أقلام وأراء

الخميس 23 يوليو 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات الفلسطينية 2026... عصر صُنّاع التحالفات لا صُنّاع الخطب


قد يكتشف الفلسطينيون، للمرة الأولى، أن الانتخابات التشريعية لا يحسمها يوم الاقتراع، بل تحسمها الأيام التي تسبقه.
فالسياسي الذي سينجح في انتخابات 2026 لن يكون بالضرورة أفضل الخطباء، ولا أكثرهم حضوراً في وسائل الإعلام، ولا حتى صاحب التاريخ النضالي الأطول، بل قد يكون ذلك الرجل أو المرأة الذي يمتلك موهبة نادرة في السياسة الفلسطينية... صناعة التحالفات.
لقد اعتدنا طوال العقود الماضية أن نقيس قوة السياسي بعدد مؤيديه، لكن الانتخابات القادمة ستفرض معياراً مختلفاً تماماً.
القائد الحقيقي لن يكون من يجمع الأنصار فقط، بل من يحول المنافسين إلى شركاء.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
الجميع منشغل بالسؤال التقليدي: كم مقعداً ستحصل فتح؟ وكم مقعداً ستحصل حماس؟ ومن سيكون الثالث؟
لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: من سيقود البديل الوطني؟
هذه ليست معركة بين فتح وحماس فقط، فهاتان الحركتان تمتلكان تنظيمات راسخة وقواعد انتخابية معروفة.
أما المعركة التي ستحدد مستقبل الحياة السياسية الفلسطينية، فهي تلك التي تدور داخل معسكر المستقلين والقوى الوطنية الجديدة.
هناك عشرات الشخصيات الوطنية المحترمة، وأكاديميون، ونقابيون، ورجال أعمال، وشباب يمتلكون الكفاءة والرغبة في التغيير.
لكن السؤال ليس: كم عددهم؟
السؤال هو: هل يستطيعون أن يصبحوا مشروعاً واحداً؟ لقد خلقت نسبة الحسم واقعاً سياسياً جديداً.
فالقائمة التي لا تستطيع الوصول إلى عشرات آلاف الأصوات لن تدخل المجلس التشريعي، مهما كان مستوى أعضائها.
وهذا يعني أن زمن القوائم التي تقوم على شخص واحد أو مجموعة أصدقاء أو وجاهة اجتماعية قد اقترب من نهايته.
لقد دخلنا عصر التحالفات. لكن المشكلة أن بعض السياسيين ما زالوا يفكرون بعقلية الأمس.
كلهم يتحدثون عن الوحدة... لكنهم يختلفون عند أول سؤال: من سيكون رئيس القائمة؟
وهنا تتحول السياسة من مشروع وطني إلى مشروع شخصي.
ويصبح ترتيب الأسماء أهم من ترتيب الأولويات. وتصبح الزعامة هدفاً، بعد أن كانت وسيلة لخدمة القضية.
إن أخطر ما يهدد البديل الوطني ليس قوة الأحزاب التقليدية، بل ضعف ثقافة الشراكة بين قوى التغيير نفسها.
فتح لن تخسر لأنها تعرف من يقودها. وحماس لن تخسر لأنها تعرف من يقودها. أما المستقلون، فقد يخسرون لأن كل واحد منهم يريد أن يقود الجميع.
وهذه ليست أزمة تنظيم... بل أزمة ثقافة سياسية.
ولهذا أعتقد أن الانتخابات القادمة لن تفرز فقط مجلساً تشريعياً جديداً، بل ستفرز أيضاً ثلاثة نماذج من السياسيين. الأول... رجل الدولة.
وهو الذي يدرك أن نجاح المشروع الوطني أهم من موقعه الشخصي، وأن التنازل أحياناً هو أعلى درجات القيادة.
الثاني... رجل المرحلة القديمة. الذي ما زال يعتقد أن السياسة تدور حول الزعيم، وأن رئاسة قائمة صغيرة أفضل من أن يكون شريكاً في مشروع كبير.
أما الثالث... سياسي الفرص. الذي ينتقل بين التحالفات وفق حسابات الربح والخسارة، لا وفق رؤية أو برنامج.
وأظن أن الفلسطينيين أصبحوا أكثر قدرة على التمييز بين هذه النماذج.
لقد تغير المجتمع. وتغيرت أولويات الناس. وأصبحت الشعارات وحدها غير كافية.
فالناس تريد من يجيب عن أسئلة العمل، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، وإعادة الإعمار، ومكافحة الفساد، وبناء مؤسسات تستحق ثقة المواطن.
إن القضية لم تعد فقط من يقود المجلس التشريعي... بل من يقود فكرة البديل الوطني.
البديل الذي لا يقوم على رفض الواقع فقط، بل على تقديم مشروع سياسي واقتصادي قادر على بناء دولة حديثة، واقتصاد منتج، ومؤسسات قوية، وشراكة وطنية حقيقية.
ولهذا، فإن الأسابيع التي تسبق تسجيل القوائم ستكون أهم من يوم الاقتراع نفسه.
هناك، في غرف الحوار، سيولد البديل... أو سيموت قبل أن يرى النور. وهناك سيظهر صُنّاع التحالفات الحقيقيون.
أولئك الذين يفهمون أن السياسة ليست فن الانتصار على الشركاء، بل فن الانتصار معهم.
وعندما يكتب التاريخ قصة هذه الانتخابات، فلن يتوقف كثيراً عند عدد المقاعد التي حصلت عليها كل قائمة.
بل سيسأل سؤالاً واحداً: هل نجحت النخبة الفلسطينية في الانتقال من ثقافة الزعامة إلى ثقافة الشراكة؟
فقد علمتنا التجربة الفلسطينية أن الانقسام كان دائماً الطريق الأقصر إلى الهزيمة.
وربما تعلمنا انتخابات 2026 درساً جديداً:
أن البديل الوطني لا يسقط لأنه ضعيف... بل يسقط عندما يعجز عن الاتحاد.
وعندها لن يكون السؤال: من فاز في الانتخابات؟ بل: من أضاع الفرصة التاريخية لبناء البديل الذي انتظره الفلسطينيون طويلاً؟

دلالات

شارك برأيك

الانتخابات الفلسطينية 2026... عصر صُنّاع التحالفات لا صُنّاع الخطب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.