رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات -23/7/2026
أظهر استطلاع جديد أجراه "مركز القضايا الحرجة" في جامعة ميريلاند، بالتعاون مع مؤسسة "إيبسوس"، تحت إشراف البرفسور شبلي تلحمي، أن غالبية الأميركيين تؤيد إنهاء الحرب على إيران فورًا، حتى وإن لم تتحقق جميع الأهداف التي أعلنتها إدارة الرئيس دونالد ترمب، مع تفضيل واضح للوسائل الدبلوماسية على الخيار العسكري في التعامل مع الملف النووي الإيراني.
وشمل الاستطلاع، الذي أجري بين 17 و20 تموز 2026 على عينة من 1019 بالغًا في الولايات المتحدة، بهامش خطأ يبلغ ±3.4 نقاط مئوية، مجموعة واسعة من الأسئلة المتعلقة بالحرب، وشرعيتها، وتداعياتها، ومستقبل السياسة الأميركية تجاه إيران.
وتزامنت نتائج الاستطلاع مع تقارير نشرتها وسائل إعلام أميركية تُعرف بقربها من الأوساط الإسرائيلية، أفادت بأن الرئيس دونالد ترمب أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الولايات المتحدة تستعد لتكثيف ضرباتها ضد إيران، مع توسيع استخدام القنابل الثقيلة الخارقة للتحصينات، وفي مقدمتها قنبلة “ديزي كتر” (BLU-82) التي تزن نحو 15 ألف رطل، وتُعرف بقدرتها التدميرية الكبيرة ضد الأنفاق والتحصينات العميقة. ويبرز هذا التزامن مفارقة لافتة، إذ يأتي في وقت تكشف فيه نتائج الاستطلاع عن تنامي معارضة الرأي العام الأميركي لاستمرار الحرب، ورفض غالبية الأميركيين توسيع العمليات العسكرية، مقابل تفضيلهم إنهاء النزاع والعودة إلى المسار الدبلوماسي لمعالجة الخلافات مع إيران.
أغلبية تؤيد إنهاء الحرب
وأفاد الاستطلاع بأن 52% من الأميركيين يرون ضرورة إنهاء الحرب فورًا وعدم القيام بأي عمليات عسكرية إضافية ضد إيران، ما لم تتعرض القوات الأميركية لهجوم مباشر، مع السعي إلى تحقيق أي أهداف متبقية عبر الوسائل الدبلوماسية.
وتظهر النتائج انقسامًا حزبيًا واضحًا؛ إذ أيد هذا الموقف 76% من الديمقراطيين و65% من المستقلين، مقابل 23% فقط من الجمهوريين. في المقابل، رأى 24% من المشاركين أن على الولايات المتحدة مواصلة العمليات العسكرية كلما رأت الإدارة أن أهدافها لم تتحقق بعد، وهو موقف حظي بتأييد 55% من الجمهوريين.
ولفت معدو الاستطلاع إلى أن السؤال لم يحدد أهدافًا بعينها للحرب، نظرًا لتغير مبررات الإدارة الأميركية خلال الأشهر الماضية، وإنما تحدث بصورة عامة عن "أي أهداف لم تتحقق".
رفض لاستخدام القوة لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي
ورغم استمرار القلق من البرنامج النووي الإيراني، فإن الاستطلاع أظهر تراجع التأييد لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق هذا الهدف.
فقط 20% من الأميركيين قالوا إن على الولايات المتحدة منع إيران من امتلاك سلاح نووي "حتى لو استلزم الأمر الحرب"، بينما فضّل 19% منع إيران من امتلاك السلاح النووي من دون استخدام القوة العسكرية.
وفي الوقت نفسه، دعا 22% من المستطلعة آراؤهم إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، بما يشمل إيران وإسرائيل معًا، في حين رأى 10% أن الردع المتبادل بين إيران وإسرائيل قد يكون كافيًا لتجنب المواجهة العسكرية.
تشكيك واسع في شرعية الحرب
وأظهرت النتائج أن الرأي العام الأميركي لا يمنح الحرب غطاءً قانونيًا واسعًا. حيث أبدى 25% فقط من المشاركين اعتبروا أن الحرب قانونية وفق القانون الأميركي، مقابل 40% قالوا إنها غير قانونية، بينما أعرب نحو ثلث المشاركين عن عدم امتلاكهم رأيًا محددًا. أما على صعيد القانون الدولي، فانخفضت نسبة من اعتبروا الحرب قانونية إلى 19% فقط، مقابل 39% رأوا أنها تخالف القانون الدولي، فيما قال 40% إنهم لا يعرفون.
وتبرز الانقسامات الحزبية بوضوح في هذه القضية، إذ مال الجمهوريون إلى اعتبار الحرب قانونية، بينما عارضها معظم الديمقراطيين والمستقلين.
تأييد لتعويضات لإيران
وكشف الاستطلاع أن 29% من الأميركيين يرون أن الولايات المتحدة ينبغي أن تتحمل مسؤولية تقديم نوع من التعويضات لإيران عن الأضرار التي لحقت بها نتيجة الحرب، مقابل 43% رفضوا ذلك، فيما لم يحسم أكثر من ربع المشاركين موقفهم.
وترتفع نسبة التأييد للتعويضات إلى أكثر من النصف بين أولئك الذين يرون أن الحرب غير قانونية وفق القانون الأميركي أو الدولي، كما يؤيدها نصف الديمقراطيين تقريبًا، مقابل تأييد محدود بين الجمهوريين.
الحرب أضرت بالمصالح الأميركية
وأجمع معظم المشاركين على أن الحرب كانت ذات آثار سلبية على الولايات المتحدة. فقد قال 58% إن تأثير الحرب على المصالح الأميركية كان سلبيًا أكثر منه إيجابيًا، مقابل 12% فقط رأوا أنها خدمت المصالح الأميركية.
وشملت هذه النظرة السلبية أغلبية الديمقراطيين والمستقلين، وحتى ثلث الجمهوريين، ما يعكس تراجع الثقة بجدوى الحرب داخل مختلف التوجهات السياسية.
لا غالب في الحرب
وفي تقييمهم لمسار الحرب، قال 15% فقط إن الولايات المتحدة انتصرت أو تحقق تقدمًا نحو الانتصار، بينما اعتبر 13% أن إيران هي الطرف الذي يحقق مكاسب. أما النسبة الأكبر، وبلغت 40%، فرأت أن أيا من الطرفين لا يمكن اعتباره منتصرًا حتى الآن، فيما قال خُمس المشاركين إنهم لا يعرفون.
ويرى معدو الاستطلاع أن هذه النتائج تعكس شعورًا عامًا بالإحباط من نتائج الحرب، وعدم اقتناع الجمهور بأن العمليات العسكرية حققت مكاسب استراتيجية واضحة.
وتكشف نتائج الاستطلاع عن تحول مهم في المزاج العام الأميركي، إذ لم يعد النقاش يدور حول كيفية تحقيق أهداف الحرب، بل حول ضرورة إنهائها أصلًا. فالجمهور، وفق النتائج، لم يعد يربط استمرار العمليات العسكرية بتحقيق أهداف إدارة ترمب، بل يفضل الانتقال إلى المسار الدبلوماسي حتى لو بقيت بعض الأهداف دون إنجاز. ويعكس هذا التحول إرهاقًا متزايدًا من الحروب الخارجية، وتراجعًا في استعداد الناخب الأميركي لمنح الإدارات المتعاقبة تفويضًا مفتوحًا لاستخدام القوة العسكرية.
وتبرز في نتائج الاستطلاع مفارقة سياسية لافتة؛ فبينما لا يعارض كثير من الأميركيين مبدأ منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإن الغالبية ترفض اللجوء إلى الحرب لتحقيق هذا الهدف. ويشير ذلك إلى اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يربط الأمن الإقليمي بالحلول العسكرية، وبين الرأي العام الذي بات يفضل أدوات الردع والدبلوماسية والاتفاقات الدولية. كما أن تأييد شريحة معتبرة لفكرة شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية، بما يشمل إسرائيل وإيران، يعكس تغيرًا في طريقة النظر إلى أمن المنطقة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في نتائج الاستطلاع هو استعداد نسبة معتبرة من الأميركيين للحديث عن مسؤولية الولايات المتحدة في تعويض إيران عن أضرار الحرب، وهي مسألة نادرًا ما تحظى بتأييد واسع في استطلاعات الرأي الأميركية. ولا يعكس هذا الموقف مجرد تقييم سلبي لنتائج الحرب، بل يشير إلى بروز اعتبارات أخلاقية وقانونية لدى قطاعات من الرأي العام، خاصة بين الديمقراطيين والمستقلين، ترى أن شرعية استخدام القوة يجب أن ترتبط أيضًا بتحمل تبعاتها السياسية والإنسانية.
تحليل
الخميس 23 يوليو 2026 12:44 مساءً - بتوقيت القدس
استطلاع: أغلبية الأميركيين تريد إنهاء الحرب على إيران فورًا وتفضّل الدبلوماسية على القوة
دلالات
المزيد في تحليل
الاتفاق النووي الأميركي السعودي… شراكة استراتيجية تفتح باب التخصيب وتثير تساؤلات حول سياسة واشنطن تجاه إيران
سعيد عريقات





شارك برأيك
استطلاع: أغلبية الأميركيين تريد إنهاء الحرب على إيران فورًا وتفضّل الدبلوماسية على القوة