أقلام وأراء

الخميس 23 يوليو 2026 10:36 صباحًا - بتوقيت القدس

من الكتاب المدرسي إلى مصادر التعلم المفتوحة؟ إصلاح التعليم الفلسطيني أم إدارة أزمته

يشهد التعليم الفلسطيني لحظة مفصلية تتجاوز النقاش حول أدوات التعلم ووسائطه إلى سؤال أعمق يتعلق بوظيفة التعليم ومستقبل المشروع التربوي الوطني. فالانتقال من الكتاب المدرسي إلى مصادر التعلم المفتوحة ليس مجرد تحول تقني بين الورقي والرقمي، بل اختبار لطبيعة الإصلاح الذي يحتاجه النظام التعليمي في سياق فلسطيني تتداخل فيه آثار الاحتلال، وتراكم الأزمات، والتحولات الاقتصادية، وتحديات الحوكمة. فبينما يمكن لهذا التحول أن يشكل مدخلاً لبناء تعليم أكثر انفتاحاً وعدالة وقدرة على إنتاج المعرفة، فإنه قد يتحول، في غياب رؤية وطنية شاملة، إلى آلية لإدارة الأزمة ونقل أعبائها من المؤسسة إلى الأسرة والمجتمع. ومن هنا، فإن استعادة التعليم الفلسطيني لدوره الوطني تتطلب الانتقال من منطق الحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرار إلى بناء سيادة تربوية تحدد غايات التعليم، وتمكّن الإنسان الفلسطيني، وتضع المعرفة في قلب صناعة المستقبل.
أولاً: تشخيص الأزمة: بين تحديث الأدوات وإعادة بناء التعليم
يكشف الخطاب الداعي إلى استبدال الكتاب المدرسي بمصادر التعلم المفتوحة عن خلط بين الأداة والمنظومة، وبين تحديث الوسيط وإعادة بناء التعليم. فمصادر التعلم المفتوحة (OER) تمثل مورداً معرفياً قابلاً للتطوير وإعادة الاستخدام، لكنها لا تشكل بحد ذاتها نظاماً تعليمياً. أما التعليم المفتوح فهو منظومة متكاملة تقوم على فلسفة تربوية واضحة، وعدالة في الوصول، وبنية تحتية مستدامة، ومعلمين قادرين على تصميم خبرات تعلم جديدة، ونظم تقييم مرنة، وحوكمة تضمن الجودة والاستمرارية.
وعليه، فإن الانتقال من الكتاب المدرسي إلى الملفات الرقمية لا يعني بالضرورة الانتقال إلى تعليم مفتوح؛ إذ قد يتحول، في غياب هذه الشروط، إلى نقل مسؤولية توفير المعرفة من المؤسسة التعليمية إلى الأسرة والمعلم والمتعلم. وتزداد خطورة ذلك في السياق الفلسطيني حيث تتفاوت فرص الوصول إلى التكنولوجيا بين المناطق والفئات الاجتماعية. فالقضية ليست في الرقمنة ذاتها، بل في موقعها داخل المشروع التعليمي؛ فهي تعزز الحق في التعلم عندما تكون جزءاً من رؤية وطنية، لكنها تصبح أداة لإدارة العجز عندما تُستخدم بديلاً عن الاستثمار في بناء نظام تعليمي قادر على الاستمرار والتجدد.
ولا تنفصل هذه التحولات عن أزمة الإنسان داخل المنظومة التعليمية. فقد أدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية إلى استنزاف المعلم، بحيث أصبح تأمين متطلبات الحياة ينافس دوره التربوي. وهذه ليست أزمة وظيفية فحسب، بل استنزاف لأحد أهم عناصر رأس المال البشري للتعليم، يتعمق مع ضعف مشاركة المعلمين في صناعة القرار، بما يجعل الإصلاح أقرب إلى إجراء إداري منه إلى تحول تربوي حقيقي.
كما امتدت الأزمة إلى العلاقة بين التمويل وصناعة القرار التربوي. فالتمويل الدولي يمكن أن يكون رافعة للتطوير عندما يعمل ضمن رؤية وطنية واضحة، لكنه يفقد هذا الدور عندما تتحول أولويات التعليم إلى انعكاس لأولويات المشروعات الممولة. عندها ينتقل السؤال من: ما الذي يحتاجه المتعلم الفلسطيني؟ إلى: ما الذي يمكن تمويله؟ ومن هنا، فإن السيادة التربوية لا تعني رفض التعاون الدولي، بل امتلاك القدرة على توظيف المعرفة والتمويل والشراكات ضمن مشروع وطني يحدد غايات التعليم واتجاهاته.
وتظهر نتائج هذه الاختلالات في الفاقد التعليمي، الذي لم يعد مجرد تراجع في التحصيل، بل أصبح فجوة تمس قدرة المتعلم على التفكير، والتعلم المستقل، والمشاركة الفاعلة في المجتمع. فاضطراب العملية التعليمية، وضعف فرص التعويض، والتفاوت في بيئات التعلم، تهدد بإعادة إنتاج عدم المساواة التعليمية وإضعاف رأس المال المعرفي للمجتمع.
تكشف هذه المؤشرات أن الأزمة التعليمية الفلسطينية لا تختزل في نقص كتاب أو ضعف تمويل أو تراجع تحصيل، بل تعكس تراجعاً في قدرة النظام على العمل وفق رؤية سيادية طويلة المدى. فقد انتقل التعليم تدريجياً من مشروع وطني لبناء الإنسان إلى منظومة تنشغل بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرار، ومن هنا يبرز السؤال المركزي: كيف تشكلت هذه الأزمة؟ وما التحولات البنيوية التي أعادت تشكيل وظيفة التعليم وحدود قدرته على الفعل؟
ثانياً: بنية الأزمة التعليمية الفلسطينية
لا تنشأ الأزمات التعليمية الكبرى بفعل عامل منفرد، بل تتشكل عبر تراكمات تاريخية وسياسية ومؤسسية تعيد مع الزمن تحديد وظيفة التعليم وحدود قدرته على الفعل. فالأزمة التعليمية الفلسطينية الراهنة ليست نتاج نقص في الموارد أو تعثر في التنفيذ فقط، وإنما حصيلة تفاعل طويل بين سياق سياسي ضاغط، وتحولات اقتصادية واجتماعية متراكمة، وأنماط إدارة ركزت على الاستجابة للأزمات أكثر من بناء القدرة على تجاوزها.
لقد تطور التعليم الفلسطيني في بيئة لم تتوافر فيها شروط الاستقرار التي تحتاجها الأنظمة التعليمية لبناء سياساتها طويلة المدى. فالاحتلال وما يرافقه من قيود على الحركة، وتأثيرات على البنية التحتية، واضطرابات متكررة في الحياة اليومية، لم يؤثر فقط في انتظام العملية التعليمية، بل فرض على النظام نمطاً دائماً من التعامل مع الطوارئ. ومع استمرار هذا الواقع، أصبح الحفاظ على استمرارية التعليم يتقدم على تطويره، وتحول جزء كبير من الجهد المؤسسي من بناء المستقبل إلى إدارة الحاضر.
ومع امتداد الأزمات، لم تعد الطوارئ ظرفاً استثنائياً، بل أصبحت إطاراً حاكماً لعمل النظام التعليمي. فحين تنشغل المؤسسات بمعالجة الانقطاعات والفجوات العاجلة، تتراجع قدرتها على التخطيط الاستراتيجي، ويصبح الإصلاح سلسلة من الاستجابات الجزئية بدلاً من تحول مؤسسي طويل المدى. وهنا تتسع الفجوة بين تعليم يحتاجه المجتمع لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان، ونظام يستهلك طاقته في ضمان الحد الأدنى من الاستمرار.
وتعمقت هذه الأزمة بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أصابت البيئة الحاضنة للتعليم. فتراجع القدرة الاقتصادية للأسر، وتآكل الطبقة الوسطى، وتصاعد الضغوط المعيشية، لم تؤثر فقط في علاقة المجتمع بالتعليم، بل امتدت إلى المعلم باعتباره الحامل الأساسي للمنظومة. فالمعلم الذي يواجه ضغوطاً متزايدة لتأمين استقراره الاقتصادي يصبح أقل قدرة على التفرغ للتطوير والإبداع وبناء خبرات تعلم نوعية. ومن ثم فإن أزمة المعلم ليست قضية مهنية منفصلة، بل مؤشر على تراجع قدرة النظام على حماية رأس ماله البشري.
وفي السياق ذاته، أعادت محدودية الموارد وطبيعة التمويل الخارجي تشكيل بعض مسارات الإصلاح التعليمي. فالتمويل الدولي يمكن أن يكون رافعة للتطوير عندما يعمل ضمن رؤية وطنية واضحة، لكنه يصبح إشكالياً عندما تتحول المشروعات الممولة إلى محدد لاتجاهات الإصلاح بدلاً من أن تكون أدوات لتنفيذ أولوياته. وعندما تغيب المرجعية الوطنية الجامعة، يصبح الإصلاح أكثر ارتباطاً بدورات التمويل والمشروعات، وأقل ارتباطاً بمشروع استراتيجي يعبر عن احتياجات المجتمع الفلسطيني وتطلعاته.
كما كشفت الأزمة عن تحديات في بنية الحوكمة التعليمية؛ فالنظم القادرة على مواجهة البيئات المعقدة تحتاج إلى مؤسسات تتعلم من خبراتها، وتوسع دائرة المشاركة، وتربط القرار التربوي بالواقع الفعلي للمدرسة والمجتمع. أما عندما ينحصر القرار في أطر إدارية محدودة، وتتراجع مساهمة المعلمين والجامعات والمجتمع المدني، فإن قدرة النظام على التجدد تصبح أضعف، حتى مع توفر الموارد.
وفي نهاية هذا المسار التراكمي، ظهر الفاقد التعليمي بوصفه نتيجة مركبة لهذه الاختلالات. فهو لا يمثل مجرد فقدان ساعات تعلم أو تراجع في التحصيل، بل يعكس فجوة أعمق في قدرة النظام على ضمان تعلم مستمر وعادل. فالاضطراب المتكرر، وضعف فرص التعويض، والتفاوت في بيئات التعلم، تهدد بإنتاج فروقات معرفية واجتماعية تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.
وعليه، فإن الأزمة التعليمية الفلسطينية لا يمكن فهمها باعتبارها أزمة مكون واحد داخل النظام، بل باعتبارها تراكمات أعادت تشكيل وظيفة التعليم نفسها؛ من مشروع وطني لبناء الإنسان وتعزيز القدرة المجتمعية إلى منظومة تنشغل بإدارة أزمات متعاقبة.
ومن هنا فإن نقطة البداية في تجاوز الأزمة ليست معالجة نتائجها فقط، بل استعادة الشرط الذي يجعل التعليم قادراً على الفعل: امتلاك رؤية وطنية تقوم على السيادة التربوية، أي قدرة المجتمع الفلسطيني على تحديد غايات تعليمه، وبناء مؤسساته، وتوجيه موارده، وصناعة مستقبله.
ثالثاً: التعليم وسؤال السيادة على المستقبل
إن تجاوز الأزمة التعليمية الفلسطينية لا يبدأ من معالجة مظاهرها، بل من إعادة النظر في موقع التعليم ووظيفته. فالتعليم في الحالة الفلسطينية لم يكن يوماً قطاعاً خدمياً محايداً؛ بل كان فضاءً لحماية الهوية، وإنتاج الوعي، وبناء القدرة على الصمود في مواجهة واقع استعماري طويل. لذلك فإن المطلوب ليس العودة إلى ما قبل الأزمة، لأن كثيراً من اختلالات النظام كانت قائمة قبل تفاقمها، وإنما الانتقال من منطق إدارة النقص إلى بناء مشروع تربوي وطني يستعيد للتعليم دوره في تشكيل الإنسان وصناعة المستقبل.
التعليم الفلسطيني مشروع للسيادة على المعرفة: تبدأ إعادة بناء التعليم من استعادة السؤال الجوهري: ما وظيفة التعليم في فلسطين؟ فالمسألة لا تتعلق فقط بالمعارف التي نُدرّسها أو الأدوات التي نستخدمها، بل بالإنسان الذي نريد بناءه والقدرة المجتمعية التي نريد تعزيزها. وتنطلق الرؤية الوطنية للتعليم الفلسطيني من خصوصية التجربة الفلسطينية، نحو بناء إنسان يمتلك المعرفة والوعي التاريخي والقدرة النقدية على فهم واقعه والمشاركة في صياغة مستقبله. فالتعليم ليس مجرد إعداد لسوق العمل، بل بناء للقدرة على الفعل، وصون للذاكرة والهوية، وإنتاج لمعرفة متجذرة في المكان وأسئلته الوطنية. ومن هنا، فإن السيادة التربوية تعني امتلاك المجتمع الفلسطيني حق تحديد غايات تعليمه وأولوياته، والتفاعل مع المعرفة الإنسانية من موقع الشراكة والإسهام، لا من موقع التلقي والتكيف.
إعادة بناء المنظومة التعليمية كفضاء مفتوح للتحرر: لا يُبنى مستقبل التعليم باستبدال الكتاب الورقي بملف رقمي، بل بإعادة تصميم المنظومة التعليمية على أساس أكثر انفتاحاً وعدالة وقدرة على التعلم المستمر. فالمنظومة المفتوحة التي يحتاجها المجتمع الفلسطيني توسّع آفاق المعرفة، وتحرر التعلم من قيود المكان والوسيط، وتمكّن المعلم والمتعلم من الانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، مع ترسيخ مسؤولية الدولة في ضمان الحق في التعليم. والانفتاح الحقيقي لا يعني التخلي عن المرجعية، بل امتلاك القدرة على التفاعل مع المعرفة الإنسانية ضمن رؤية فلسطينية تحافظ على السياق والهوية والأسئلة الوطنية.
الإنسان محور التحرر التربوي: لا يصبح التعليم قوة تغيير إلا عندما يبدأ بالإنسان الذي يصنعه ويحمله. فالمعلم ليس منفذاً للمناهج، بل فاعلاً تربوياً ومثقفاً يصوغ الخبرة التعليمية، والمتعلم ليس متلقياً للمعرفة، بل ذاتاً قادرة على التفكير والمبادرة والمشاركة. لذلك فإن استعادة التعليم تبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم وتمكينه مهنياً وفكرياً وإشراكه في صناعة القرار، وبناء بيئات تعلم تستعيد ثقة المتعلم بقدرته على الفهم والإبداع. كما أن معالجة الفاقد التعليمي تتجاوز تعويض ما فُقد من محتوى إلى استعادة حق الأجيال الفلسطينية في امتلاك أدوات التفكير والتعلم المستقل وصناعة المستقبل.
السيادة التربوية كإطار للحكم والشراكة: لا تعني السيادة التربوية الانغلاق عن العالم أو رفض الخبرات والتمويل الدولي، بل امتلاك القدرة على توجيه المعرفة والشراكات والموارد ضمن رؤية وطنية فلسطينية تحدد غايات التعليم وأولوياته، بحيث تكون هذه الموارد داعمة للمشروع التعليمي لا بديلاً عنه أو محدداً لمساره. ويتطلب ذلك حوكمة تعليمية تشاركية تتجاوز حدود الإدارة الرسمية لتشمل المعلمين، والجامعات، والمجتمع المدني، والأسر، والبلديات، والقطاعات الثقافية والاقتصادية، بما يعزز قدرة النظام على التعلم من واقعه وتطوير استجاباته.
فالتعليم الذي يحتاجه الفلسطينيون ليس منظومة تتكيف مع الأزمات فحسب، بل مجتمعاً تربوياً يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة وتجديد خياراته وبناء مستقبله. ومن هنا، فإن استعادة التعليم الفلسطيني ليست عملية تحسين تقني، بل استعادة لوظيفته الوطنية بوصفه فضاءً لبناء الإنسان الفلسطيني القادر على المعرفة والفعل وصناعة المستقبل.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يواجه التعليم الفلسطيني ليس فقط كيف نتجاوز الأزمة، بل كيف نستعيد القدرة على توجيه مساره وتحديد غاياته. فالقضية لا تتعلق بأداة تعلم أو نموذج تقني، بل بمكانة التعليم بوصفه أحد ميادين السيادة على المستقبل. فالمجتمعات لا تحفظ وجودها بما تملكه من إمكانات فقط، بل بقدرتها على بناء العقول التي تنتج المعرفة، وتعيد تعريف الممكن، وتصنع خياراتها التاريخية.


دلالات

شارك برأيك

من الكتاب المدرسي إلى مصادر التعلم المفتوحة؟ إصلاح التعليم الفلسطيني أم إدارة أزمته

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.