تحليل

الجمعة 24 يوليو 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

انقسام في الكونغرس بشأن حرب إيران: مجلس النواب يطالب بإنهائها والشيوخ يمنح ترمب هامشًا لمواصلة القتال

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد غريقات – 24/7/2026

في مشهد يعكس الانقسام المتزايد داخل المؤسسة السياسية الأميركية بشأن الحرب مع إيران، صوّت مجلس النواب، الخميس، لصالح قرار يدعو الرئيس دونالد ترمب إلى إنهاء مشاركة القوات الأميركية في العمليات العسكرية، بينما رفض مجلس الشيوخ مشروعًا أكثر قوة كان من شأنه أن يُلزم الإدارة قانونيًا بوقف الحرب. ويبرز هذا التناقض حجم الخلاف بين المجلسين، ويكشف في الوقت ذاته عن التوازنات السياسية الدقيقة التي تحكم تعامل الحزب الجمهوري مع حرب باتت تُعد من أكثر النزاعات الخارجية رفضًا في الرأي العام الأميركي.

وصوّت مجلس النواب بأغلبية 214 مقابل 208 لصالح القرار غير الملزم، بدعم جميع الديمقراطيين وانضمام أربعة جمهوريين هم توماس ماسي، وتوم باريت، ووارن ديفيدسون، وبراين فيتزباتريك، في رسالة سياسية واضحة تدعو الإدارة إلى سحب القوات الأميركية من الأعمال العدائية ضد إيران.

لكن القرار، رغم أهميته السياسية، لا يحمل قوة قانونية تُلزم البيت الأبيض بتنفيذه، وهو ما دفع الديمقراطيين إلى نقل المعركة إلى مجلس الشيوخ، حيث طُرح مشروع "قرار مشترك" يتمتع بقوة القانون، إلا أنه سقط بنتيجة 49 مقابل 47، بعدما انضمت السيناتور الجمهورية سوزان كولينز إلى الديمقراطيين، في حين صوّت الجمهوريون الآخرون (جميعهم تقريبًا) ضده، باستثناء أربعة أعضاء غابوا عن التصويت.

ويكشف هذا التباين عن مفارقة لافتة؛ إذ إن عددًا من الجمهوريين سبق أن أكدوا علنًا أن استمرار الحرب لأكثر من ستين يومًا يتطلب تفويضًا من الكونغرس وفق قانون صلاحيات الحرب، إلا أنهم رفضوا في الوقت نفسه مشروع القرار الذي كان من شأنه إنهاء العمليات العسكرية. ومن بين هؤلاء السيناتوران توم تيليس وجون كورتيس.

وبرر تيليس موقفه بالقول إن مهلة الستين يومًا بدأت في يوليو، وليس في شباط عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما العسكرية ضد إيران، معتبرًا أن الإدارة لم تصف ما يجري رسميًا بأنه "حرب" إلا في العاشر من تموز الحالي. وأضاف أن الكونغرس ينبغي أن يمنح تفويضًا رسميًا إذا استمرت العمليات بعد انتهاء المهلة القانونية، في إشارة إلى سعي الجمهوريين لإضفاء شرعية دستورية على الحرب بدلًا من وقفها.

ويعكس هذا الطرح محاولة للموازنة بين الاعتبارات الدستورية والدعم السياسي للرئيس، إذ قال تيليس إن الكونغرس يستطيع "مساعدة الرئيس في حرب غير شعبية عبر منحها شرعية قانونية"، وهو تصريح يكشف إدراكًا داخل الحزب الجمهوري لحجم المعارضة الشعبية المتزايدة للحرب، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الرئيس.

 

من جهتهم، أكد الديمقراطيون أن الهدف من تكرار طرح مشاريع إنهاء الحرب لا يقتصر على محاولة وقف العمليات العسكرية، وإنما أيضًا تسجيل مواقف الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، وإعادة التأكيد على أن الدستور يمنح الكونغرس، وليس الرئيس، سلطة إعلان الحروب.

وقال كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، غريغوري ميكس، إن تصويت النواب يعكس بداية استجابة الكونغرس لإرادة الأميركيين، مشيرًا إلى أن نحو 70% من المواطنين يعارضون الحرب ويعتبرونها "حرب اختيار". وأضاف أن الديمقراطيين يدرسون استخدام أدوات دستورية أخرى، من بينها سلطة اعتماد الموازنة، للضغط على الإدارة من أجل إنهاء العمليات العسكرية.

كما أعلن ميكس عزمه تقديم مشروع قرار لمقاضاة إدارة ترمب بتهمة تجاوز صلاحيات الكونغرس في إدارة الحرب، على أن يُطرح للتصويت بعد عودة المجلس من عطلته الصيفية، في خطوة قد تفتح مواجهة دستورية جديدة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

في المقابل، يواجه الجمهوريون، خاصة أولئك الذين يمثلون دوائر انتخابية متأرجحة، ضغوطًا سياسية متزايدة بسبب تداعيات الحرب الاقتصادية. فقد أقر النائب الجمهوري روب بريسنهان بأن الناخبين يربطون بين الحرب وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، لكنه شدد على أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحًا نوويًا، داعيًا في الوقت نفسه إلى إنهاء الأزمة سريعًا وإعادة فتح مضيق هرمز لتخفيف الضغوط الاقتصادية.

ورغم هذه المخاوف، اختار بريسنهان التصويت ضد قرار إنهاء الحرب، في موقف يعكس المعضلة التي يواجهها كثير من الجمهوريين بين الالتزام بخطاب الأمن القومي ومواجهة الناخبين القلقين من كلفة الحرب الاقتصادية والسياسية.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يصوّت فيها الكونغرس ضد استمرار الحرب؛ إذ سبق لمجلس النواب أن أقر في أوائل حزيران الماضي قرارًا مشابهًا بأغلبية 215 مقابل 208، قبل أن يعتمد مجلس الشيوخ النسخة غير الملزمة أيضًا، غير أن الإدارة واصلت عملياتها العسكرية دون تغيير.

وتؤكد قيادات الحزب الديمقراطي أن استمرار طرح هذه القرارات يهدف إلى تحميل الجمهوريين المسؤولية السياسية عن حرب تُعد، بحسب استطلاعات الرأي، من أقل الحروب شعبية في التاريخ الأميركي الحديث. وقالت النائبة براميلا جايابال إن حتى جزءًا كبيرًا من قاعدة "ماغا" المؤيدة لترمب بات ينظر بريبة إلى استمرار الحرب، معتبرة أن كثيرًا من أنصار الرئيس صدقوا وعوده بإنهاء "الحروب الأبدية"، لا الدخول في حروب جديدة.

ويعكس تصويت المجلسين حقيقة أن الجدل الدائر في واشنطن لم يعد يقتصر على الحرب مع إيران، بل أصبح يدور حول حدود السلطة الرئاسية نفسها. فمنذ عقود، توسعت صلاحيات البيت الأبيض في استخدام القوة العسكرية دون تفويض صريح من الكونغرس، بينما اكتفى المشرعون غالبًا بردود فعل متأخرة. واليوم يحاول الديمقراطيون استعادة هذا الدور الدستوري، في حين يفضّل كثير من الجمهوريين الحفاظ على حرية حركة الرئيس، حتى مع اعترافهم بوجود قيود قانونية يفترض احترامها.

ولا يعكس الانقسام الجمهوري المحدود خلافًا أيديولوجيًا عميقًا بقدر ما يعكس حسابات انتخابية متباينة. فالجمهوريون الذين انضموا إلى الديمقراطيين يمثل معظمهم دوائر انتخابية أكثر اعتدالًا أو يتمتعون باستقلالية سياسية أكبر، بينما يفضّل معظم أعضاء الحزب عدم تحدي ترمب مباشرة. ولذلك جاء التصويت في مجلس النواب بمثابة رسالة احتجاج سياسية، لكنه لم يصل إلى مستوى تشكيل كتلة جمهورية قادرة على فرض تغيير فعلي في مسار الحرب.

وتزداد أهمية الرأي العام في هذا الملف مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأميركيين تعارض استمرار الحرب، ليس فقط بسبب الخسائر العسكرية، وإنما أيضًا نتيجة انعكاساتها الاقتصادية على أسعار الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد. ومن هنا يسعى الديمقراطيون إلى تحويل الحرب إلى قضية انتخابية داخلية، بينما يحاول الجمهوريون تجنب الظهور بمظهر المؤيد لحرب مفتوحة، دون التخلي عن دعم الرئيس أو سياساته الخارجية.

وتكشف نتائج التصويت أن مستقبل الحرب قد يتحدد سياسيًا أكثر منه عسكريًا. فإذا استمرت العمليات العسكرية دون تحقيق أهداف واضحة، وواصلت شعبيتها التراجع، فقد يجد البيت الأبيض نفسه أمام ضغوط متزايدة من الكونغرس عند مناقشة الموازنة وتمويل وزارة الدفاع. وعندها قد تتحول أدوات الإنفاق الفيدرالي والدعاوى الدستورية إلى وسائل أكثر تأثيرًا من القرارات الرمزية، بما يفرض على الإدارة إعادة تقييم كلفة الحرب داخليًا قبل حساباتها في ساحات القتال.

 

دلالات

شارك برأيك

انقسام في الكونغرس بشأن حرب إيران: مجلس النواب يطالب بإنهائها والشيوخ يمنح ترمب هامشًا لمواصلة القتال

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.