تحليل

الأربعاء 22 يوليو 2026 5:46 مساءً - بتوقيت القدس

من غزة إلى إيران: ثمن عجز أمريكا عن قول "لا" لإسرائيل

تحليل إخباري

بقلم: سعيد عريقات21 تموز/يوليو 2026

واشنطن – نادرًا ما تبدأ الحروب بقرار واحد. ففي الغالب، تنشأ نتيجة سلسلة من القرارات التي لم تُتخذ، والتحذيرات التي جرى تجاهلها، والفرص التي أُهدرت عن عمد. ويقدّم التحقيق اللافت الذي أعدّه ديفيد كيركباتريك في مجلة ذا نيويوركر، والمنشور في 20 تموز/يوليو، ربما أوضح تفسير حتى الآن لكيفية إخفاق الولايات المتحدة في كبح الحرب الإسرائيلية على غزة، وكيف أسهم هذا الإخفاق في النهاية في جرّ واشنطن إلى الحرب الدائرة اليوم مع إيران.

واستنادًا إلى وثائق سرية ومقابلات مع مسؤولين كبار، يفكك كيركباتريك الرواية المريحة التي تزعم أن إدارة الرئيس جو بايدن كانت تفتقر إلى أدوات الضغط على إسرائيل. وتشير الأدلة إلى العكس تمامًا؛ فقد امتلكت الإدارة نفوذًا استثنائيًا، لكنها اختارت مرارًا عدم استخدامه.

تتمثل الوثيقة المحورية في تحقيق كيركباتريك في رسالة سرية سلّمتها ميرجانا سبولياريتش، رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى الرئيس جو بايدن في 5 آذار/مارس 2024. فاللجنة الدولية للصليب الأحمر، بوصفها الحارس الأمين لاتفاقيات جنيف، نادرًا ما تلجأ إلى مخاطبة رؤساء الدول مباشرة بهذه اللغة الحازمة.

وحذّرت سبولياريتش من أن السلوك الإسرائيلي أصبح "غير متوافق" مع قوانين النزاعات المسلحة، وأدانت منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى المعتقلين الفلسطينيين. ووفقًا لكيركباتريك، فإن تعليق إسرائيل للحوار القانوني مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وضعها في مصاف كوريا الشمالية وإريتريا.

والأهم من ذلك، أنها دعت بايدن إلى وقف نقل الأسلحة غير المناسبة للاستخدام في المناطق المكتظة بالسكان، محذّرة من أن التخلي عن "الحد الأدنى من معايير الإنسانية" سيشكّل إخفاقًا أخلاقيًا لن يغفره التاريخ.

وجاء هذا النداء في وقت كانت الإدارة الأمريكية تمتلك صلاحيات قانونية واسعة للتحرك. فقد كان بايدن قد أصدر بالفعل سياسة تمنع نقل الأسلحة الأمريكية إذا كان من "المرجح أكثر من عدمه" أن تُستخدم في ارتكاب جرائم حرب. كما يحظر "قانون ليهي" تقديم المساعدة للوحدات العسكرية المتورطة بصورة موثوقة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. كذلك ألزم "مذكرة الأمن القومي رقم 20" وزير الخارجية أنتوني بلينكن بالتصديق على امتثال إسرائيل للقانون الدولي الإنساني، وإلا فإن المساعدات العسكرية قد تُعلَّق.

لقد كان الإطار القانوني قائمًا بالفعل. لكن، بحسب كيركباتريك، فإن ما حدث لاحقًا لم يكن تطبيقًا لهذه الضمانات، بل جهدًا منهجيًا للالتفاف عليها كلما تعارضت مع الالتزام السياسي لواشنطن تجاه إسرائيل.

وبعد سنوات، يعترف مسؤولون كبار بأن الإدارة سمحت لنفسها مرارًا بأن تُستغل. فقد قال مستشار الأمن القومي السابق جيك سوليفان: "كان ينبغي أن نمارس مزيدًا من الضغط على إسرائيل لتتبع نهجًا مختلفًا." وشبّه وزير الدفاع لويد أوستن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمقامر "يلعب بأموال البيت"، أي بأموال لا يتحمل هو خسارتها.

وكان المسؤولون الإسرائيليون يطمئنون واشنطن باستمرار إلى أن الحرب ستنتهي خلال "أسبوعين آخرين"، وهي عبارة تحولت إلى نكتة داخل الإدارة بعد أن استبدلها رون ديرمر مازحًا بكلمة "fortnight" (أي أسبوعين). وكان كل وعد جديد يؤجل المواجهة مع إسرائيل فيما كانت أعداد الضحايا تتزايد.

حتى قرار بايدن، الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، بتعليق شحنات القنابل زنة ألفي رطل، تبيّن أنه كان إلى حد كبير إجراءً رمزيًا. إذ يذكر كيركباتريك أن الإدارة واصلت بهدوء إرسال قنابل زنة 500 رطل بصورة منفصلة، مما أفرغ القرار من مضمونه.

ولم تقتصر تداعيات هذه السياسة على غزة. فقد قُتل أكثر من سبعين ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين، وتعرضت مساحات واسعة من القطاع للدمار، فيما نزح معظم السكان.

لكن كيركباتريك يوضح أيضًا أن استراتيجية الإدارة الأمريكية أسهمت في تسريع توسع الصراع على مستوى الإقليم. فخشية أن يُفسَّر أي خلاف علني مع إسرائيل على أنه تشجيع لإيران وحزب الله، واصل البيت الأبيض تقديم دعم شبه غير مشروط لإسرائيل، حتى في الوقت الذي كان فيه نتنياهو يوسّع دائرة المواجهة عبر عمليات في دمشق وطهران وبيروت.

وحذر نائب مستشار الأمن القومي جون فاينر داخليًا من أن هذا الوضع خلق نموذجًا كلاسيكيًا لـ"المخاطر الأخلاقية" (Moral Hazard)، إذ إن الدعم الأمريكي غير المشروط شجع إسرائيل على التصعيد الذي كانت واشنطن تدّعي أنها تسعى إلى منعه.

ولخّص فيليب غوردون، مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس آنذاك كامالا هاريس، المشكلة بقوله إن القادة الإسرائيليين كانوا يدركون أن "الولايات المتحدة ستدافع عنهم مهما حدث."

وأثبت هذا الاعتقاد أهميته الحاسمة. فقد ساعدت القوات الأمريكية مرتين في اعتراض هجمات إيرانية واسعة النطاق على إسرائيل، مما قلل من الخسائر الإسرائيلية ورسّخ قناعة لدى القيادة الإسرائيلية بأن واشنطن ستتحمل في النهاية كلفة أي تصعيد.

وبحسب كيركباتريك، فقد حذر مستشارو بايدن الإدارة المقبلة بقيادة دونالد ترامب من أن إيران أصبحت في وضع استراتيجي هش، وأن إسرائيل ستسعى على الأرجح إلى استغلال هذه الفرصة.

وقد تحولت تلك التحذيرات إلى واقع. فعندما أمر الرئيس دونالد ترامب لاحقًا بمشاركة القوات الأمريكية في ضربات استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، ثم في هجوم مشترك مفاجئ على إيران بعد أشهر، لم تكن تلك القرارات سوى امتداد لسنوات من السوابق المتراكمة.

أما تفسير وزير الخارجية ماركو روبيو بأن واشنطن تحركت لأن العمليات الإسرائيلية كانت ستجر الولايات المتحدة إلى الصراع في جميع الأحوال، فيجسد منطق الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي اختارت اتباع الاستراتيجية الإسرائيلية بدلًا من توجيهها.

وربما يكون أكثر ما يثير القلق في تحقيق كيركباتريك ليس كشفه لسوء السلوك، بل إظهاره كيف أصبحت عملية خداع الذات أمرًا طبيعيًا داخل مؤسسات صنع القرار.

فقد تحولت مراجعة وزارة الخارجية الخاصة بمذكرة الأمن القومي رقم 20 إلى ما وصفه أحد المسؤولين بـ"عملية تبييض كاملة"، بينما اعتبرها مسؤول آخر ممارسة تمت بسوء نية.

وقد أُثيرت الاعتراضات القانونية داخل الإدارة، ثم جرى تخفيفها، وفي النهاية تحييدها عبر صياغات لغوية دقيقة.

وبالمثل، تعثر تطبيق "قانون ليهي" لتعليق المساعدات عن قاعدة إسرائيلية اتُّهمت بإساءة معاملة معتقلين فلسطينيين، لأن بلينكن كان يعتقد أن وقف إطلاق النار بات وشيكًا. إلا أن وقف إطلاق النار لم يتحقق قط، وبقيت التوصية بلا توقيع، قبل أن تغلق السلطات الإسرائيلية الملف بعد أشهر.

وفي نهاية المطاف، لا يتناول تحقيق كيركباتريك إسرائيل بقدر ما يتناول طبيعة صناعة القرار في السياسة الخارجية الأمريكية. فهو يكشف عن مؤسسة خلطت بين الوصول إلى الحلفاء وبين امتلاك النفوذ عليهم، وبين الولاء والاستراتيجية، وبين ضبط النفس والضعف.

ومرة بعد أخرى، أجّلت واشنطن اتخاذ القرارات الصعبة على أمل أن يحل الغد المشكلات التي رفضت مواجهتها اليوم. لكن كل تأجيل أدى إلى تعميق الكارثة الإنسانية في غزة، وإلى تضييق الخيارات الاستراتيجية المتاحة للولايات المتحدة نفسها.

وبحلول الوقت الذي واجهت فيه الإدارات الأمريكية المتعاقبة إيران بصورة مباشرة، لم تعد هي التي تشكل مسار الأحداث، بل أصبحت تتفاعل معها.

وسيحكم التاريخ على هذه المرحلة ليس فقط من خلال الدمار الذي لحق بغزة أو الحرب الإقليمية التي باتت تلتهم المنطقة، بل أيضًا من خلال الفرص الضائعة التي جعلت كل ذلك ممكنًا.

لقد امتلكت الولايات المتحدة النفوذ الكافي لتغيير مجرى الأحداث، لكنها اختارت مرارًا عدم استخدامه. ولم يكن ذلك مجرد فشل في السياسة، بل كان فشلًا أخلاقيًا ترتبت عليه نتائج استراتيجية بعيدة المدى.

وأهم درس يخلص إليه تحقيق كيركباتريك هو أن منح الدعم غير المشروط لا يمنع اندلاع الحروب الأوسع، بل يجعلها أكثر احتمالًا. فعندما تمتنع قوة عظمى عن استخدام نفوذها في خدمة المساءلة، فإنها تفقد في النهاية مصداقيتها وقدرتها على التأثير في مجرى التاريخ.

دلالات

شارك برأيك

من غزة إلى إيران: ثمن عجز أمريكا عن قول "لا" لإسرائيل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.