عربي ودولي

السّبت 21 مارس 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تخبط في البيت الأبيض: أهداف ترامب المتغيرة في الحرب على إيران تثير الجدل

تشهد الإدارة الأمريكية حالة من التباين الواضح في تحديد الأهداف النهائية للحرب التي تشنها بالتعاون مع إسرائيل ضد إيران، حيث رصد مراقبون تغيرات مستمرة في الخطاب السياسي للرئيس دونالد ترامب وكبار مسؤوليه. ويرى منتقدون أن هذا التذبذب يعكس غياب التخطيط المسبق للصراع وما قد يترتب عليه من تداعيات جيوسياسية خطيرة في المنطقة، خاصة مع تداخل الأهداف بين إضعاف النفوذ الإقليمي والإطاحة بالنظام.

بدأت ملامح هذا التوجه في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حين وجه ترامب خطاباً مباشراً للشعب الإيراني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حثهم فيه على استلام زمام الحكم والإطاحة بحكومتهم. واعتبر ترامب أن العمليات القتالية الكبرى التي تقودها واشنطن وتل أبيب تمثل فرصة تاريخية للإيرانيين قد لا تتكرر لأجيال قادمة، واصفاً التحرك العسكري بأنه وسيلة لتمكين الداخل من التغيير.

بالتوازي مع دعوات التغيير السياسي، ركزت الإدارة الأمريكية على الجانب العسكري، حيث تعهد ترامب بحرمان طهران من امتلاك السلاح النووي وتدمير ترسانتها من الصواريخ الباليستية بالكامل. وأكدت مصادر رسمية أن الخطة تشمل تسوية صناعة الصواريخ بالأرض والقضاء على الأسطول البحري الإيراني، بدعوى حماية الحلفاء في أوروبا والقوات الأمريكية المتمركزة في الخارج من تهديدات وشيكة.

وعلى الرغم من تأكيدات ترامب بأن الصواريخ الإيرانية قد تصل قريباً إلى الأراضي الأمريكية، إلا أن تقارير استخباراتية وخبراء عسكريين شككوا في هذه الادعاءات، معتبرين أنها تفتقر للدقة العلمية. وأشارت مصادر فنية إلى أن برنامج الصواريخ الإيراني لا يزال يحتاج لسنوات قبل أن يشكل تهديداً مباشراً للعمق الأمريكي، مما أعاد للأذهان الذرائع التي سبقت غزو العراق في عام 2003.

في مطلع مارس، بدأ الجدول الزمني للحرب يشهد تضارباً كبيراً، حيث صرح ترامب في البداية بأن العمليات قد تستغرق أربعة أسابيع فقط، ثم عاد ليرفع التوقعات إلى خمسة أسابيع أو أكثر. وأشار الرئيس الأمريكي من داخل البيت الأبيض إلى أن القوات تسبق الجدول الزمني المحدد، مؤكداً أن واشنطن تمتلك إمدادات غير محدودة من الذخائر تتيح لها خوض حروب طويلة الأمد بنجاح.

من جانبه، قدم وزير الخارجية ماركو روبيو رواية مغايرة لأسباب اندلاع الصراع، مشيراً إلى أن عزم إسرائيل على مهاجمة إيران بشكل منفرد هو ما دفع واشنطن للتدخل المباشر. وأوضحت مصادر دبلوماسية أن الإدارة الأمريكية فضلت شن ضربات استباقية بالتنسيق مع تل أبيب لتجنب وقوع خسائر أكبر في صفوف القوات الأمريكية في حال ردت إيران على هجوم إسرائيلي منفرد.

لكن ترامب عاد ليناقض تصريحات وزير خارجيته، مدعياً أنه هو من دفع الجانب الإسرائيلي للتحرك العسكري وليس العكس، وذلك بناءً على معلومات تفيد بأن طهران كانت بصدد المبادرة بالهجوم. هذا التضارب في الروايات الرسمية أثار تساؤلات حول مركزية القرار في واشنطن ومدى التنسيق الفعلي بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية في إدارة ملف الحرب.

دخلت وزارة الدفاع على خط التصريحات عبر الوزير بيت هيغسيث، الذي حدد أهدافاً تقنية بحتة تتمثل في تدمير البنية التحتية الأمنية والقدرات الهجومية الإيرانية. وشدد هيغسيث على أن المهمة تتركز في تحييد خطر الصواريخ والأسطول البحري، دون الخوض في التفاصيل السياسية المتعلقة بشكل النظام الحاكم في طهران، مما أظهر فجوة في الخطاب بين الدفاع والبيت الأبيض.

وفي السادس من مارس، رفع ترامب سقف المطالب السياسية إلى حده الأقصى، معلناً عبر منصاته الإلكترونية أنه لن يقبل بأي تسوية سياسية أو اتفاق مع إيران لا يتضمن 'الاستسلام غير المشروط'. هذا الموقف المتشدد أغلق الباب أمام أي وساطات دولية محتملة، ووضع الصراع في إطار صفري لا يقبل الحلول الوسط، وهو ما زاد من تعقيد المشهد الميداني والدبلوماسي.

شهدت الفترة ما بين 8 و11 مارس حالة من الإرباك الشديد بشأن تقييم نتائج الحرب، حيث وصفها وزير الدفاع بأنها 'مجرد بداية'، بينما خرج ترامب في اليوم التالي ليقول إن الحرب 'انتهت تقريباً'. وعندما واجه الصحفيون ترامب بهذا التناقض، أجاب بأن الحرب يمكن اعتبارها بدأت وانتهت في آن واحد، مدعياً تحقيق انتصارات عديدة لكنها غير كافية لإغلاق الملف نهائياً.

بحلول منتصف مارس، بدأ ترامب في تخفيف حدة خطابه تجاه الداخل الإيراني، حيث اعترف في مقابلة تلفزيونية بأن دعوته للإيرانيين للإطاحة بنظامهم تواجه عقبات كبيرة بسبب افتقار المدنيين للسلاح. هذا التراجع النسبي عكس إدراكاً متأخراً لصعوبة تحقيق تغيير سياسي داخلي عبر القصف الجوي والعمليات العسكرية الخارجية فقط، دون وجود معارضة مسلحة منظمة على الأرض.

وزارة الدفاع الأمريكية، من جهتها، حاولت لملمة التناقضات الزمنية عبر تصريحات لهيغسيث أكد فيها أن واشنطن لن تلتزم بإطار زمني محدد لإنهاء العمليات. وأوضح الوزير أن القرار النهائي بوقف الحرب يعود للرئيس ترامب وحده، حين يقرر أن الأهداف العسكرية قد تحققت بالكامل، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام استمرار الاستنزاف العسكري لفترات غير معلومة.

في أحدث تطورات الموقف، ألمح ترامب عبر موقع 'تروث سوشال' إلى إمكانية إنهاء الجهود العسكرية العظيمة -حسب وصفه- قريباً، معتبراً أن الأهداف باتت قريبة المنال. ومع ذلك، فاجأ المراقبين بتصريح آخر أكد فيه أنه لا يرغب في توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، مما يشير إلى نية واشنطن إنهاء العمليات القتالية من طرف واحد دون تقديم أي التزامات قانونية أو سياسية.

تظل هذه التناقضات المستمرة في تصريحات الإدارة الأمريكية تثير قلق الحلفاء والمراقبين الدوليين على حد سواء، حيث يغيب التصور الواضح لما بعد الحرب. ومع استمرار العمليات العسكرية، يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت واشنطن تملك استراتيجية خروج حقيقية، أم أنها تنجرف وراء قرارات لحظية تتبدل بتبدل المواقف الإعلامية للرئيس ترامب.

دلالات

شارك برأيك

تخبط في البيت الأبيض: أهداف ترامب المتغيرة في الحرب على إيران تثير الجدل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.