أفادت مصادر إعلامية بأن تركيا والمملكة العربية السعودية تقودان تحركات دبلوماسية واقتصادية مكثفة لإنشاء ممر بري وتجاري جديد يربط دول الخليج بالقارة الأوروبية. ويهدف هذا المشروع الاستراتيجي إلى تجاوز المسارات التي تمر عبر إسرائيل، مما يضعه في منافسة مباشرة مع مشروع الممر الاقتصادي الذي تروج له تل أبيب لربط الهند بأوروبا.
ويعتمد المشروع المقترح على ربط الأراضي التركية بدول الخليج العربي مروراً بالأراضي السورية والأردنية، وهو ما يتيح تدفق البضائع بين آسيا وأوروبا بسلاسة عالية. وتكمن أهمية هذا المسار في كونه يلغي الحاجة لاستخدام ميناء حيفا، الذي يعد ركيزة أساسية في مشروع 'الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا' المدعوم من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات الأمنية في الممرات المائية الحيوية، لا سيما التهديدات التي تواجه الملاحة في مضيق باب المندب ومضيق هرمز. وقد دفعت هذه التحديات الجيوسياسية القوى الإقليمية للبحث عن بدائل برية آمنة ومستدامة تضمن استمرار سلاسل التوريد العالمية بعيداً عن مناطق الصراع البحري.
وشهدت العاصمة السعودية الرياض تقدماً ملموساً في هذا الملف، حيث وقع وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو مع نظيره السعودي صالح الجاسر مذكرتي تفاهم في التاسع من يونيو الجاري. وتركزت هذه الاتفاقيات على تعزيز التعاون في مجالات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، مما يضع حجر الأساس للمشروع الطموح.
وأكد الجانب التركي أن هذه الاتفاقيات ستسهم بشكل فعال في تعزيز الترابط التجاري وتطوير البنية التحتية للمنطقة بأكملها. ومن جانبه، شدد الوزير السعودي على وجود تنسيق رفيع المستوى مع أنقرة لتحسين الربط البري والبحري والجوي، بما يخدم المصالح الاقتصادية المشتركة للدولتين.
وتشير المصادر إلى أن المشروع يستند في رؤيته إلى إحياء أجزاء من سكة حديد الحجاز التاريخية التي كانت تربط دمشق بالمدينة المنورة في أوائل القرن العشرين. ومن المخطط تطوير هذا الخط التاريخي وتحويله إلى ممر حديث لنقل البضائع يربط الأسواق الخليجية بتركيا ومنها إلى قلب القارة الأوروبية.
بالتوازي مع ذلك، تعمل الحكومة السورية على خطط تهدف لتحويل أراضيها إلى مركز لوجستي إقليمي يربط دول الخليج بتركيا والبحر المتوسط. وقد جرى خلال الأشهر الماضية توقيع عدة تفاهمات بين دمشق وأنقرة وعمان لتعزيز التعاون في قطاع النقل السككي وتسهيل حركة الترانزيت عبر الحدود.
التطورات الإقليمية الأخيرة ضاعفت من أهمية شبكات النقل البري غير المنقطعة، ونقل الترانزيت يتيح فرصاً استراتيجية للوصول للأسواق الأوروبية والخليجية.
ويرى مراقبون أن التقدم في المسار التركي السعودي السوري يمثل تحدياً كبيراً للطموحات الإسرائيلية التي تسعى لجعل إسرائيل محطة رئيسية للتجارة الدولية. ففي حال تنفيذ هذا الممر، ستتراجع الأهمية الاستراتيجية للمسارات التي تمر عبر الموانئ الإسرائيلية، مما يعيد رسم خريطة طرق التجارة في الشرق الأوسط.
وتعكس هذه المنافسة صراعاً متزايداً على رسم مسارات التجارة البديلة للممرات البحرية التي باتت مهددة بالتوترات الأمنية المستمرة. وتبرز الحاجة الاستراتيجية لإزالة العقبات أمام قطاع النقل البري كأولوية قصوى للدول المشاركة في هذا المشروع لضمان أمنها الاقتصادي.
وفي سياق متصل، أوضح الوزير التركي عبر منصات التواصل الاجتماعي أن المرحلة الجديدة من التعاون ستشمل تبادل الخبرات الفنية وتطوير المراكز اللوجستية. كما لفت إلى أن العمل جارٍ لترسيخ التعاون في قطاع السكك الحديدية ليشمل مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية وتدريب الكوادر البشرية المتخصصة.
وشددت وزارة النقل التركية في بيان لها على أن ضمان التدفق السلس للتجارة يكتسب أهمية حاسمة في ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها المنطقة. وأشار البيان إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة أثبتت ضرورة وجود شبكات نقل بري غير منقطعة توفر وصولاً مباشراً للأسواق العالمية.
وتجدر الإشارة إلى أن سكة حديد الحجاز التي يسعى المشروع لاستلهام مسارها، كانت قد أنشئت في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لخدمة الحجاج وتنشيط التجارة. وامتدت السكة قديماً لمسافة تزيد عن 1300 كيلومتر، وكانت تعتبر معجزة هندسية في وقتها لربطها أقاليم الدولة العثمانية ببعضها البعض.
إن نجاح هذا المشروع يعتمد بشكل كبير على الاستقرار السياسي في الدول التي يمر عبرها، وخاصة في سوريا التي تسعى لاستعادة دورها كجسر تجاري. وتراقب الأوساط الاقتصادية الدولية مدى قدرة هذا التحالف الجديد على توفير التمويل اللازم لتحديث البنية التحتية المتهالكة في بعض قطاعات المسار المقترح.
في نهاية المطاف، يبدو أن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو صراع 'ممرات' يسعى فيه كل طرف لتثبيت مكانته كحلقة وصل عالمية. وبينما تراهن إسرائيل على دعم القوى الغربية لمشروعها، تراهن تركيا والسعودية على الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة لفرض واقع تجاري جديد في المنطقة.





شارك برأيك
تحرك تركي سعودي لإنشاء ممر بري يتجاوز إسرائيل وينافس مشروع 'حيفا'