تحليل

الإثنين 23 فبراير 2026 7:03 مساءً - بتوقيت القدس

الحروب ليست عسكرية فقط: لماذا تفتقد واشنطن عناصر القوة في مواجهة إيران؟

لم تكن الحروب عبر التاريخ مجرد مواجهات عسكرية بحتة، بل هي نتاج سياقات زمنية وتوقيتات دقيقة وشرعية سياسية تمنحها الاستمرارية. وتواجه الولايات المتحدة اليوم أزمة حقيقية في توفير هذه العناصر في صراعها المحتمل مع إيران، حيث تفتقر الخطوات الأمريكية إلى الإجماع الدولي والداخلي المطلوب لخوض غمار مواجهة بهذا الحجم.

يرى مراقبون أن الحرب القادمة إن وقعت، لن تكون حرب ضرورة بالنسبة للشعب الأمريكي، بل هي في جوهرها حرب يسعى إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتظهر استطلاعات الرأي غياب التوافق الداخلي في واشنطن، في ظل استقطاب سياسي حاد يعصف بالمجتمع الأمريكي ويضعف قدرة الإدارة على اتخاذ قرارات مصيرية.

على الصعيد الأوروبي، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، حيث تعيش القارة العجوز حالة من التفكك والبحث عن الأمن الضائع بين مطرقة السياسات الروسية وسندان التوجهات الأمريكية في عهد ترامب. وتفتقر أوروبا حالياً لرؤية واضحة لمستقبل النظام الدولي، مما يجعلها غير قادرة على الانخراط الفعلي في مغامرات عسكرية جديدة.

في المقابل، تبرز الصين وروسيا كقوى دولية تستشعر خطراً داهماً على نفوذها في حال تمكنت واشنطن من حسم الصراع لصالحها. وتعتبر طهران بالنسبة لبكين وموسكو مفتاح التوازنات المقبلة، وهو ما دفع الدولتين لتغيير مقاربتهما نحو تقديم دعم لوجستي وفني وسياسي واضح للجانب الإيراني.

تمثل المنطقة بالنسبة للصين رئة اقتصادية وممراً حيوياً لمشروع 'طريق الحرير'، مما يجعل استقرار إيران أو صمودها مصلحة استراتيجية عليا. هذا التقاطع في المصالح دفع القوى الكبرى للوقوف في وجه الهيمنة الأمريكية المنفردة على مقدرات الشرق الأوسط، وهو ما يعزز من موقف طهران التفاوضي والميداني.

إقليمياً، تشهد المواقف العربية والدولية تحولاً لافتاً، حيث ترفض أغلب دول المنطقة التعاون العلني مع المخططات الأمريكية لضرب إيران. وباستثناء حالات محدودة، يغيب الغطاء الإقليمي عن أي تحرك عسكري، مما يضع واشنطن في عزلة سياسية لم تشهدها في حروبها السابقة بالمنطقة.

تبرز مواقف باكستان وأفغانستان كعوامل ضغط إضافية، حيث أبدت الدولتان جاهزية لدعم طهران في حال تعرضها لعدوان مباشر. هذا الاصطفاف الإقليمي يمنح إيران عمقاً استراتيجياً يتجاوز حدودها الجغرافية، ويصعب من مهمة أي تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا.

أما في العراق، فيبدو الموقف أكثر تلاحماً مع الجانب الإيراني على المستويات الرسمية والشعبية والدينية، حيث يُنظر إلى المواجهة كحرب على نموذج إسلامي ومرجعي. وتعتبر قوى المقاومة العراقية نفسها جزءاً أصيلاً من هذه المعركة، مما يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة بشكل مباشر.

وعلى صعيد القوى غير الدولتية، لا يزال حلفاء إيران في المنطقة يمتلكون قدرات تأثير نوعية رغم الضربات التي تلقوها في السنوات الأخيرة. وتخشى إسرائيل بشكل جدي من فتح جبهات متعددة، خاصة وأن مبررات المقاومة في لبنان وفلسطين تزداد قوة مع استمرار الاحتلال والعدوان.

داخلياً، تعيش الجمهورية الإسلامية حالة من التماسك الوطني ووحدة الموقف السياسي والعسكري، وهي مرحلة توصف بأنها الأفضل منذ عقود. وقد ساهمت المحاولات الاستخباراتية الفاشلة في كشف الثغرات وتعزيز الجبهة الداخلية، مما جعل إيران أكثر استعداداً لمواجهة أي سيناريوهات تصعيدية.

تراهن طهران في استراتيجيتها الدفاعية على 'النفس الطويل' وجر الخصوم إلى حرب استنزاف لا يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل كلفتها. وتعلم القيادة الإيرانية أن الإدارة الأمريكية الحالية غير قادرة على حسم صراع عسكري سريع، أو حتى وضع خطة خروج آمنة تضمن عدم الغرق في رمال الشرق الأوسط.

إن التهديد بالخيار النووي من قبل واشنطن أو تل أبيب قد يدفع دولاً أخرى لإعلان مظلة نووية لصالح إيران، مما يغير قواعد الاشتباك كلياً. هذا التوازن الردعي يجعل من المغامرة العسكرية أمراً محفوفاً بالمخاطر التي قد تنهي حقبة الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي بشكل نهائي.

لقد فقدت الولايات المتحدة عنصر المباغتة الذي يمثل نصف قوة الحرب، بعد أن انكشفت مخططاتها التي أعدت لها لسنوات طويلة. وفي المقابل، أثبتت التجارب الصاروخية الأخيرة أن إيران تمتلك مفاجآت عسكرية قادرة على هز أمن المدن الكبرى في الكيان الإسرائيلي وتقويض تفوقه الاستراتيجي.

ختاماً، فإن المواجهة القادمة لن تكون مع دولة ضعيفة أو ممزقة كما حدث في تجارب أمريكية سابقة، بل مع دولة مكتملة الأركان وذات عقيدة قتالية صلبة. وإذا نجحت إيران في إفشال الأهداف الأمريكية، فقد يكتب التاريخ أن هذه المواجهة كانت نقطة التحول الكبرى في إنزال واشنطن عن عرش القطبية الواحدة.

دلالات

شارك برأيك

الحروب ليست عسكرية فقط: لماذا تفتقد واشنطن عناصر القوة في مواجهة إيران؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.