عربي ودولي

السّبت 13 يونيو 2026 4:58 مساءً - بتوقيت القدس

رحيل الأديب السوري عبد الله عيسى السلامة.. 'بحتري العصر' وصوت المنفى والحرية

فقدت الساحة الثقافية العربية والأدبية، الشاعر والروائي والمفكر السوري البارز عبد الله عيسى السلامة، الذي انتقل إلى رحمة الله في العاصمة الأردنية عمان عن عمر ناهز 82 عاماً. ويعد الراحل واحداً من أبرز وجوه أدب المنفى، حيث قضى عقوداً طويلة بعيداً عن وطنه سوريا، مسخراً قلمه للدفاع عن قيم الحرية والعدالة والهوية العربية والإسلامية.

ولد الفقيد في عام 1944 بقرية الحديدي التابعة لمنطقة منبج في ريف حلب، وهي الأرض ذاتها التي أنجبت الشاعر العباسي الشهير البحتري. هذا الرابط الجغرافي والإبداعي دفع النقاد لإطلاق لقب 'بحتري العصر' على السلامة، تقديراً لجزالة لفظه وقوة شاعريته التي استلهمت من التراث أصالتها ومن الواقع همومه.

بدأت رحلة السلامة العلمية في حلب، ثم انتقل إلى دمشق حيث تخرج في قسم اللغة العربية بجامعتها عام 1968، متأثراً بجيل من كبار العلماء والمفكرين. ولم يتوقف طموحه الأكاديمي عند هذا الحد، بل نال لاحقاً شهادة في الحقوق من جامعة بيروت العربية عام 1988، ليجمع بين فصاحة البيان ودقة القانون.

انخرط الراحل مبكراً في العمل العام والنشاط السياسي في سوريا، وهو ما كلفه ثمناً باهظاً من حريته، حيث تعرض للاعتقال في عام 1973. ومع اشتداد التضييق السياسي مطلع الثمانينيات، اضطر لمغادرة البلاد والاستقرار في الأردن، ليبدأ فصلاً جديداً من حياته كأحد أبرز أصوات المثقفين السوريين في الاغتراب.

في ميدان الشعر، ترك السلامة إرثاً غنياً تمثل في خمسة دواوين أساسية، بدأت بـ 'الظل والحرور' عام 1975، وتوالت بعدها 'واحة في التيه' و'ثآليل في جبهة السامري'. تميزت قصائده بقدرة فائقة على دمج القضايا الوجودية بالواقع السياسي المرير، مما جعل شعره مرآة تعكس انكسارات وطموحات الإنسان العربي.

حققت قصائد السلامة انتشاراً واسعاً تجاوز النخب الأدبية إلى الجمهور العام، لا سيما من خلال قصيدتيه 'أنا والبلبل' و'خلي يديّ فلست من أسراك'. هاتان القصيدتان تحولتا إلى أيقونات في عالم النشيد الإسلامي، ورددتهما أجيال متعاقبة كنشيد للحرية ورفض القيود، مما عزز مكانته كشاعر للقيم والمبادئ.

ولم يكن النثر أقل حضوراً في مسيرته، إذ خاض غمار الرواية والقصة القصيرة ببراعة، مصدراً أعمالاً مثل 'الثعابيني' و'الغيمة الباكية'. استخدم في سرده أساليب رمزية وساخرة لنقد الاستبداد والفساد السياسي، معتبراً أن الرواية هي وسيلة فنية فعالة لتوثيق معاناة الشعوب وكشف آليات القمع والظلم الاجتماعي.

إلى جانب إبداعه الأدبي، كان السلامة مفكراً صاحب رؤية، حيث نشر عشرات المقالات والدراسات التي تناولت قضايا الإصلاح الثقافي والسياسي. وبصفتة عضواً في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، ساهم بفعالية في صياغة مفاهيم الأدب الملتزم الذي يجمع بين الجمال الفني والرسالة الأخلاقية السامية.

نال الراحل خلال مسيرته الطويلة تقديراً عربياً واسعاً، تجسد في حصوله على جوائز مرموقة، منها جائزة عكاظ للشعر عام 2009 وجائزة مؤسسة البابطين للإبداع الشعري. هذه التكريمات كانت بمثابة اعتراف بموهبته الفذة وقدرته على الحفاظ على مستوى فني رفيع رغم ظروف النزوح والمنفى القاسية.

يرى مراقبون أن أهمية عبد الله عيسى السلامة تكمن في كونه نموذجاً للمثقف الذي لم يساوم على مبادئه، وظل وفياً لقضايا وطنه رغم البعد الجغرافي. فقد استطاع عبر كتاباته أن يبني جسراً بين جيل الرواد والجيل المعاصر، محافظاً على لغة عربية رصينة قادرة على استيعاب تحولات العصر.

أفادت مصادر ثقافية بأن رحيل السلامة يمثل خسارة فادحة للمشهد الإبداعي السوري والعربي، حيث كان صوتاً متزناً يبتعد عن الأضواء الزائفة ويركز على جوهر الكلمة. وقد نعت العديد من المؤسسات الأدبية الفقيد، مستذكرة مواقفه الشجاعة وإسهاماته التي ستظل مرجعاً للباحثين في أدب المقاومة والحرية.

تميزت مجموعاته القصصية مثل 'لماذا يكذب الجزار؟' و'دموع ضرغام' بقدرة عالية على التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة وتحويلها إلى قضايا كبرى. وكان يؤمن بأن الكاتب هو شاهد على عصره، وأن الكلمة أمانة يجب أن تؤدى بصدق ومسؤولية، وهو ما طبقه فعلياً في كل سطر خطه قلمه.

عاش السلامة سنواته الأخيرة في عمان، مواصلاً عطاءه الفكري حتى الرمق الأخير، ومتابعاً بدقة آلام وآمال الشعب السوري. وبرحيله تطوى صفحة من صفحات الأدب السوري الملتزم، لكن إرثه الموزع بين الشعر والرواية والفكر سيبقى حياً في ذاكرة الأجيال القادمة كمنارة للباحثين عن الكرامة.

تجمع الشهادات الأدبية على أن 'بحتري العصر' نجح في أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم، معبراً عن مأساة المنفى بمرارة وشجن، ولكن دون استسلام لليأس. إن مسيرته التي امتدت لأكثر من نصف قرن تظل شاهداً على أن الأدب الحقيقي هو الذي ينحاز للإنسان وقضاياه العادلة في كل زمان ومكان.

دلالات

شارك برأيك

رحيل الأديب السوري عبد الله عيسى السلامة.. 'بحتري العصر' وصوت المنفى والحرية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.