمح للطرفين بالحفاظ على مواقفهما السياسية التقليدية، مع المضي في تفاهمات ميدانية عملية.

ويكتسب الإعلان الأميركي أهمية إضافية لأنه يأتي قبل الزيارة المرتقبة للرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن، وهي زيارة ينظر إليها باعتبارها محطة مفصلية في العلاقات اللبنانية-الأميركية، حيث يتوقع أن تتصدر ملفات الجنوب، وتنفيذ القرار 1701، ومستقبل المساعدات العسكرية للجيش اللبناني، وإعادة الإعمار، جدول المحادثات مع كبار المسؤولين الأميركيين.

وتشير أوساط دبلوماسية إلى أن الإدارة الأميركية ترغب في أن يصل الرئيس عون إلى واشنطن وهو يحمل مؤشرات ملموسة على نجاح الترتيبات الأمنية في الجنوب، بما يمنح المباحثات زخماً إضافياً، ويتيح للإدارة الأميركية عرض ما تعتبره نجاحاً دبلوماسياً في احتواء إحدى أخطر بؤر التوتر في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، يسعى لبنان إلى استثمار هذا الانخراط الأميركي للحصول على ضمانات تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من المواقع التي لا تزال تحتلها داخل الأراضي اللبنانية، ووقف الخروقات الجوية، وتأمين دعم اقتصادي وعسكري يمكن الدولة اللبنانية من تعزيز حضورها في الجنوب، بما يحد من احتمالات تجدد المواجهة.

ورغم الأجواء الإيجابية التي يحاول البيان الأميركي إظهارها، فإن نجاح هذه التجربة يعتبر ضعيفا، وسيظل مرتبطاً بقدرة جميع الأطراف على الالتزام بتعهداتها الميدانية، خصوصاً في ظل انعدام الثقة المتراكم بين لبنان وإسرائيل، واستمرار الملفات الخلافية المتعلقة بالحدود البرية والنقاط المتنازع عليها، فضلاً عن مستقبل سلاح حزب الله ودوره في المعادلة الأمنية اللبنانية.

وفي هذا السياق، تبدو واشنطن حريصة على تحويل النجاحات الأمنية المحدودة إلى مسار سياسي وأمني طويل الأمد، يرسخ الاستقرار على الحدود ويمنع انزلاق المنطقة مجدداً نحو مواجهة واسعة، إلا أن تحقيق هذا الهدف سيبقى مرهوناً بتطورات المشهد الإقليمي، وبمدى استعداد الأطراف كافة لتقديم تنازلات متبادلة تتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة.

ويعكس إطلاق "المناطق التجريبية" انتقال الوساطة الأميركية من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة هندسة واقع أمني جديد في جنوب لبنان. فالولايات المتحدة لم تعد تكتفي بوقف التصعيد، بل تسعى إلى بناء نموذج تدريجي يعيد رسم قواعد الانتشار العسكري ويمنح الجيش اللبناني دوراً أكبر على الأرض. غير أن نجاح هذه المقاربة يتطلب توازناً دقيقاً بين المطالب الأمنية الإسرائيلية ومتطلبات السيادة اللبنانية، لأن أي انطباع بأن الترتيبات تُفرض من الخارج قد يثير اعتراضات داخلية، ويقوض فرص استدامة التفاهمات التي تعمل واشنطن على ترسيخها.

وتكتسب زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن أهمية استثنائية لأنها تأتي في لحظة تحاول فيها الإدارة الأميركية ربط الدعم السياسي والاقتصادي للبنان بمدى نجاح تنفيذ الترتيبات الأمنية في الجنوب. ومن المرجح أن تعرض واشنطن حزمة من الحوافز تشمل تعزيز دعم الجيش اللبناني والمساعدة في إعادة الإعمار، مقابل استمرار تنفيذ الالتزامات الأمنية. لكن القيادة اللبنانية ستواجه تحدياً يتمثل في تحقيق هذه المكاسب دون إعطاء انطباع داخلي بأن القرار اللبناني أصبح مرهوناً بالشروط الأميركية أو الإسرائيلية.

كما تكشف المبادرة الأميركية أن الجنوب اللبناني أصبح جزءاً من إستراتيجية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد سنوات من التصعيد. فاستقرار الحدود اللبنانية لا يُنظر إليه باعتباره هدفاً محلياً فحسب، بل مدخلاً لتقليص احتمالات اندلاع حرب إقليمية قد تمتد إلى أكثر من ساحة. ومع ذلك، فإن أي نجاح سيظل هشاً ما لم يترافق مع معالجة الأسباب السياسية للنزاع، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض الأراضي اللبنانية، والانتهاكات المتكررة للسيادة، وغياب تسوية شاملة تضمن الأمن المتبادل والاستقرار الدائم.

 


دلالات

شارك برأيك

إطلاق مناطق تجريبية في جنوب لبنان يفتح مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية عشية زيارة عون إلى واشنطن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.