أظهر تحليل معمق أجراه باحثون أكاديميون من معهد 'ميدلبري' للدراسات الدولية أن بطارية دفاع جوي من طراز 'باتريوت' تشغلها الولايات المتحدة، كانت السبب المرجح وراء الانفجار العنيف الذي هز حي المهزة في البحرين. وأشار التحليل الذي راجعته مصادر صحفية دولية، إلى أن الصاروخ الاعتراضي تسبب في إصابة 32 مدنياً، بينهم أطفال، بالإضافة إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمنازل والممتلكات في المنطقة السكنية.
وفي تطور لافت، اعترفت السلطات البحرينية رسمياً ولأول مرة بأن صاروخ 'باتريوت' هو المسؤول عن الانفجار الذي وقع في جزيرة سترة قبالة العاصمة المنامة. يأتي هذا الاعتراف مناقضاً للرواية الأولية التي ساقتها القيادة المركزية الأمريكية، والتي ادعت فيها عبر بيان رسمي أن طائرة إيرانية مسيرة هي التي استهدفت الحي السكني بشكل مباشر.
واستند الباحثون سام لير ومايكل دويتسمان والبروفيسور جيفري لويس في استنتاجاتهم إلى مراجعة دقيقة لصور الأقمار الصناعية التجارية ومقاطع الفيديو المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي. وخلص الفريق إلى درجة ثقة تتراوح بين المتوسطة والعالية بأن الصاروخ أُطلق من موقع عسكري يقع على بعد سبعة كيلومترات جنوب غربي حي المهزة المتضرر.
وأكد التحليل الجغرافي أن الموقع الذي انطلق منه الصاروخ يضم بطارية 'باتريوت' أمريكية متمركزة هناك منذ عام 2009 على الأقل، وفقاً لصور الأقمار الصناعية. كما أوضح الباحثون أن قوات الدفاع البحرينية لم تكن قد بدأت بتشغيل أنظمتها الخاصة من هذا الطراز حتى عام 2024، مما يعزز فرضية مسؤولية القوات الأمريكية عن الحادث.
وعرضت نتائج التحقيق على خبراء مستقلين في تحليل الأهداف والذخائر، والذين أكدوا بدورهم صحة الاستنتاجات التقنية. وصرح ويس براينت، المستشار السابق في البنتاغون، بأن الأدلة المقدمة 'لا يمكن إنكارها'، مشيراً إلى أن مسار الصاروخ وتوقيت الانفجار يتطابقان تماماً مع البيانات الرقمية والميدانية المرصودة.
لعب مقطع فيديو صوره أحد السكان من مبنى في منطقة الرفاع دوراً محورياً في كشف ملابسات الحادثة، حيث أظهر الصاروخ وهو ينحرف عن مساره قبل أن ينفجر. وقام هاني فريد، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا والمتخصص في الأدلة الجنائية الرقمية، بفحص الفيديو للتأكد من سلامته، مؤكداً عدم وجود أي آثار لاستخدام الذكاء الاصطناعي أو التزييف في المحتوى.
وحدد الباحثون موقع تصوير الفيديو في ثاني أكبر مدن البحرين، وهو ما يتوافق مع مسار الصاروخ المشتبه به نحو حي المهزة. وأظهرت لقطات أخرى نُشرت صبيحة يوم التاسع من مارس حجم الدمار الذي لحق بالمربع السكني 602، حيث غطى الغبار الشوارع وتناثرت الأنقاض حول المنازل التي تعرضت لضربة مباشرة.
استنتاجات الباحثين لا يمكن إنكارها، والموقع الجغرافي والبيانات الرقمية تؤكد أن الصاروخ أطلق من بطارية أمريكية.
ومن خلال تتبع مسار الصاروخ، وجد الباحثون أن خمس منصات إطلاق كانت مرئية في موقع الرفاع قبل يومين فقط من وقوع الانفجار. وتتميز هذه البطارية بسمات هندسية وتقنية خاصة بالجيش الأمريكي، مثل الجدران الواقية والطرق غير المعبدة، وهي تختلف عن المواقع التي تديرها القوات المحلية في المملكة.
ورغم أن السبب الدقيق لانفجار الصاروخ في الجو لا يزال غير مؤكد بشكل قطعي، إلا أن نمط الأضرار يشير إلى تفجير الرأس الحربي أثناء التحليق. ويرجح التحليل أن الصاروخ كان يحاول اعتراض هدف ما، ربما طائرة مسيرة، لكن العملية تمت بطريقة عرضت حياة المدنيين ومنازلهم لخطر داهم في منطقة مأهولة.
وتشير إحدى الفرضيات التي طرحها التحليل إلى أن قوة الانفجار قد تكون تضاعفت نتيجة اصطدام الصاروخ بالمسيرة واحتراق الوقود غير المستهلك. ومع ذلك، لفت الباحثون إلى غياب الأدلة المادية الملموسة على وجود حطام لطائرة مسيرة في موقع الحادث، مما يفتح الباب أمام احتمالية وجود خلل فني في الصاروخ نفسه.
وأوضح أخصائي الصوت روبرت ماهر، الذي حلل التسجيلات الصوتية للواقعة أن توقيت وصول صوت الانفجار يدعم فرضية وقوعه فوق المنازل المتضررة مباشرة. وأشار ماهر إلى أن سرعة انتقال الضوء مقارنة بالصوت مكنت من تحديد المسافة بدقة، والتي بلغت نحو 4.6 ميل من نقطة التصوير، وهو ما يتطابق مع إحداثيات حي المهزة.
وفي سياق متصل، ذكر مسؤولون في قطاع الدفاع أن حالات فشل صواريخ 'باتريوت' رغم ندرتها قد حدثت في السابق، مستشهدين بواقعة سقوط صاروخ في قطر عام 2007. ورغم نفي القيادة المركزية الأمريكية لهذه التقارير ووصفها بـ 'الأكاذيب' في وقت سابق، إلا أن الأدلة الجديدة تضع الرواية الرسمية تحت مجهر المساءلة.
ولم يتمكن الباحثون من العثور على شظايا مادية للصاروخ بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى الموقع، لكنهم اعتمدوا على 'الاستخبارات من المصادر المفتوحة'. وأظهرت الفيديوهات وجود أثر دخاني لصاروخ آخر أطلق قبل لحظات، وهو إجراء متبع عادة بزيادة فرص الاعتراض عبر إطلاق الصواريخ في أزواج.
وخلص التقرير إلى أن انحراف الصاروخ الثاني عن مساره المخطط له قد يكون علامة على مشكلة تقنية واضحة أدت إلى الكارثة. وتبقى هذه الحادثة تذكيراً بالمخاطر المرتبطة بنشر منظومات الدفاع الجوي المتقدمة داخل أو بالقرب من المناطق السكنية المكتظة، خاصة في أوقات التوترات الإقليمية المتصاعدة.





شارك برأيك
تحقيقات تكشف مسؤولية صاروخ 'باتريوت' أمريكي عن انفجار حي المهزة بالبحرين